مشروعات النهضة بين الغنى والجشع

 

 

د. محمد السيد سعيد 

 

 

أو للإجابة على السؤال المثار في المناقشات حول "حدود النمو" وحول "حدود البحث عن المصلحة الخاصة" ويمكننا أن نرى لماذا بمزيد من التمعُّن فيما يحدث اليوم في الاقتصاد الأميركي والعالمي.

لم تكن هناك مفاجأة في أن تعلن الهيئة الاحتياطية الأميركية وهي البنك المركزي هناك منذ أيام قليلة عن تخفيض سعر الفائدة. ومن المعروف أن "آلان جرينسبان" الاقتصادي الذي شغل موقع رئيس الهيئة لثلاثة، عقود كان وراء القرار بالرغم من استقالته من موقعه منذ أكثر من عام. وهذا الاقتصادي الكبير قال بعد أن اتخذ القرار إنه لا يضمن عدم سقوط الاقتصاد الأميركي وبالتالي الاقتصاد العالمي في فخ انكماش كبير جديد وبالفعل فإن الساسة والاقتصاديين في العالم أجمع يضعون أيديهم على قلوبهم حتى لا يضرب الانكماش بلادهم على رأسها بعد أن كانت هذه الرأس قد استقرت على آمال انتعاش أو معدلات نمو أفضل هذا العام وخلال الفترة المقبلة.

فإن لم يؤد خفض سعر الفائدة في الولايات المتحدة لتجنب موجة انكماش جديدة ستتعدد النظريات حول تفسيرها. البعض سيركز على أحد القوانين الرئيسية في الاقتصاد الرأسمالي وسيقول إنها أزمة دورية قصيرة. ولكن البعض الآخر سيركز ببساطة على ما لدينا من "دليل روائي" بسيط ويقول هذا الدليل إن الأزمة بدأت بانهيار صناديق الاستثمار في مشروعات "التنمية الإسكانية" وانتقلت من هذا القطاع المالي إلى بقية الاقتصاد وبغض النظر عن الدقة الفلكية في التفسير والتشخيص فإن هذا التفسير الأخير للأزمة يهمنا بشكل خاص.

ثمة جديد في الأمر هنا وهو التضخم المفاجئ أو الورم السرطاني المذهل في هذه الصناديق. بدأ الأمر بابتكار مفيد لتمويل المشروعات السكنية الضخمة. ولكنه تطور سريعاً ليصبح أداة عملاقة للمضاربة المالية، والأخطر المضاربة على مشروعات إسكان لا يتوفر عليها طلب حقيقي.

وبدأ الناس يشترون المساكن دون أن يحتاجوها فعلاً ودون أن يتوفر لهم المال, وكأن بناء المساكن أصبح هدفاً بذاته وليس لأنه يشبع حاجة اجتماعية. وترتب على ذلك تراجع كبير في معدلات تسديد قروض هذه الصناديق وانهيار ربحيتها ومن ثم وقوعها فريسة الأزمة التي انتقلت لبقية القطاعات بحكم التعملُق الاصطناعي لهذه الصناديق.

وراء ما حدث كله أن هذه الصناديق كانت تمنح للمستثمرين فيها معدلات ربح أعلى بكثير جداً من سعر الفائدة على الودائع المصرفية. وببساطة صارت هذه الصناديق شيئاً أقرب إلى حوض للمضاربة المالية بهدف الكسب السريع، أو بالأحرى الكسب الجشع، وهو شيء معروف في الاقتصاد الرأسمالي "المتقدم" ويكاد يماثل ما عرفناه في منطقتنا أو اقتصادنا العربي غير المتقدم بأسماء كثيرة: "سوق المناخ", "شركات توظيف الأموال الإسلامية".. الخ. كان الجشع هو الحافز وهو المرض!

ماذا عن جرينسبان؟ إنه أثقل كهنة ما نسميه في الاقتصاد بمدرسة النقديين. وكانت هذه المدرسة وراء الصعود السريع لـ"المحافظين الجدد" في المجال الاقتصادي وبالذات تاتشر وريجان, وهم سبقوا المحافظين الجدد في المجال السياسي. أهدى الأخيرون بلادهم كارثة غزو العراق وتهديد إيران والشرق الأوسط ومشروعات التسليح العملاقة وخاصة في الفضاء مثل الدرع الصاروخي فضلاً عن كارثة إسرائيل وغيرها من الكوارث الفظيعة. أما الأولون فأهدوا بلادهم كوارث لا تقل سوءاً في نظم الصحة والتعليم والبنية الأساسية.

ولكن جرينسبان نفسه صرح في لحظة ضمير أنه لم يكن يقصد ذلك كله. كان يقصد أن ينتج نظاماً رأسمالياً لا تشوِّهه التدخلات الإدارية للدولة. ولكنه حصل على تشوُّهات أشد وأنكى أثراً وبالذات تلك التي تسمح بها النفس الإنسانية الأمَّارة بالسوء: الجشع غير المحدود.

