آلان غرينسبان ـ رئيس البنك المركزي الأميركي السابق ـ صمت 60 عاما.. وعندما تحدث أقام الدنيا ولم يقعدها

 

 

حارس الدولار

 

 

كانت هناك مفاجأتان عندما صدر الاسبوع الماضي كتاب مذكرات ألان غرينسبان، رئيس مكتب الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي) السابق، الاولى: كيل الاتهامات التي وردت فيه. والثانية: هي مجرد ان يتحدث غرينسبان نفسه.

فالرجل الذي يصف نفسه بانه حارس للدولار ظل صامتا خلال 60 سنة في العمل الاقتصادي، لا يتحدث عن نفسه، ولا عن غيره. لكن، في الاسبوع الماضي، صدر كتابه «عصر التقلبات: مغامرات في الدنيا الجديدة»، الذي خرج فيه عن صمته المطبق، وزاد الاهتمام بآرائه لانه عُرف، خلال عمله في مكتب الاحتياطي الفدرالي، بالصمت المستمر، وبرفضه اجراء مقابلات مع الصحافيين، وبالاجابات القصيرة خلال استجوابات الكونغرس له.

وفي مقابلات تلفزيونية بمناسبة صدور كتابه، تحدث غيره عنه، وخاصة زملاء عرفوه في جامعة نيويورك التي درسوا فيها. قالوا انه كان صامتا منذ ذلك الوقت. وقال احدهم: «تحتاج الى صخرة لتجعل ألان يتكلم، وتحتاج الى صخرة اخرى لتجعله يبتسم».

وقال ثان «ربما لهذا هوي مزمار «كلارينيت» كان يريد منا ان نصمت لنستمع الى موسيقاه او ربما ليقول لنا، في حكمة بالغة، ان الموسيقى افصح من الكلام». هذه اشارة الى هواية عزف آلة الـ«كلارينيت» التي هواها، ثم درسها. لكن والديه (يهودي ويهودية هاجرا الى اميركا من المانيا، الى الحي اليهودي في نيويورك) كانا يريدان منه اي يهوى الطب، ثم يدرسه.

قال ألان غرينسبان، الذي استقال في السنة الماضية بعد ان كان لعشرين سنة رئيسا للبنك المركزي، في كتاب مذكراته ان «السبب الرئيسي لحرب العراق هو النفط». وأضاف «انا حزين لاني لا اقدر على ان اقول في سهولة رأيا سياسيا، وهو الاعتراف بما يعرف كل الناس، وهو ان السبب الرئيسي لحرب العراق هو النفط». وعندما نشرت صحف اميركية مقتطفات مبكرة من الكتاب، اعترض روبرت غيتس، وزير الدفاع، على رأي غرينسبان، وقال انه «يحترم» غرينسبان، لكنه يرفض القول ان «العطش للنفط» كان سبب غزو العراق سنة 2003.

وقال وزير الدفاع، في مقابلة في قناة «اي بي سي» قبل يوم من صدور الكتاب: «قال بعض الناس ان حرب الخليج سنة 1991 كانت بسبب النفط ايضا. وانا لا اعتقد ان ذلك كان صحيحا، ايضا». واعترض على رأي غرينسبان اعضاء في الحزب الجمهوري في الكونغرس. وكان الكونغرس وافق، سنة 2002، على منح الرئيس بوش مسؤولية غزو العراق. لكن، قال اول من امس السناتور الجمهوري جون كورنين: «لا اعتقد ان 77 عضوا في مجلس الشيوخ ينتمون الى الحزبين الجمهوري والديمقراطي كانوا سيمنحون بوش سلطة اعلان الحرب اذا كان النفط هو السبب الوحيد».

لكن، غرينسبان، لم ينتقد الرئيس بوش فحسب، بل انتقد ايضا قادة الحزب الجمهوري في الكونغرس. وقال انهم «هربوا من مبادئ الحزب الاقتصادية» واضاف انهم: «حاولوا استبدال الحكم بالمبدأ، وفشلوا في الاحتفاط بالاثنين: لا حكم ولا مبادئ». واضاف: «لهذا، كان لا بد ان ينهزموا» في انتخابات السنة الماضية التي فاز فيها الحزب الديمقراطي وجعلته يسيطر على الكونغرس.

