قلب العالم ينتقل إلى آسيا؟

 

رشيد خشانة

 

لم تحُل المنافسة اليابانية – الصينية على زعامة آسيا دون التخطيط لإقامة ثالث أكبر تجمع في العالم بعد تجمَعي الإتحاد الأوروبي في القارة العجوز و»ألينا» في شمال أميركا. ودلَت المبادرة اليابانية الأخيرة الموجهة الى 15 عاصمة في جنوب شرق آسيا والرامية الى إنشاء منطقة تبادل حر اقتصادية، أن هذا المشروع بات مطروحاً على الأجندة الآسيوية أكثر من أي وقت مضى، وهو سيصبح إن كُتب له أن يُبصر النور، التجمع الأول في العالم بالنظر الى وزنه الإقتصادي والسكاني (3 بلايين سخص). وتضم المنطقة الإقتصادية المزمع إقامتها، إلى الصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، البلدان الأعضاء في «آسيان» أي ماليزيا وأندونيسيا والفيليبين وفيتنام وكمبوديا وسنغافورة ولاوس وتايلندا وبيرمانيا وبروناي. ورأى الصينيون في هذه المبادرة اليابانية محاولة لتكريس زعامة طوكيو للمنطقة في وقت يبدو الإقتصاد الصيني المتميَز بحيوية كاسحة أكبر تهديد لمكانة اليابان في المنطقة والعالم.

لكن اليابانيين لم يُغفلوا الصين من مبادرتهم، فمن دونها لا يعود هناك معنى لأي تكتل إقليمي في آسيا. لكن جديد المبادرة يتمثل في المسافة التي أخذتها طوكيو تجاه الولايات المتحدة والتي تُعارض المشروع في حدة، انطلاقاً من خشيتها أن يستغني حلفاؤها الآسيويون عنها لو اندمجوا في تجمع إقليمي، ما يؤدي حكماً إلى إضعاف دورها على الصعيدين القاري والدولي. بل إن السفير الأميركي في اليابان توماس شيفر لم يُخف أن واشنطن لن تقبل باستبعادها من التجمع الإقليمي المنوي إقامته كونها تعتبر نفسها واحدة من أمم... المنطقة، ربما اعتباراً لهيمنتها الطويلة عليها.

طبعاً يدرك الأميركيون أن هناك مرتكزات موضوعية لتشكيل منطقة قوية للتبادل الحر في آسيا فهي ستضم نصف سكان العالم ورُبع الثروات العالمية ويتوقع لها الخبراء أن تستأثر وحدها بـ56 في المئة من الناتج العالمي الخام اعتباراً من السنة 2020، ما سيُهمَش أوروبا وأميركا معاً. وعلى هذا الأساس أجمعت الدراسات الإستشرافية على أن مركز العالم لن يبقى في أوروبا أو أميركا وإنما سينتقل إلى شرق آسيا. وهذا ما يعزز مخاوف واشنطن من المشروع ويدفعها إلى إحباطه مثلما عطلته لدى وضعه على بساط البحث في مناسبات سابقة. وتجلى القلق الأميركي في شكل صريح لدى اجتماع القمة الآسيوية الأولى في ماليزيا في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي والتي خُصَصت لدرس فكرة إنشاء منطقة تبادل حر اقتصادية. لكن لا يمكن تحميل مسؤولية تأخير المشروع للأميركيين وحدهم، فبين رأسي القطار الآسيوي طوكيو وبيكين خلافات عميقة لا تقتصر على إرث الحقبة الإستعمارية التي يستحضرها الجانبان كلما نشب نزاع جديد بينهما، وإنما تشمل خاصة مضمون تحرير الأسواق الآسيوية. فاليابانيون الذين يخشون من المدَ الصيني الكاسح متمسكون بسياسة حمائية ترفض فتح السوق المحلية للسلع الأجنبية في مقابل سعيهم لتصدير منتوجاتهم إلى الجيران. وتُضاف إلى المناكفة الصينية – اليابانية خلافات قديمة وجديدة مع الركنين الآخرين للمبادرة الهند وكوريا الجنوبية، ما يُقلَل من دور المعارضة الأميركية في تعطيل المشروع.

واللافت هنا أن اليابانيين استبعدوا تايوان من المبادرة التي أرسلوها إلى جيرانهم بدافع الحذر من إثارة غضب الصين. وواضح أن اليابان المرتاب من تعاظم القوة العسكرية الصينية يسعى لإذابة الخلافات مع العملاق الآسيوي الصاعد في بركة السوق القارية المشتركة. وليس خافيا أيضاً قلق طوكيو من حيوية الصينيين والكوريين الذين يتخذون مبادرات متلاحقة لإبرام شراكات جديدة في قارات العالم المختلفة ما يحمل اليابانيين على تدارك بطء حركتهم وتفادي اتساع الفجوة بين الجانبين.

مع ذلك يُنظر إلى مبادرة تشكيل تجمع آسيوي أيا كان أصحاب الفكرة أو المتحمسون أكثر لتنفيذها، على أنها ممرَ إجباري للإقتصادات المحلية، من فيتنام إلى إندونيسيا، كي تقدر على مجابهة تحديات العولمة والمحافظة على كياناتها. وسواء استمر الأميركيون بمعارضتهم للمبادرة أم أذعنوا للأمر الواقع فالقطار سينطلق إن لم يكن في الأمد القريب ففي المتوسط. والظاهر أن بعض الزعماء العرب أدركوا الدور المستقبلي لشرق آسيا فشدوا الرحال إليه منذ الآن استباقا للتطورات المرتقبة وتوصلوا مع الآسيويين إلى اتفاقات تقيم جسوراً مع هذا العالم الجديد. غير أن الخطى العربية غير متناسقة لأنها لا تنطلق من رؤية مشتركة للمسارات الدولية ولا من قراءة لآفاقها وموقع العرب منها، كي يكون التعاطي مع تشكيل تلك الأقطاب العالمية مبنياً على مصالح مشتركة. ويكفي أن ننظر إلى القمم الأوروبية أو الآسيوية ومثيلاتها العربية حتى ندرك أننا بعيدون عن الإنطلاق من رؤية جامعة وإرادة مشتركة. وهذا ما يزيد من تهميش العرب على المسرح الدولي.

وكل ذلك بحسب رأي رشيد خشانة في المصدر المذكور.

المصدر: الحياة اللندنية-11-4-2006