خبراء: معدل أسعار العقارات في أميركا قد يتراجع بنسبة 20 %.. وبريطانيا ستتعرض لصدمة اقتصادية وعقارية

 

 

 

أزمات التمويل تعصف بالأسواق الدولية

توقفت اعمال البناء في اكبر ناطحة سحاب في لندن بعدما فشلت الشركة المطورة للمشروع في الحصول على تمويل لازم لها في ظل اخطر ازمة تمويل تعتصر الاقتصاد البريطاني في الوقت الحاضر. وكان من المتوقع ان تبدأ اعمال الهدم للمبنى القائم حاليا في موقع المشروع منذ ثلاثة اسابيع ولكن المشروع المسمى "شارد" في منطقة "لندن بريدج" توقف مرحليا حتى منتصف الشهر المقبل بسبب متاعب التمويل التي تأثرت بالمناخ الحالي.

وتقول مصادر مقربة من الشركة المطورة للمشروع، ويشارك فيها استثمار عربي، ان التأخير كان من احد مصارف التمويل الشرق اوسطية الذي يستغرق في الوقت الحاضر وقتا اطول في تمحيص المشروع حتى يتأكد من جدواه الاقتصادية. ويدرس البنك مشروع العقار اللندني منذ ثلاثة اشهر، ولكنه لم يتخذ قراره بعد على رغم ان الشركة المنفذة للمشروع ملتزمة بالتسليم في عام 2012، قبيل انعقاد الدورة الاوليمبية بعد المقبلة في لندن.

من ناحية اخرى حذر الخبير المالي كريستوفر وود الذي سبق وتوقع انهيار قطاع الرهن العقاري الاميركي، من ان الاقتصاد البريطاني سوف يتعرض لصدمة كبيرة لانه يعتمد على الحي المالي في لندن، بالاضافة الى قطاعي العقار والخدمات المالية، كمحرك لنمو الاقتصاد،. واضاف ان هناك قطاعات كبيرة داخل هذا الاقتصاد تعتمد على التمويل لذوي الملاءة المتدنية على النمط الاميركي، خصوصا في قطاعي العقار والاستهلاك السلعي عن طريق بطاقات الائتمان. واضاف ان "تراجعا عقاريا في بريطانيا اصبح في حكم المؤكد الذي لا يمكن الهروب منه." وكان وود قد توقع ازمة الرهن العقاري الاميركي في عام 2005 في مطبوعة مالية متخصصة.

وهاجم وود بنك انجلترا على قراره بانقاذ بنك "نورزرن روك" الذي وصفه بأنه لا يستحق الانقاذ لانه اتبع سياسة اقراض وتمويل مستهترة. وقال ان ميزانية البنك الذي يواجه متاعب تشبه ميزانية شركات التمويل الآسيوية قبل الانهيار الاسيوي الشهير في عام 1997. وتوقع وود ان تكون ازمة البنك البريطاني هي الاولى من عدة ازمات متلاحقة ومتماثلة وان يبدأ بعدها عصر جديد عنوانه التشدد في منح القروض، وسوف تضرب هذه المرحلة الجديدة اول ما تضرب مجال العقار الدولي من حيث نشاط البناء والتمويل.

السحب السوداء: من ناحية اخرى تتجمع سحب سوداء من اطراف سوق العقار لكي ترسم صورة قاتمة تبدأ من الولايات المتحدة وتمتد الى اسواق العقار العالمية عبر اوروبا وبريطانيا، التي يبدو انها اول من اصيب بعدوى الاضطراب المالي الاميركي. فمن ناحية، تسوء توقعات قطاع العقار الاميركي يوما بعد يوم، ومن ناحية اخرى ترفض البنوك على جانبي الاطلنطي مد التمويل الى العقارات التي تعاني من اي عيوب سواء من حيث القيمة او النوعية، كما ترفض ايضا تمويل شراء العقارات بلا ضمانات موازية في القيمة. ايضا نزعت بعض البنوك الى رفع تكاليف الاقراض العقاري على رغم ثبات اسعار الفائدة البريطانية والاوروبية، وانخفاض الفائدة الاميركية بنصف نقطة. فلم يعد من الضروري ان ترتبط تكاليف الاقراض بسعر الفائدة الاساسي كما ظل الحال طوال نصف قرن، وانما يتعلق الامر اكثر بتكاليف الاقراض بين البنوك، وهو سعر يكاد يزيد عن سعر الفائدة الاساسي حاليا بنقطتين مئويتين على الاقل.

وتقول المؤشرات الاميركية ان توقعات شركات تطوير العقار عن الطلب الجديد في القطاع وصلت الى معدلات متدنية قياسية لم تصلها منذ 22 عاما حينما بدأ نظام تسجيل التوقعات. كما ان المؤشرات السلبية في سوق العقار استمرت للشهر السابع على التوالي لكي تعادل الوضع الذي كان عليه السوق في عام 1991 عندما كانت الولايات المتحدة تعيش فترة كساد اقتصادي.