في السنة الماضية، عندما بدأ غرينسبان كتابة مذكراته، دفعت له دار نشر «بنغوين» تسعة ملايين دولار مقدما. ويتوقع ان يجد الكتاب اقبالا كبيرا. وفي نفس الوقت، يطلب غرينسبان مائة الف دولار عن كل خطبة يلقيها. وبعد يوم من صدور الكتاب، اعرب الرئيس جورج بوش عن غضبه للانتقادات التي وجهها له ألان غرينسبان، المدير السابق لمجلس الاحتياطي الفدرالي، وذلك في مقابلة نادرة في تلفزيون «فوكس» اليميني.

وفي نفس يوم مقابلة بوش، نشر ديك تشيني، نائب الرئيس، رأيا في جريدة «وول ستريت جورنال» انتقد فيه ايضا غرينسبان. وقال ان القرارات الاقتصادية التي اصدرها بوش بعد هجوم 11 سبتمبر، وبعد المشاكل التي واجهتها مصانع الكومبيوتر، «ساعدت على اعادة الحياة الى الاقتصاد الاميركي الذي كان فقد ملايين الوظائف بسبب ذلك».

وقال بوش، في رده على غرينسبان: «اود ان اعرب، باحترام، عن اختلافي مع المدير غرينسبان.. وأود ان اؤكد أن سجلنا في المجال الاقتصادي طيب، ويدعو للفخر». واعترف بوش بما قال غرينسبان، وهو استمرار العجز في الميزانية (كان هناك فائض في الميزانية سنة 2001، عندما خلف الرئيس بوش الرئيس كلينتون). وقال بوش ان نسبة العجز في الميزانية صغيرة بالمقارنة مع اجمالي الانتاج الوطني.

واضاف: «يجب ان نلاحظ ان قرارات تخفيض الضرائب التي اصدرتها خلال سنوات ادارتي الاولى، ساعدت على رفع مستوى النشاط الاقتصادي». وتحدث بوش عن هجوم 11 سبتمبر، وقال انه ألحق اضرارا بالاقتصاد الاميركي، وان قرارات تخفيض الضرائب نجحت في مواجهة «هجوم ارهابي على وطننا» وقال ان ذلك من «الخطوات الاقتصادية الايجابية» التي اصدرها. لكن، لم يعلق بوش، ولا نائبه تشيني، على اتهامات غرينسبان بأن نفط العراق كان من اسباب غزوه.

ولد غرينسبان سنة 1926 (عمره الآن واحد وثمانون عاما).

وكان عمره خمس عشرة سنة عندما اقنع والديه ليرسلاه الى مدرسة «جوليارد»، واحدة من اشهر مدارس الفنون في العالم (موسيقى، رقص، تمثيل، الخ ...).  كان اسمها «معهد الفنون الموسيقية»، حتى تغير الى «جوليارد»، اشارة الى اغسطس جوليارد، رجل اعمال تبرع لها تبرعا كبيرا.

لكن، لم يبق غرينسبان في المدرسة كثيرا، وقرر ان يعود الى الدراسة الاكاديمية العادية. ربما اذا كان واصل دراسته الموسيقية، كان سيكون، بذكائه، مثل وليام شومان، زميله الذي نال جائزة «بوليتزر» في الموسيقى، بعد ان صار مديرا لنفس المدرسة. درس الاقتصاد في جامعة نيويورك، لكنه لم ينس الموسيقى.

هذه المرة انتقل من حب آلة الـ«كلارينيت» الى آلة الـ«ساكسفون». كان يذهب الى فصول الاقتصاد بالنهار، والى فصول الـ«ساكسفون» في المساء. ومرة اخرى، اذا استمر غرينسبان في دراسة الـ«ساكسفون» فربما كان سيصير مثل زميله ستان غيتز الذي درس معه الـ«ساكسفون»، ويهودي مثله (هاجرت عائلته الى نيويورك من اوكرانيا). وصار اعظم عازف «ساكسفون» في كل اميركا.

في وقت لاحق عندما صار كلينتون رئيسا للجمهورية، اشتهر بعزف الـ«ساكسفون»، كان يقابل غرينسبان بصفته رئيس بنك الاحتياط، وكانا يتندران عن الموضوع، وكان غرينسبان يقول له انه كان يمكن ان يكون استاذه لو لم يترك الموسيقى ويتخصص في الاقتصاد. في الحقيقة، كاد غرينسبان ألا يصير اقتصاديا، لان دروس الموسيقى المسائية شغلته في جامعة نيويورك، ثم شغلته عندما ذهب الى جامعة كولومبيا (في نيويورك ايضا) ليدرس للدكتواره، لكنه فشل في ذلك.

