لماذا تكون الأسواق الأمريكية مهزوزة إلى هذا الحد؟

 

بارتون بيغز

 

 

إن مكاتب إدارة صناديق الاستثمار المحمية وتجارة الملكية يديرها أشخاص متقلبو المزاج بصورة سريعة وهم معرضون لمشاعر الخوف والجشع مثلنا

منذ منتصف يوليو الماضي، عانت أسواق الأسهم والمداخيل الثابتة في العالم انخفاضات ممرضة في أسعار أسهمها وهشاشة مذهلة في أدائها وقد أصيب الكثير من المؤسسات المالية الرئيسية بجراح خطرة، فيما انحرف الكثير من المؤسسات المالية الأصغر إلى الإفلاس.

وفي 28، أغسطس الماضي، وفيما كان يشارف الصيف على نهايته وكانت الإشاعات تنحسر انخفض مؤشر داو جونز بصورة مفاجئة 280 نقطة، حيث كانت نسبة الأسهم الهابطة 10 أضعاف تلك التي كانت صاعدة في ذلك اليوم. وحدث كل هذا الاضطراب في الساعتين الأخيرتين من التداول.

وهكذا صارت الحال من بعد ذلك اليوم. ففي اليوم التالي حصل هناك ارتفاع هائل مفاجئ بلغ 247 نقطة، وهو ما تركز حصوله مرة أخرى في الساعات القليلة الأخيرة من ذلك النهار. إن عدد الأيام الاستثنائية الأداء كهذه في أسواق الأسهم في الأسابيع الستة الماضية هو عدد غير مسبوق، وهو ما يدفع إلى تقديم تفسير لذلك.

أولا، إن الهشاشة تولد الخوف وبالتالي قدرا أكبر من الهشاشة. فصناديق الاستثمارات المختلطة الضخمة ومكاتب الاتجار في الملكية يديرها أشخاص، هم كما نحن، عرضة للمخاوف والجشع. ومعظمهم ليسوا من نوع الأشخاص المفكرين أو التحليليين أو المواظبين بصورة خاصة.

فهم يعتمدون على حدسهم، وفي صلب غرائزهم قناعة بأن يقوموا بالشراء حين تشهد الأسعار ارتفاعا وبالبيع حين تبدأ في الهبوط. وهذا يسمى بظاهرة "اتباع التوجه" أو الاستثمار الزخمي. ومعظم نماذج الاتجار القائمة على برامج الكمبيوتر مبرمجة بهذه الطريقة أيضا. وبمعنى آخر، فإن البيع يولد بيعا إضافيا والعكس بالعكس.

وإضافة إلى ذلك، فإن المسؤولين الإداريين الذين يعمل مفرطو النشاط هؤلاء لحسابهم هم من النوع الذي لا يحتمل الخسارة، أو ما يسمى بالانسحاب في لغة التجارة. إن زبائن صناديق الاستثمار المختلطة، خصوصا صناديق الصناديق المختلطة، سيقومون بسحب أموالهم إذا واصل صندوق معين التعرض لانخفاض في قيمة أصوله بنسبة ما بين 3 إلى 4 بالمائة لشهرين أو نحو ذلك.

مديرو المخاطر الذين يديرون مكاتب الاتجار في بنوك الاستثمار الكبرى هم أكثر عرضة للأمر بالبيع أو الشراء بسرعة. فإذا عانت شركة اتجار بملكية معينة انخفاضا بقيمة 10 بالمائة، فإنه من المرجح أن تغلق أبوابها.

وبصورة معاكسة، فإذا تحولت عملية انخفاض فجأة إلى تحول نحو الارتفاع السريع، فإن التجار الذي قاموا ببيع الكثير من أسهمهم يشعرون بخوف شديد من أنهم سيضيعون فرصة التعويض عن خسائرهم. وهو ما سيؤدي إلى حال من هلع الشراء. وتتم عقلنة هذا النشاط المحموم بتمتمة التجار المشاركين بأن "السوق تتصرف بصورة حسنة" حين تحقق الصعود وبأنها "تتصرف بصورة سيئة" حين تبدأ في الانخفاض.

مديرو صناديق الاستثمار التبادلي وصناديق التقاعد هم أقل اهتياجا، ولكنهم أيضا يتعرضون لضغوط لتجاوز مستويات الأرباح التي يحددونها لهذه الصناديق. وفي حين أن الاحتفاظ بالمال النقدي هو إجراء أكيد لتجاوز مستوى الأرباح المحدد في سوق هابطة، فإنه يكون عبئا ثقيلا بارزا في سوق صاعدة.