اضطر جرينسبان للاعتراف بأن هذا التشوُّه بالذات وصل بالنظام الرأسمالي إلى "حدوده" النهائية والتي يبدأ بعدها في تدمير نفسه: أي الحدود التي تحيل البشر إلى كائنات لاإنسانية! ومن ثم تحيل الاقتصاد إلى نشاط لااقتصادي: أي مدمر للموارد! وظهر ذلك كله بوضوح بالغ في انطلاق الفساد في الولايات المتحدة وربما في العالم كله.

منذ شهور قليلة كتب الصديق الدكتور عبدالمنعم سعيد، مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، مقالاً شهيراً بعنوان "ما أروع أن تكون غنياً".

المقال يدعو الناس ألا يشعروا بالخجل من الثراء وأن يبحثوا عنه وأن يحتفلوا به وأن يدركوا أن الثروة والمصلحة الشخصية دوافع شرعية وقيمة لأنها هي في ظنه ما يحقق التقدم للشعوب وبالفعل فإن البحث عن الثروة كان أحد دوافع الانتقال للرأسمالية ومن ثم للنهوض الاقتصادي بعيداً عن الإقطاع الذي رسَّخ تخلف أوروبا الطويل في القرون الوسطى. ولكن حقيقة الأمر أن إسبانيا والبرتغال كانتا أكثر دول أوروبا اندفاعاً وانتفاعاً بالبحث المحموم عن الثروة, وهما بالذات لم تحققا التقدم ولم تنتقلا للرأسمالية في القرنين السادس والسابع عشر. من حقق الانتقال الناجح إلى الرأسمالية ومن ثم إلى التقدم الرأسمالي كانت هولندا ثم إنجلترا وكانتا الأكثر تأثراً بالدعوة الكالفينية التي فعلت شيئاً أكثر تعقيداً بكثير من دعوة الناس للفرح بالثراء.

فالكالفينية دعتهم أيضاً للادخار ولاحترام قيمة العمل الشاق، ودعتهم للقيام بمشروعات نافعة. وأسست هذه الدعوة أساس الثقافة الرأسمالية في ثوبها المثالي والتي تعبر عنها كلمة لا تكاد توجد في اللغات الشرقية: أي المبادرة بالمشروعات أو تنمية المشروعات وهي بالإنجليزية: enterprising.

وصلب المنازعة الفكرية في الفكر الرأسمالي الحديث يمكن تصويرها كما يلي: هل يتحقق الغنى بالادخار والعمل الشاق والمبادرة الخلاقة ببناء وتنمية المشروعات أم بالبحث عن الثروة بذاتها؟

لنترك الكلمة الإنجليزية الدالة لنعود للكلمة العربية الملتبسة حتى الآن: كلمة الغنى. فالأصل أنها دالة على "الغنى عن الحاجة أو عن السؤال". والشخص يكون غنياً عندما لا يحتاج لسؤال غيره لتلبية حاجاته، وهو ما يختلط بكونه يملك ما يكفيه من ثروة حتى أصبح المعنى الشائع للغنى هو امتلاك الثروة.

حسناً. لنقفز إلى جوهر القضية. العالم يحتاج لحافز دائم للنهضة ولتلبية الحاجات المتنوعة للبشر. البعض يرى أن الطريق هو البحث عن الثروة أو بالتعبير الشعبي عن الغنى. ووضع المسألة على هذا النحو لا يفتح الطريق للفساد على مصراعيه فحسب بل وأراه يفتح الطريق للأزمات بل وللنكسات أيضاً فالبحث عن الثروة ليست له نهاية إلا إن كان تدمير أو تحلل العالم هو هذه النهاية.

أما إن كنا نبحث عن الغنى فهو شيء آخر تماماً يدلنا عليه شهر رمضان: أي تعلم الاستغناء. فإن كنت قادراً على الاستغناء عن الطعام أو السيطرة على حاجاتك منه فأنت على الأرجح قادر على السيطرة على مختلف الشهوات والمطالب الأخرى.

ولكي نصل إلى النهضة ثمة ما يجب الإحاطة به أيضاً في كلمة الغنى وهو غرس حافز التقدم الشخصي والجماعي. ولذلك يجب أن نضيف إلى ذلك معنى أو حافزاً آخر يدلنا عليه كلام الله ويجب أن نمارسه طوال شهور العام: الإعمار في الأرض وهو أقرب تعبير لثقافة بناء وتنمية المشروعات.

أنت والبشر جميعاً تصلون للغنى بالمعنى الأصيل للكلمة، وتصلون أيضاً لمعنى النهضة والتقدم الذي لم نجد له صيغة فعالة حتى الآن بهذا النوع من الغنى الذي يحفز النهضة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-28-9-2007