ووضع غرينسبان تقييما لاذعا لعدد من الرؤساء الأميركيين فقال: «انه لما اتهم عضو في ادارة كلينتون الرئيس نيكسون بمعاداة السامية، قلت له انك لا تفهم. انه معاد للسامية .. وللإيطاليين واليونانيين والسلوفاك .. إنه يكره أي شخص». وقال عن فورد انه كان شخصا عاديا عندما جاء للحكم.. ولكنه لم ينتخب أبدا. «وقد حاولت مساعدته للوصول الى النجاح ولم أفلح». اما عن كارتر فذكر «لم أقابله إلا في مناسبات قليلة، ولم نتواجه أبدا». وعن ريغان، فقال « أكثر ما شدني إليه هو أنه محافظ بطريقة واضحة». بعد ذلك الفشل بثلاثين سنة تقريبا، منحته جامعة نيويورك ماجستير اقتصاد، وبعد الفشل بخمسين سنة تقريبا، منحته دكتواره اقتصاد. وفي خطاب قبولها، تندر وقال: «هل كنتم تقدرون على ألا تفعلوا ذلك وانا في اعلى منصب مالي في اميركا، وربما في كل العالم؟».

حصل غرينسبان على اول وظيفة بعد الجامعة سنة 1948: موظف في مركز «كونفرس» للدراسات الاقتصادية في نيويورك. لكنه، وهو الطموح جدا، سئم العمل في شركات الآخرين، وأسس، بعد سبع سنوات، شركته الخاصه به: «تاونسند غرينسبان» ـ شركة استشارات اقتصادية وعمل فيها لأكثر من ثلاثين سنة، وطورها لتكون واحدة من اهم الشركات الاقتصادية الاستشارية في نيويورك وكانت شهرته وشهرة شركته من اسباب اختياره عضوا في مجالس ادارة شركات كبيرة مثل: «الكوا» للالومنيوم، و«موبيل» للبترول، و«جنرال فودز» لبيع المأكولات والمشروبات.

واشتهر، ايضا، كواحد من قادة يهود نيويورك الذين ينتمون للحزب الجمهوري (تنتمي اغلبية يهود اميركا الى الحزب الديمقراطي). ولهذا كان واحدا من اقتصاديين يهود قليلين اختارهم رؤساء جمهورية من الحزب الجمهوري ليعملوا معهم في البيت الابيض: اولا: سنة 1974، اختاره الرئيس فورد ليكون رئيسا لمستشاريه الاقتصاديين. ثانيا: سنة 1968، اختاره الرئيس نيكسون مستشارا اقتصاديا.

ثالثا: سنة 1987، اختاره الرئيس ريغان رئيسا لما يمكن ان يسمى «البنك المركزي»، لكن اسمه الرسمي هو: «فيدرال ريسيرف سيستم» (نظام الاحتياطي الفيدرالي) وهي، كما قال، «اهم وظيفة مالية في العالم» واستمر فيها لعشرين سنة تقريبا، حتى استقال في السنة الماضية.

يعتبر هذا «البنك المركزي»، رسميا، مستقلا عن الحكومة، لكنه في نفس الوقت تحالف بين الحكومة وبنوك خاصة. كان اساسه «بنك وزارة الخزانة» (يشرف هو على النقد، وتخطط الوزارة لصرف النقد). عندما نالت اميركا استقلالها، كانت البنوك الخاصة هي التي تشرف على النقد. وبعد الاستقلال بخمس عشرة سنة (عام 1791) تأسس اول بنك مركزي اميركي: «بنك الولايات المتحدة الاول». وبدأ يشرف على اصدار الدولار، وتقديم قروض لبنوك اخرى، وتحديد سعر الفائدة، والمحافظة على رصيد يحمي الاقتصاد.

