ملاحظات حول ندوة لندن لمناقشة قانون النفط العراقي

 

 

حمزة الجواهري

 

 

متابعات لما صدر حول قانون النفط الجديد

في هذه المتابعات سأحاول التعرض لكل الفعاليات الجادة التي تتعلق بموضوع قانون النفط الجديد، وسوف تستمر هذه السلسة من المقالات بالصدور تباعا في حال حدثت مستجدات تتعلق بالموضوع.

خلال شهر آب المنصرم عقدت لجنة الاقتصاد والإعمار في مجلس النواب العراقي وبالتنسيق مع جمعية الكندي للمهندسين العراقيين في بريطانيا عقدت ندوة علمية في لندن، ناقش فيها الخبراء والبرلمانيين العراقيين الشؤون القانونية والاستثمارية المتعلقة بمسودة قانون النفط والغاز.

من خلال العرض السريع الذي قدمه الأستاذ صلاح التكمجي عن هذه الندوة أجد أن المبررات التي قدمها الدكتور حيدر العبادي رئيس لجنة الاقتصاد والاستثمار في البرلمان العراقي عن الأسباب التي تستدعي التعجيل في تنظيم قانون النفط لم تكن موفقة بأي حال، حيث أن المتحدث عزى مسألة الاستعجال بإصدار القانون إلى انخفاض المستوى المعاشي للشعب العراقي مما يستدعي رفعه بالواردات النفطية، إضافة إلى حاجة الدولة إلى الأموال لإعادة البنى التحتية المهدمة.

مما لا شك فيه أن العراق بحاجة ماسة إلى هذا القانون لكي ينظم العلاقات في القطاع النفطي الاستخراجي، ولا أعتقد أن هناك اثنين يختلفون حول هذه المسألة، ولا يوجد خلاف على التعجيل بمسألة التطوير لدعم الاقتصاد الوطني، لكن الخلاف على المحظور الذي يبيحه القانون، حيث من المعروف أن القانون يبيح منح عقود المشاركة بالإنتاج من دون ضوابط ولا مسوغات مقبولة، لأن هذه العقود لا تمنح إلا إذا كانت هناك أسباب موجبة لمنحها وهذا ما سنحاول تبيانه بسرعة هنا مرة أخرى وسوف لن تكون الأخيرة.

تمنح هذه العقود في حال وجود تحديات كبيرة تواجه عمليات التطوير، من هذه التحديات:

أن تكون الدولة مبتدئة بإنتاج النفط كالسودان أو ماليزيا يوم بدأت أو ليبيا عندما كانت لا تمتلك الكوادر الكافية ولا المعرفة بهذا المجال، لكن كما هو معروف عن العراق هو أنه يمتلك أعداد هائلة من المتخصصين في مجال عملهم والموجودين بداخل العراق أو المنتشرين في بلدان الشتات لكن الدولة لم تعمل على إعادتهم من خلال إعادة هيكلة القطاع النفطي وتوفير البيئة المناسبة لعمليات التطوير، وهذا ما تحدثنا عنه في مقالات سابقة بشكل تفصيلي. أو أن تكون الحقول صغيرة وتحتاج إلى تكنولوجيا متطورة ورؤوس أموال طائلة، مثل الحقول البحرية الصغيرة في خليج السويس في مصر، لأن تطوير حقل بحري صغير فيه الكثير من التحديات أهمها الجدوى الاقتصادية لإنتاج الحقل وفي الواقع هناك تحديات أخرى جميعها غير موجودة في العراق. لهذا السبب يعترض المختصون على منح هذه الحقول بلا سبب.

في الواقع المعترضون على القانون لا يعترضون على عقود المشاركة بالإنتاج بالمطلق، وذلك لوجود تحديات خارجة عن إرادة الدولة يجب مراعاتها في القانون. منها أن التحدي ذو طابع جيوسياسي، كأن تكون الحقول حدودية ومشتركة مع إحدى دول الجوار، وأنه من المعروف أن معظم نماذج الاتفاقيات الدولية من هذا النوع تتضمن وجود طرف ثالث محايد يقوم بإنتاج الحقل الحدودي لصالح الطرفين، لذا يجب أن يحصر القانون منح عقود المشاركة بالإنتاج بهذا النوع من التحدي لا أن يمنحها هكذا جزافا من دون ضوابط.

