خسائر الائتمان العقاري ونمو الاقتصاد العالمي

 

ميشال مرقص

 

 

لم يكن الوسط الاقتصادي العالمي، في حاجةٍ إلى تأكيد رئيس مجلس الاحتياط الفيديرالي الأميركي (البنك المركزي)، بن برنانكي أمام الكونغرس، أن الخسائر المالية العالمية «فاقت أكثر التوقعات تشاؤماً حول خسائر الائتمان في القروض السكنية».

فالأزمة المالية التي تجتاح العالم، وتقضُّ مضجع المسؤولين، في المؤسسات الدولية أو في مراكز القرار على مستوى الحكم والحكومات، تسحبُ وراءها ذيولاً من الخسائر في القطاعات الخاصة وأسواق المال، وفي نمو الاقتصاد العالمي.

ولم يعد سراً، أن العولمة جعلت شبكات الاقتصاد تتشابك، وأيُّ ضعفٍ يصيبها في موقعٍ رئيسٍ، أو موزّعٍ أساس، يَضيرها على امتداد تشعبها، وباتت اقتصادات الدول مثل أحجار الداما المرصوفة، تنهارُ تباعاً لدى اهتزاز أحدها.

ونادراً ما يشهدُ العالم أزمة مالية ممكنة الاستشعار قبل حصولها، أو رصدها بشفافية، مثل أزمة العقار الأميركي العالي المخاطر، وهي بدأت مطلع صيف 2007 وتهدد باقتطاع نسب النمو العالمي في 2008، بحسب إعادة تقويم المؤسسات الدولية، ومؤسسات النقد في كل دولة من دول العالم.

ويصفها خبراءُ مال بأنها فقاعة عالمية غير مسبوقة، ومستوى الديون فيها هو أعلى من مستواه في تشرين الأول (أكتوبر) 1929 عشية الانهيار الاقتصادي العالمي، الذي أعاد تجديد آلية الاقتصاد لتجاوز الخسائر غير القابلة للتعويض.

الهزّة الأولى بدأت في آذار (مارس) 2007، وتبعتها ثانية ارتدادية  أقوى منها، في منتصف آب (أغسطس)، زلزلت الأسواق في مراكز كثيرة من العالم. وربما حدثت ثالثة في الأسابيع أو الشهور المقبلة، بحسب بعض المحلّلين.

وكانت أزمة الرهن العقاري الأميركي العالي المخاطر، الذي تراكمت فيه أخطاء كثيرة، هي العامل الرئيس. لكن في الواقع، لا تمثّل سوى «دعابة» تتلاشى آثارها أمام الأمواج العاتية التي تضرب الوقائع الاقتصادية اليومية.

فالاقتصاد العالمي يلهث تعباً من الإفراط في القروض الآخذة في التوسّع، منذ سنوات، بشروط اقتراض لا تتوافق ومعايير الشفافية، وبدا أن ابتكارات أساليب الاستثمار المصرفي التمويلية تخفي الأخطار على المراقبين. فالبنوك مسؤولة أيضاً مثلهم، لأنها كانت تصحح الأخطار، لتحمي موازناتها، فتترك القروض المفرطة حرة في أسواق المال، على أساس أنها تحفّز الاقتصاد والنمو. فاستلزمت فقاعة جديدة شبيهة بفقاعة «الاقتصاد الجديد» قبل عشر سنوات.

وتسمح الوسائل الاستثمارية بإدارة الأخطار أفضل، لكنّها توسّع حدود المنافسة في أسواق المال ضمن هوامش مرتفعة غير مسؤولة. فنمو الديون المفرط يعتبرُ عاملاً مهما لعدم الاستقرار، في سوق القروض العقارية، كما في سوق اندماج المؤسسات أو تملكها. وترتفع الأموال إلى 200 تريليون دولار.