لكن، في ظل النظام الرأسمالي، ظلت الحكومة تلعب دورا ثانويا في النشاط الاقتصادي. وظلت البنوك والتجار والمصارف واسواق الاسهم (حتى اليوم) تلعب الدور الرئيسي. (حتى اليوم، يتكون «البنك المركزي» من فروع له في الولايات، وكل فرع هو تحالف مع بنوك خاصة في هذه الولايات).

ربما كان الدور الرئيسي في حركة النقد الاميركية سيظل في ايدي البنوك الخاصة، لو لم تستفد الحكومة الاميركية من تجارب الدول الاوروبية.  ارسل، في سنة 1914، الرئيس وودرو ويلسون مستشارين الى بريطانيا وفرنسا والمانيا (واعجب ويلسون بالبنك المركزي الالماني خاصة) لتأسيس نظام يمنع الرأسماليين من السيطرة على كل الاقتصاد. وكانت تلك بداية مجلس الاحتياطي (البنك المركزي) الذي ترأسه غرينسبان لعشرين سنة تقريبا.

ربما لم يكن الرئيس ويلسون سيفعل ذلك لولا سلسلة انهيارات في النظام الاقتصادي، وخاصة بسبب الطمع والفساد. لكن، لم يتوقف الطمع والفساد قبل وبعد تأسيس مجلس الاحتياطي. وظهر ذلك في الايام «السوداء» خلال المائة سنة الماضية، مثل: «الخميس الاسود» في سنة 1905، عندما انهار سوق الاوراق المالية في نيويورك. "الثلاثاء الاسود" في سنة 1929، عندما انهار السوق وكل النظام الاقتصادي. «الاثنين الاسود» في سنة 1987، عندما هبطت اسهم «داو جونز» بنسبة خمسين في المائة تقريبا. ولهذا اليوم الاخير اهمية خاصة لأنه حدث في نفس السنة التي صار فيها غرينسبان رئيسا لمجلس الاحتياطي الفدرالي.  تطور النظام الاقتصادي الاميركي كثيرا منذ هزة سنة 1929 التي شملت كل اميركا. وزاد اشراف الحكومة على الاقتصاد بالمقارنة مع ما كان عليه الحال قبل مائة سنة. لكن، لم يتغير شيء واحد، وهو عدم وجود ضمان بأن النظام الاقتصادي لن ينهار (او يهتز) في المستقبل مثلما انهار، واهتز، في الماضي. وصار واضحا خلال العشرين سنة الاخيرة التي كان فيها غرينسبان مشرفا نقديا على هذا النظام أنه لم يقدر على ضمان ذلك.

قال، قبل عشر سنوات خلال استجوابه في الكونغرس، عبارة صارت مثلا: «اراشونال اكسوربانس» (غير عقلانية ضخمة). سأله عضو في الكونغرس: «كيف تفسر عدم الاستقرار في سوق الاسهم؟» وكان رده هو «وجود عدم عقلانية» في سوق الاسهم (وبالتالي في النظام الاقتصادي، بسبب تأثير سوق الاسهم على النشاط الاقتصادي). واوضحت هذه العبارة الآتي:

اولا: حتى غرينسبان، بعد عشرين سنة في منصب المشرف على اهم عملة في العالم، واكبر نظام اقتصادي في العالم، لم يقدر على تفسير «تقلبات» النظام. ثانيا: يبدو ان «التقلبات غير العقلانية» هذه ستستمر ما استمر النظام الرأسمالي هذا. بدليل ان غرينسبان سمى كتابه الجديد: «عصر التقلبات: مغامرات في الدنيا الجديدة» وكأنه يقول ان النظام الرأسمالي بصورته الحالية لن يسلم من «التقلبات»، ليس في «الدنيا الجديدة» (اميركا) فقط، ولكن في «الدنيا الجديدة» (العالم الذي صار قرية)، وهو ما يقصد في اسم الكتاب.

بالاضافة الى الجانب الاقتصادي، هناك الجانب الفلسفي لاعتراف غرينسبان بأن النظام الرأسمالي «غير عقلاني». لأن غرينسبان، بالاضافة الى منصبه الاقتصادي، يعتبر من قادة الفلسفة العقلانية الرأسمالية.