وتأمل اوساط السوق ان يساهم خفض الفائدة الكبير والمفاجئ الذي اعلن عنه الاحتياطي الفيدرالي في تحسين توقعات سوق العقار، ولكن الانعكاسات التي جرت حتى الان كانت في البورصة فقط، وان كان ذلك قد شمل اسهم شركات العقار ايضا التي زادت بنسبة 3.1 في المائة. ومرر الكونغرس على عجل قانون جديد لتسوية اوضاع 300 الف مقترض معرضين للافلاس بسبب عدم القدرة على سداد القروض العقارية. ويسهل القانون الجديد اعادة التمويل بشروط ايسر وبضمانات فيدرالية.

ومع ذلك يتوقع مراقبو السوق العقاري الاميركي ان يتدهور الوضع قبل ان يتحسن. وكانت ابرز التصريحات من ألن غرينسبان المحافظ السابق للاحتياطي الفيدرلي الذي شهدت اميركا تحت قيادته لبنكها المركزي اطول فترة انتعاش في تاريخها. ويقول غرينسبان انه يعتقد ان "سقوط اسعار العقار الاميركية سوف يكون اكبر من التوقعات"، ولن يقل في حده الادنى عن نسبة سبعة الى تسعة في المائة من القيمة الحالية.

واضاف انه لن يفاجأ اذا كانت نسبة التراجع اكبر من 10 في المائة. واعترف غرينسبان بصراحة ان ما كانت الاسواق الاميركية تعيشه في الفترة السابقة لم يكن الا "فقاعة"، ساد خلالها الاعتقاد ان العقار استثمار مضمون لا يخسر ابدا مهما كانت الظروف.

ولكن الفقاعة التي استمرت في الانتفاخ بفعل التمويل الرخيص في القطاع منخفض الملاءة (Sub Prime) انفجرت عندما وصلت القناعة للاغلبية ان اسعار العقار لا يمكن ان تستمر في النمو بمعدلاتها السائدة لفترات طويلة. وهو يضيف ان التراجع بدأ بالفعل ولكن احدا لا يعرف مداه.

هذا في ما عدا خبير اقتصادي في مؤسسة "ميريل لينش" المالية اسمه دافيد روزنبرغ عبر عن اعتقاده ان معدلات اسعار العقار الاميركية قد تهبط بنسبة 20 في المائة عما كانت عليه في ذروتها ولكن الكثيرين يختلفون معه في الرأي خوفا من تحقق توقعاته لان هبوطا بهذه النسبة القياسية غير المسبوقة قد ينتج عنها دخول الاقتصاد الاميركي مرحلة كساد.

السحب الرمادية: في المانيا تتجمع سحب رمادية من نوع آخر: تراجع ثقة المستهلكين والمنتجين. فالمستهلك الالماني يتابع المتاعب الائتمانية عن بعد ويعرف انه سوف يصاب بها عاجلا ام آجلا. ولذلك فالاغلبية تعتزم شد الاحزمة وتأجيل مشاريع الاستهلاك والانفاق غير الضروري وبالتالي ترى الشركات الالمانية ان من الافضل عدم زيادة الانتاج في الوقت الحاضر حتى تتضح توجهات الاقتصاد الالماني. وتشير توقعات مؤسسة "زيو" الاقتصادية في مدينة مانهايم ان التوقعات السلبية زادت بين المديرين من 6.9 في المائة في الشهر الماضي الى 18.1 في المائة هذا الاسبوع  ومصدر الخوف هو ان ازمة الاقراض الاميركية سوف تنعكس سلبا على الاقتصاد الاميركي وبالتالي على الصادرات الالمانية الى الولايات المتحدة.

ويعاني قطاع العقار الالماني اصلا من جراء ارتفاع اسعار الفائدة وارتفاع قيمة اليورو، وهو عامل مزدوج خفض الطلب على العقار. وعلق رئيس وحدة بحث اقتصادي ألماني على وضع اسواق العقار فيها بأنها كانت خلال النصف الاول من هذا العام موازية لاسوأ التوقعات.

ويقول احدث تقرير عقاري من شركة "نايت فرانك" ان الاسعار في بقية انحاء اوروبا تجمدت او تراجعت مع مخاوف زيادة تكاليف الاقتراض وتراجع شركات التعمير عن بناء المزيد من الوحدات السكنية. وكانت المانيا الاكثر تأثرا مع تراكم الوحدات العقارية غير المباعة خصوصا في القسم الشرقي من البلاد ويشير التقرير، وهو الاحدث عن حالة العقار الدولي، الى ان الاسعار في الولايات المتحدة زادت في المتوسط 3.2 في المائة في العام الاخير حتى نهاية يونيو (حزيران) الماضي، ولكن هذا المتوسط يخفي تراجعا بلغ 20 في المائة في بعض الولايات الجنوبية. وتسارع هذا الانخفاض بعد ازمة التمويل العقاري الاخيرة التي عرضت فيها الكثير من العقارات المصادرة للبيع القسري في المزاد. ولا يعتقد التقرير ان المرحلة الاسوأ في العقار الاميركي انتهت بعد، على الرغم من خفض الاحتياطي الفيدرالي للفائدة نصف نقطة.