وكذلك فإن هناك قدرا هائلا من الاستثمار المحمي الحاصل حاليا المعتمد على أساس مؤشر أس آند بي 500 وغيره من المؤشرات. فحين بدأت أزمة القروض العقارية غير المؤمنة أدى بيع الأسهم في الصناديق الاستثمارية المحمية الثابتة الدخل وغيرها من صناديق السندات إلى نشر جو من الخوف في أوصال سوق الأسهم وهو ما أدى إلى إضعاف الأسهم نفسها.

إن الكثير من الأوراق التي تستحوذ عليها هذه الصناديق الثابتة المداخيل هي أوراق غير قابلة للتسييل، أي من الصعب العثور على مشتر لها. وعليه فمن أجل حماية المواقع الهابطة للمداخيل الثابتة، يعمد مديرو الصناديق إلى بيع مؤشرات الأسهم الرئيسية بأرخص من سعرها وعليه، فإن الأنباء السيئة لأسواق القروض العقارية والأسهم العالية الأرباح تبدأ في التقاط مؤشراتها من سوق الأسهم.

كتبت مقالا في هذا المكان قبل بضعة أشهر تنبأت فيه بحال من الجنون يماثل انهيار سوق الأسهم عام 1987، ولكنني توقعت أن يحدث ذلك آجلا بدلا من عاجل. ولسوء الحظ، فإن التوقع المتأخر هو مثل التوقع الخاطئ. ولربما كان أمرا جيدا أن نكون قد تجاوزنا هذه الأزمة الآن، ومن المؤكد أن فقء فقاعة ديون القروض العقارية العالية الأرباح أمر صحي.

إن التاريخ يشير إلى أن أسعار المنازل في الولايات المتحدة ستنخفض بما بين 5 إلى 10 بالمائة ثم تستقر عند أوضاعها بعد هذا الهبوط لسنوات  وسيؤدي انخفاض أسعار المنازل هذا إلى الإضرار بصورة كبيرة بإنفاق المستهلكين، كما سيتباطأ نمو الاقتصاد الأمريكي في الفترات اللاحقة لهذا، ولكن هذا لن يتحول إلى ركود اقتصادي. إن أي سلة إنقاذ لأصحاب المنازل ستكون مكلفة جدا وستؤدي إلى ارتفاع التضخم، وهو ما سيكون أمرا غير ودي للسندات والدولار.

ومع ذلك، فإن الرسملة الكبرى، الشركات الأمريكية المتعددة الجنسيات التي تحقق نصف أرباحها في الخارج ستبقى أسهمها رخيصة، مقارنة بكل الأشياء الأخرى، كما كانت على مدى الـ80 سنة الماضية. الاقتصاد العالمي نفسه مازال اقتصادا معافى. والاقتصادات النامية تشهد فترة ازدهار طفري، وهي تمثل نحو 30 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي للعالم. وكذلك فإن اقتصادي الصين والهند يشهدان عملية توسع بمعدل 10 بالمائة سنويا تقريبا. وفي المقابل، فإن تباطؤ نمو الاقتصاد الأمريكي ربما كان أمرا جيدا، لأن ذلك يشير إلى أن التضخم لن يكون مشكلة.

نصيحتي للمستثمرين العاديين: افعلوا بالضبط عكس ما يقوم به المجانين في مستشفيات المجانين. لا تأبهوا للدورات الاقتصادية  فمن المستحيل حساب توقيتها والاتجار على أساسها. قرروا لأنفسكم ما إذا كانت الأسهم التي ستشترونها هي استثمارات جيدة طويلة الأمد (كما أفعل أنا)، وإذا كانت الحال كذلك، واصلوا الشراء في شركات معينة تعرفون أن أسهمها تحمل قيما معقولة أو اشتروا في صناديق المؤشرات التي تعكس قناعاتكم  إن هناك صناديق متخصصة لتلبية كل بديل محتمل ممكن، وهي صناديق مسيلة جدا ورسومها ضئيلة جدا.

إن الصناديق التي يتم الاتجار بها على أساس أسعار العملات تتسم بالسمات نفسها وهي صناديق يمكن شراء أسهمها أو بيعها بصورة فورية (مع أن رسومها عالية جدا). وفي عالم كهذا، فإن نصيحتي هي أن تمتلكوا الأسهم في الشركات العالمية الكبرى وفي صناديق الأسواق الناشئة.

*استراتيجي وول ستريت الشهير، هو الآن مدير لصندوق استثمارات مختلطة في شركة "تراكسيس بارتنرز

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الحياة اللندنية نقلا عن نيوز ويك – 19-7-2007