ويرى مسؤولون سياسيون واقتصاديون، أن المحللين الماليين وشركات الرقابة، هم مسؤولون، وكانوا قصيري النظر. ومن أخطائهم السابقة في أزمة 1997، أنهم قللوا من أخطار تبخر الأموال، بدفعهم الناس العاديين إلى الشراء بأسعار مرتفعة والبيع لدى شعورهم بأول خطر يتهدد مقتنياتهم.

ويبدو الهم الحالي محصوراً بإيجاد وسيلةٍ لتطهير أزمة قطاع العقار، وارتداداتها على أسواق المال، من دون التأثير في الاقتصاد العالمي، خصوصاً أن الاقتصاد الأميركي، هو في الطريق لانكماش النمو، مثقلاً بالهبوط الكبير لقطاع العقار، وتكوين مخزون واسع من المساكن الشاغرة، فانخفضت أسعارها بوتيرة غير مسبوقة، ولم تعد فرص العمل متوافرة في الاقتصاد الأميركي  وبلغت الأسر الوسيطة الدخل، الحاجز النفسي، ما ينعكس على مؤشر الاستهلاك المحلي.

عندما كان العقار في صحة جيدة بين 1994 و2007، نما الناتج الأميركي بنسبة 49 في المئة (خلال الفترة)، وفي المقابل ستجر أميركا العالم حالياً، إلى انكماش قوي، ربما يكون لأمدٍ طويل. فالأميركي المتوسط الدخل يمسك بزمام الكرة الأرضية، لأنه لا يوجد نشاطٌ في العالم غير مرتبط بالنمو الاقتصادي في هذه الدولة: ترتبط بها الصين واليابان كسوقٍ تصديرية لانتاجهما، وفي سبيل ذلك تشتريان أسهم الخزانة الأميركية لمساعدتها من جهة، ولتأمين استمرارية نمو الطلب فيها. حتى في أوروبا الأمر شبيه، فهي لا تستهلك أبداً وتستثمر قليلاً ولا تبعد من ذلك سوق النفط العالمية، وترتفع الأسعار مع أي تقديرٍ لارتفاع معدل نمو الاستهلاك الأسري في الولايات المتحدة.

إلا أن الأخطار تبقى كبيرة، لأنها تطاول ليس فقط المستثمرين في في أميركا، بل في أي بقعة من العالم، وباتت الاستثمارات تخضع لعامل المجازفة، لمجرّد انهيار سعر صرف الدولار.

وللمثال استثمرت الصين 3 بلايين دولار في أسهم «بلاكستون»، لكن هذه خسرت 20 في المئة من قيمتها بين تاريخ إدراجها في البورصة 22 حزيران (يونيو) الماضي، و8 آب من السنة الجارية. كذلك استثمر بنك التنمية الصيني مبلغ 1.8 يورو في رأس مال مصرف «باركليز»، في انتظار أن يضخ 4.9 بليون إضافية إذا نجح الأخير في شراء بنك «أي بي إن أمرو» وتستثمر «تشاينا أنفستمنت كورب» 200 بليون دولار في الخارج، معرّضة للخسارة سواء في قيمة الأسهم أو في قيمة الدولار.

مثل هذا الخطر، يطاول أيضاً الاستثمارات العربية في الخارج، خصوصاً في الولايات المتحدة، وهي أموال تربو على 20 تريليون دولار، يكفي الانحسار في قيمة الدولار نحو 10 في المئة لتخسر بليوني دولار.

ومن الاستثمارات العربية الطموحة في الخارج، الشراكة بين بورصتي دبي العالمية و «ناسداك» الأميركية، (الأسبوع الفائت) للاستثمار معاً في بورصتي لندن و «أو أم أكس» السويدية، أو شراء هيئة الاستثمار القطرية 20 في المئة من أسهم بورصة لندن.

كل هذه الاستثمارات تقع تحت تهديد انعكاسات أزمة الاقتصاد الأميركي في 2008 سيتبدد النمو العالمي لأنه يرتبط في شكل عريض بالطلب الأميركي، يقوده ارتفاع أسعار العقار والقروض المرتبطة به.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الحياة اللندنية-23-9-2007