وفيما يتعلق بالعقار البريطاني انخفض معدل الزيادة في العام الاخير وفقا للتقرير، بينما اضاف تقرير آخر من المعهد الملكي للمساحين العقاريين المعتمدين ان توقعات العقار البريطاني لعام 2008 تم تخفيضها من زيادة طفيفة قدرها ثلاثة في المائة الى نسبة الصفر - اي انعدام النمو بالمرة. ولكن شركة "نايت فرانك" تخالف هذا التوقع لاعتقادها ان الضغط على الطلب سوف يعني استمرار زيادة اسعار طفيفة في العام المقبل قد تصل الى اربعة في المائة.

وبصفة عامة لا تبدو صورة العقار الدولي مشجعة في العام الجديد باستثناء مناطق قليلة حصرها تقرير "نايت فرانك" في العقارات الفاخرة على ساحل البرازيل الشرقي، والقطاع الشعبي في الصين والهند.

ولكن اسواق الدول الصناعة سوف تعاني من الخمول بوجه عام. ولم يلفت النظر في اوروبا الشرقية سوى لاتفيا التي ارتفعت الاسعار في عاصمتها ريغا بحوالي 37.7 في المائة، ولكن من قاعدة متدنية للغاية.

الجدير بالذكر ان هناك العديد من المؤشرات التي تشير الى ان ازمة رهن عقاري تتبلور في بريطانيا ايضا، بعد سنوات من التوسع العشوائي في الاقراض غير المحسوب والتي كان اول معالمها اشراف بنك "نورزرن روك" على الافلاس. فهناك اكثر من ربع مليون مقترض يعاني الآن من عدم القدرة على السداد وقد تتطور الازمة الى مشكلة انهيار عقاري. ويأتي هذا الوضع الخطير على رغم تراجع بنك انجلترا وضخه لمبلغ 10 مليارات استرليني في النظام المصرفي البريطاني لزيادة سيولة القطاع.

وكانت البنوك البريطانية قد قررت رفع معدلات الاقراض على الرغم من ثبات اسعار الفائدة الاساسية، وذلك لارتفاع تكاليف الاقراض بين البنوك بسبب الازمة الائتمانية التي اصطلح على تسميتها (Credit Crunch) وقد تحل هذه التسمية في المستقبل كعلامة على المشكلة الائتمانية السائدة بدلا من الاصطلاح الاميركي (Sub Prime). كذلك يتعامل السوق الآن بشروط جديدة تستبعد الفئات ذات التاريخ الائتماني الضعيف، بحيث ترفض البنوك حاليا اقراض هذه الفئات او تقديم افضل الشروط لها. وعندما تنتهي آجل التعاقدات الحالية سوف تجد هذه الفئات ان عليها دفع معدلات فائدة اعلى. وقد يجبر هذا الوضع اعدادا كبيرة الى التخلص من العقارات لعدم القدرة على السداد، او استيلاء البنوك عليها لبيعها في المزاد للوفاء بالديون، بما يمكن ان يكون تكرارا للوضع الاميركي السائد.

وتقول العديد من شركات الاقراض المتخصصة في القطاعات المتدنية ائتمانيا انها اضطرت الى رفع معدلات الفائدة وتشديد شروط الاقراض بسبب احوال السوق حاليا وصعوبة الحصول على الائتمان الرخيص. وقبل شهر اغسطس ( آب ) الماضي كان يمكن الحصول على قروض في هذا القطاع بسعر فائدة يبلغ ثمانية في المائة، اما الان فإن المقترض قد يفشل في الحصول على تمويل بالمرة اذا كان تاريخه الائتماني رديئا، واذا نجح في اقناع الشركات باقراضه فلن يقل معدل الفائدة عن 10.85 في المائة. ولن يؤثر التمويل البالغ 10 مليارات استرليني كثيرا في سيولة الاسواق كما لن يحسن الوضع للفئات التي تحتاج المساعدة اكثر من غيرها. وتمثل الفئات متدنية الملاءة نسبة عشرة في المائة في بريطانيا وتعم المتاعب حوالي ربع هذه الفئة حاليا.

ويمكن القول بكل ثقة ان انعكاسات هذه الاوضاع سوف تنعكس على المنطقة بصورة او بأخرى على رغم تصريحات متعددة من مسؤولين ينفون مثل هذا التأثير. فالطلب الدولي على العقار العربي سوف ينكمش لصعوب التمويل، وتكاليف الاقتراض بين البنوك العربية والاجنبية سوف تزيد وتنعكس على الاقراض المحلي. وعلى الرغم من وجود سيولة محلية الا ان اسواق العقار العربية في طريقها الى مرحلة هدوء سعري قد يتحول الى تراجع.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الشرق الأوسط اللندنية-29-9-2007