أسعار النفط في خضم حالة عدم اليقين

 

 

عيد بن مسعود الجهني

 

 

وسط رياح الصراعات الدامية والحروب المدمرة والحوادث المؤسفة والكوارث التي يموج بها العالم، أخذت أسعار النفط طريقها للصعود لتكسر حاجز الـ80 دولارا للبرميل خلال الأسبوع الماضي، وقد تدفع حالة عدم اليقين وعدم الاطمئنان على مستقبل تدفق هذه السلعة التي تعتبر أهم سلعة في هذا العالم المضطرب، قد تدفع بالأسعار الى الارتفاع ليقفز سعر البرميل صاروخيا الى 150 دولارا اذا ركب السيدان بوش ونجاد رأسيهما ودارت دوائر الحرب في مياه محيط النفط العالمي.

هنا ستتحقق المخاطر فالحروب تعد السبب الرئيس لارتفاع أسعار النفط، فهي ترفع الأسعار أثناء اندلاعها كما أنها تترك أثرها على الأسعار لأمد بعيد بعد انتهائها.

وقد يقول قائل ان هناك مؤثرات أخرى كثيرة مثل حالة الطقس والقدرة على تكرير النفط الخام ولكننا نقول ان برودة الطقس في الدول المستهلكة لا ترقى لتكون سبباً رئيسياً لرفع الأسعار، اما العواصف والأعاصير وان كان تأثيرها مدمراً أحيانا الا ان سوق النفط الدولية عادة ما تلتقط أنفاسها بعد انتهاء هبوب تلك العواصف والأعاصير لتعود الأسعار الى الاستقرار.

واذا كانت أسباب مثل انخفاض الطاقات التكريرية في المصافي في الدول الصناعية المستهلكة والتراجع في مخزونات الوقود خصوصا في الولايات المتحدة التي تستهلك 25 في المئة من إجمالي استهلاك العالم، تؤدي الى ارتفاع الأسعار، فإن هذا سبب آنٍ يعود للدول المستهلكة الرئيسية والتي اذا قامت بتطوير وصيانة مصافيها لرفع طاقة التكرير فإن اثر هذا المؤثر سوف يزول. اذاً رغم هذا الارتفاع في الأسعار فإن سوق النفط الدولية تعتبر مستقرة بالنسبة الى المعروض من النفط، فلا تعاني نقصا، بل ان هناك دولا تبحث عن مشترين لنفوطها، وفوق ذلك قررت منظمة «اوبك» رفع سقف إنتاجها بمقدار نصف مليون برميل في اليوم اعتبارا من أول تشرين الثاني (نوفمبر) القادم.

ورغم تدخل «اوبك» برفع انتاجها إبداء لحسن نيتها (المعهودة) بعد ضغوط متوالية من وكالة الطاقة الدولية خلال اجتماعها الأخير في فيينا في الثاني عشر من هذا الشهر، الا ان السوق النفطية الدولية المتوترة لم تستجب لهذه الزيادة في الإنتاج خصوصا ان تلك الزيادة تحتاج الى وقت كاف يقدر بأشهر لتصل الى المستوردين، فبعد ساعات من اعلان قرار المنظمة الدولية (القوية) فإن الأسعار استمرت بالصعود لتكسر حاجز الـ78 دولارا للبرميل، اذ تجاوز سعر الخام الاميركي الخفيف عتبة 80.24 دولار للبرميل.

وفي خضم حالة القلق المفتعلة التي تحيط بأسواق النفط الدولية حيال الامدادات النفطية، وقرار البنك الاحتياطي الفيديرالي الاميركي تخفيض معدلات الفائدة الرئيسية بنصف نقطة مئوية، فقد قفز سعر برميل النفط الاميركي الخفيف الى 81.51 دولار للبرميل، ثم صعد الى رقم قياسي تاريخي بلغ 82.32 دولار للبرميل قبل نهاية الاسبوع الماضي، وبلغ سعر برميل خام برنت 78.38 دولار للبرميل. ومما يؤكد ان أسعار النفط تخضع لعوامل بعيدة عن الامدادات النفطية التي تعد كافية بل وتفيض في سوق النفط الدولية، التقرير الذي أصدرته وكالة الطاقة الدولية التي تسهر على مصالح 26 دولة صناعية، تعد المستهلك الرئيسي للنفط حيث تستهلك 75 في المئة من اجمالي استهلاك النفط العالمي، والذي جاء توقيته بعد يوم واحد من اتفاق «أوبك» بشأن رفع الانتاج، إذ أكد التقرير أن الطلب على النفط سينمو بشكل أبطأ من المتوقع في الربع الأخير من هذا العام وكذلك في العام المقبل.

وفي التقرير المشار إليه، خفضت الوكالة توقعاتها لنمو الطلب على النفط العام القادم ليبلغ 2.1 مليون برميل في اليوم، وإذا عرفنا ان الاستهلاك العالمي من النفط يتجاوز حالياً 87.5 مليون برميل في اليوم فإن «اوبك» التي بلغ إجمالي إنتاجها في آب (أغسطس) الماضي حوالي 30.4 مليون برميل في اليوم يجب عليها مراقبة السوق النفطية بحذر وعدم الانجراف وراء ضغوط وكالة الطاقة لرفع الإنتاج ما دام ان الوكالة نفسها تقرر تدني نسبة نمو الطلب على النفط!

