هل انتهى زمن الفقاعات الاقتصادية؟

 

د. محمد العسومي

 

على مر التاريخ كان للفقاعات الاقتصادية دور مؤثر على النمو الاقتصادي بشكل عام، فالركود الاقتصادي العالمي في أواخر العشرينيات وبداية الثلاثينيات أدخل العالم في موجة من التقلبات الحادة وتمخضت عنه نتائج وخيمة لم تستطع بلدان العالم التخلص من عواقبها لسنوات عديدة.

في أواخر القرن الماضي وبالتحديد في عام 1997 انفجرت فقاعة أخرى في شرق آسيا وتضررت بسببها بلدان عديدة، يأتي في مقدمتها ما سمي بالنمور الآسيوية، إلا أن البلدان المعنية وبمساعدة من المنظمات الاقتصادية الدولية تمكنت من احتواء الأزمة بسرعة ملحوظة لترجع هذه البلدان من جديد وتضع اقتصادياتها على طريق النمو.

بعدها بعام واحد انفجرت فقاعة أخرى، وسنسميها تجاوزا "فقاعة"، حيث تدنت أسعار النفط إلى ما دون العشرة دولارات للبرميل، ونتيجة لذلك انخفضت عائدات البلدان المصدرة للنفط إلى أدنى مستوياتها خلال عشرين عاما، ومع ذلك استطاعت البلدان المنتجة للنفط التأقلم مع هذه المستجدات متجاوزة خلال فترة زمنية قصيرة العواقب التي خلفتها هذه "الفقاعة النفطية".

سئلت مرات عديدة هل ما جرى في أسواق المال العربية والخليجية على وجه التحديد في العام الماضي وما زال مستمرا في العام الحالي هو فقاعة جديدة؟ خصوصا وأن بعض الأسواق الخليجية انخفض بنسبة كبيرة بلغت 55% خلال أشهر معدودة، مما أفقد السوق أكثر من نصف قيمتها السوقية.

الجواب نعم ولا في نفس الوقت، كيف؟ نعم لأنه إذا كانت هناك فقاعة فقد انفجرت وانتهى الأمر، ولا لأن الأسواق عادت للارتفاع مرة أخرى دون أن يترك انفجار هذه الفقاعة أية تأثيرات سلبية على مجمل التطورات الاقتصادية في هذه البلدان، كما كان يحدث في السابق.

هذه الإجابة تقودنا إلى التساؤل الرئيسي الذي شكل عنوان هذه المقالة، هل انتهى زمن الفقاعات الاقتصادية؟ باعتقادنا أن الفترة الممتدة من عام 1929 إلى 2005 تبلورت خلالها منظومة اقتصادية عالمية متكاملة ولج خلالها العالم مرحلة العولمة بكل أبعادها الإيجابية والسلبية، إلا أن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن الاقتصاد العالمي أصبح متداخلا ومتكاملا بصورة غير مسبوقة.

بجانب ذلك تطور علم الاقتصاد وابتكرت أدوات اقتصادية ومالية فعالة للحد من التقلبات والانعكاسات التي يمكن أن تحدث بسبب الفقاعات الاقتصادية، ففي شرق آسيا اتخذت ماليزيا إجراءات سريعة لوقف التدهور المالي، كما تدخل صندوق النقد الدولي داعما البلدان الأخرى ككوريا الجنوبية واندونيسيا وتايلندا، وساعدت اليابان بثقلها الاقتصادي والولايات المتحدة وأوروبا الغربية هذه البلدان لتخطي الأزمة في ذلك الوقت.

هذا التدخل جاء لوقف امتداد الأزمة لمناطق أخرى في العالم بسبب الارتباط القوي بين الاقتصاديات العالمية والذي ساهمت العولمة والتطور المذهل في التقنيات والاتصالات الحديثة في بروزه، فالاقتصاد العالمي في نهاية القرن الماضي يختلف تماما عنه في النصف الأول من نفس القرن.

مسألة الأدوات المالية والنقدية، مسألة معقدة وتفصيلية لا يمكن تناولها في هذه المقالة المختصرة، إلا أن النتيجة التي يمكن الخروج بها، أنه لا يمكن تصور فقاعات مدمرة في الوقت الحاضر، بدليل أن "فقاعة" النفط الحالية والتي أوصلت سعر برميل النفط إلى 70 دولارا للبرميل استطاعت بلدان العالم استيعابها والتأقلم معها، كما أن فقاعات أسواق المال العربية تم احتواؤها تقريبا من خلال إجراءات إدارية ومالية عديدة تم اتخاذها بسرعة فائقة.

من جانب آخر ستكون هناك فقاعات جديدة، إلا أن هذه الفقاعات ستكون تحت السيطرة والتحكم على المستويين العالمي والمحلي وستحجم تأثيراتها السلبية إلى الحد الأدنى، فعلماء الاقتصاد في العالم تعلموا وطوروا الكثير من الأدوات المالية الفعالة خلال السبعين عاما الماضية. وإذا ما نجحت الجولات القادمة لمنظمة التجارة العالمية، وإذا ما التزمت البلدان النامية أكثر بالإدارة الحديثة لاقتصادياتها، فإن وجهة النظر هذه ستكتسب أبعادا جديدة تتناسب والتغيرات الهائلة والسريعة التي تطال الاقتصاد العالمي والعلاقات الاقتصادية الدولية في العصر الراهن.

و كل ذلك بحسب راي د. محمد العسومي في المصدر .

المصدر : الاتحاد الإماراتية – 11-4-2006