أستاذته هي ايان راند (اسمها الاصلي «روزنبوم»، وهي يهودية هاجرت الى اميركا من روسيا). وهي صاحبة فلسفة «اوبجيكتيفزم» (الموضوعية). وهي التي قالت: «مقياس السعادة هو ما يقرر كل انسان لنفسه. ومقياس الاخلاق هو مقياس السعادة». وهي صاحبة فلسفة «المصلحة الاخلاقية العقلانية»، وهو وصف مهذب لكلمة «انانية». لكنها كتبت في كتابها «الرأسمالية: مثالية مستحيلة» ان هذه الفلسفة هي الحل. قالت «إن أساس الاخلاق هو حقوق الانسان. ليس فقط ليصبح الانسان حرا، ولكن، ايضا، ليقرر قيمه الاخلاقية. ليفعل ما يريد، ويقول ما يريد» وقالت: «الانسان بطل نفسه. عمله هو الاجتهاد، ووسيلته هي المنطق، وسعادته هي الاخلاق». وقالت: «الانسان هو البداية والنهاية، هو الوسيلة والغاية. ليس وسيلة نحو غاية غيره، ولا غاية لوسيلة غيره». وقالت: «لا يضحي الانسان لمصلحة غيره، ولا يضحي غيره لمصلحته». لهذا، يبدو غريبا ان يرفع غرينسبان، تلميذها، شعار «تقلبات غير منطقية» في وصف ربما يشمل كل النظام الرأسمالي الاميركي.

لماذا غير غرينسبان فلسفته؟ كتب في كتابه: «سنظل حراس الدولار.. لكن، مع بداية القرن الحادي والعشرين، لم نقدر على تحقيق سعر مستقر للدولار، ولا على وسيلة لتحقيق ذلك. معنى هذا اننا لن نقدر على ضمان اسعار العقارات والاسهم والمنتجات والخدمات». وسأل: «ماذا سنفعل اذا ارتفعت هذه الاسعار بسبب «غير العقلانية»؟  وكيف نضع اعتبارا «لغير العقلانية» في سياستنا النقدية؟». لم يقل انه يتحدث عن «عواطف طبيعية» (مثل الطمع والخوف والفساد والظلم والكذب والنفاق في جانب. وفي الجانب الآخر، مثل المجاملة والعطف والحب والمحسوبية)، لكنه لم يقدر على ان يعترف بذلك وهو تلميذ ايان راند.

لا ينفي غرينسبان، في كتابه، اهمية (وخطورة) المنصب الذي شغله لعشرين سنة، خاصة بالنسبة لبقية العالم. قال، مثلا، هبطت الاسهم في اليابان نسبة ثلاثة في المائة، وهبطت اكثر من ذلك اسهم دول اخرى في شرق آسيا، يوم «الخميس الاسود» سنة 1996. وكأن غرينسبان يقول ان كل العالم يعتمد على نظام رأسمالي «غير عقلاني». اثارت «عدم عقلانية النظام الرأسمالي» نقاشا كبيرا في اميركا:

اولا: قالت مجلة «يو اس نيوز»: «من يدري؟ ربما يريد غرينسبان ان يحير تجار الاسهم في وول ستريت. ربما يريد ان يقول لهم انه لا يوجد ضمان لأي شيء». ثانيا: قالت مجلة «تايم»: «يجب ان يصدق الناس ان غرينسبان، حقيقة، غير متأكد مما يقول». ثالثا: حذر غرينسبان نفسه اعضاء الكونغرس عندما سألوه عن تفسيراته المتناقضة احيانا: «احذركم. اذا اعتقدتم ان كلامي هذا واضح لا بد انكم لم تفهموني». لكن، في الجانب الآخر، وكما قال في كتابه، يؤكد غرينسبان ان اساس الفلسفة الرأسمالية هو ان النظام الرأسمالي «مطاطي»: يرتفع وينخفض، ينهار ويصعد، يهتز ويستقر، يفلس ويغنى، يقلق ويطمئن، ينتعش ويذبل. لكنه، مثل الديمقراطية أحسن خيارات كلها سيئة». وقال ان في هذا «عظمة» الرأسمالية. لاحظت جريدة «واشنطن بوست»، تأكيدا لذلك، ان غرينسبان، خلال سنواته العشرين في منصبه، لم يقل قط إن سعر الفائدة يجب ان يكون كذا، وان نسبة الغلاء يجب ان تكون كذا. لكنه كان دائما يتفلسف، ويلف ويدور، مثلما يفعل كل اقتصادي حكيم.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الشرق الأوسط اللندنية-28-9-2007