هذا رغم ان الوكالة وفي تقريرها الشهري نفسه تؤكد عدم وجود مؤشرات على انكماش الطلب على النفط بدرجة كبيرة في اميركا والاقتصادات الناشئة بخاصة، وعلى ذمة الوكالة، فإن أزمة الرهن العقاري قد لا تلحق ضررا بالغا بالاقتصاد الأميركي والعالمي!

رغم ان أسواق المال العالمية شهدت في منتصف شهر آب (أغسطس) الماضي اضطرابا شديدا بسبب الذعر الذي أثارته أزمة قطاع الرهن العقاري العالي المخاطر في الولايات المتحدة. وتستطرد الوكالة في تقريرها الآنف الذكر قائلة ان مشكلات أسواق الائتمان العالمية زادت من احتمال تراجع نمو الطلب العالمي على النفط الذي توقعت ان يصل متوسطه في الربع الأخير من هذا العام الى 87.8 مليون برميل في اليوم وهذا التقدير أعلى من تقديرات أوبك التي قدرت متوسط الاستهلاك العالمي من النفط في الربع الأخير من عام 2007 بـ87.08 مليون برميل في اليوم.

والعجيب أن الوكالة رغم انها تقول في تقريرها ان الطلب العالمي على النفط سينمو بوتيرة أبطأ من المتوقع في الربع الأخير من هذا العام إلا أنها تمارس الضغوط تلو الضغوط على «اوبك» لزيادة الانتاج، وهذه الضغوط تدعمها ضغوط تقودها وزارة الطاقة الأميركية وهي العضو الرئيس في الوكالة رغم ان بعض اعضاء «اوبك» حتى قبل زيادة انتاجها الأخير عمليا يتجاوزون السقف المحدد للانتاج. وهكذا فإن الضغوط تتوالى على «اوبك» من الميمنة والميسرة و «اوبك» تقوم على الدوام بالتشمير عن سواعدها وطمأنة أسواق النفط الدولية ورفع إنتاجها لضمان استمرار تدفق النفط ومعالجة أزمة أسعار النفط التي تثير غضب الدول المستهلكة الرئيسية التي تصب جام غضبها على دول «اوبك» من دون غيرها من الدول المنتجة للنفط !!

ان الدول المستهلكة تنسى أو تتناسى ان «اوبيك» عملت وتعمل كصمام أمان لضمان تحقيق أسعار عادلة تلبي رغبات المنتجين وترضي المستهلكين وتتماشى مع أسعار مصادر الطاقة الأخرى والطلب العالمي على النفط الذي تصدر توقعات نموه من الوكالة الدولية (IEA) ووزارة الطاقة الاميركية، ومنظمة «اوبك» وغيرها من المؤسسات والمراكز البحثية المتخصصة.

ان ما أخشاه حقا هو ان يؤدي ارتفاع أسعار النفط الذي كسر حاجز الـ80 دولارا الى قيام «أوبك» وهي في غمرة الاحتفال بهذا العصر الذهبي من تاريخها الطويل بزيادة انتاجها مرة بعد أخرى استجابة لضغوط الدول الصناعية المستهلكة وإلحاح الدول الأخرى صاحبة الاقتصادات الناشئة، مما يؤدي الى زيادة العرض عن الطلب وهو ما بدأ يحدث فعلا في سوق النفط الدولية، وهذه المعادلة لو استمرت فسوف تتغير الحال.

فبدلا من ان تكون «اوبك» مالكة لزمام الأسعار فإن مرماها سيكون مكشوفا أمام الخصوم، ولن تكون لها السيطرة على سوق النفط الدولية انتاجا وتسعيرا وتظهر على السطح بوادر زيادة المعروض من النفط وتأخذ الأسعار طريقها الى النزول!

ومن هنا فإن على «اوبك» اليوم قبل غد اخذ الحذر والحيطة وهي ترفع سقف انتاجها، فعليها عدم تجاهل خطط الدول الصناعية المستهلكة للنفط وغيرها من الدول التي أصبحت مستوردا رئيسيا كالصين والهند وغيرهما، خصوصا ان دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تزيد من مخزونها الاستراتيجي كلما سنحت لها الفرصة وتعمل على ترشيد استهلاكها من النفط وتبذل الجهود لتطوير بدائل الطاقة.

لقد آن لمنظمة «اوبك» ان تدرك ان حل معضلة الأسعار يتمثل في التزام جميع أعضائها بالاتفاقيات التي تحدد سقف الانتاج، فكل خروج على الحصص المقدرة لكل طرف ينعكس بطبيعة الحال على الاسعار، وكذلك التنسيق المستمر مع الدول المنتجة للنفط خارج منظومة «اوبك» وفي مقدمها روسيا ثاني اكبر منتج للنفط والمكسيك والنروج وغيرها، حتى لا تخرج سوق النفط من استقرار الى عدم استقرار نتيجة لزيادة العرض عن الطلب، الامر الذي ستدفع ثمنه «اوبك» غاليا‍ً.

*مفكر سعودي - رئيس مركز الخليج العربي للطاقة والدراسات الاستراتيجية

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الحياة اللندنية-22-9-2007