هناك تحدي آخر هو حاجة الدولة إلى دعم سياسي من الدول العظمى ذات النفوذ السياسي الكبير دوليا، وهذه الحالة يجب أن تكون مشروطة بتصنيع النفط والغاز المنتج من الحقل المعني بالعقد التطويري، لكن القانون لا يضع شرطا من هذا النوع في حين هو الأهم الذي يجب أن نراه في القانون.

إن هذا الشرط له أبعاد اقتصادية واجتماعية واسعة جدا، حيث أن منح العقود وفق عقود المشاركة بالإنتاج يعني أن الدولة ستجد نفسها في مأزق كبير مع دول الأوبك شركاء العراق المنتجين للنفط، صحيح أن حصة العراق حاليا غير محددة في الأوبك لرفع الحيف عنه، لكن حين يتوقف العنف في العراق، ولابد له أن يتوقف يوما ما قريب، في اليوم التالي سيرتفع إنتاج العراق مباشرة إلى الحد الذي يجعل من باقي المنتجين يتململون، وبعد فترة قصيرة ستنتهي الأمور عند فرض حصة للعراق بتصدير النفط الخام، وستكون من نتائجها هو أن شركة النفط الوطنية هي التي سوف تتحمل مسؤولية تخفيض الإنتاج، ذلك لأن المستثمرين مرتبطين بعقود مع الدولة ولا تستطيع فرض تخفيضات على إنتاجهم. لكن في حال ربط الصناعتين الاستخراجية بتصنيع النفط والغاز سيكون الأمر مختلفا تماما، حيث أن المستثمر سوف لن يبيع النفط الخام، ولكن يبيع المشتقات التي يصنعها، وهو ما يخرج عن محاصصة الأوبك.

الغريب الذي لاحظته في الندوة هو ما تحدث به الاقتصادي العراقي الدكتور علي الكاظمي، وهو الحاجة الماسة لزيادة الإنتاج لتلبية الطلب المتزايد كتبرير لمنح المزيد من عقود المشاركة بالإنتاج سيئة الصيت دون ضوابط، الغريب في الأمر هو أن الدكتور الكاظمي يعتبر صاحب الدعوة المعروفة في تكاملية التطوير العمودي في الصناعة النفطيةVertical Integration in the Oil Industry ، أي أنه كان يطالب بالتوسع العمودي، ويعني ذلك تصنيع ما ينتح من نفط وغاز وليس التوسع أفقيا بالتطوير، أي التوسع بالصناعة الاستخراجية، وهذا ما نطالب به تماما، بمعنى أن يتضمن القانون مادة تفرض على المستثمر صاحب عقد المشاركة بالإنتاج تصنيع النفط والغاز المستخرج وفق العقد، لكن الكاظمي تخلى فجأة عما كان يدعوا له من دون أن يقدم أسباب وجيهة لهذا التراجع. فسبحان مغيٍر الأحوال!!!!!!!

إن الدوافع التي تقف وراء المطالبة بمنح هذه العقود شرط تصنيع النفط والغاز المستخرج لها أساب كثير جدا، كلها موجبة بالنسبة للوضع العراقي لكن تضيق المساحة في هذا المقال لتناولها بالكامل، من أهم هذه الأسباب هو أن العراق بحاجة فعلا للاستثمار في تصنيع النفط والغاز وليس استخراجها فقط، لأن الصناعة الاستخراجية صناعة سهلة ورخيصة جدا ومتاحة إلى أبعد الحدود بالنسبة للعراق كما أوضح الاستشاري المبدع د. صلاح الموسوي والمشارك في الندوة، لكن ما هو غير متاح حقا بالنسبة للعراق هو تصنيع النفط والغاز، حيث أصبح معروفا عالميا أن المستثمرين في مجال تصنيع النفط والغاز يشترطون على الدولة منحهم عقود مشاركة بالإنتاج، في حين أن القانون يمنحهم هذه العقود دون قيد أو شرط، وهذا ما يستغرب له الدكتور صلاح الموسوي وغيره من التكنوقراط النفطيين المنتشرين في العالم ولم يؤخذ برأيهم في تعديل بنود القانون والحكومة مستمرة تماطل لتمريره رغما عن إرادة الشعب الذي يتظاهر ضده وآراء المختصين.

والذي يؤخذ على برلماني محترم كالدكتور العبادي أنه كان يوحي بأن المعارضين لهذه الصيغة يعملون على عرقلة القانون خدمة إلى جهات إقليمية تسعى لعرقلة تشريع قانون ينظم الاستثمار النفطي في العراق، وذلك حتى تبقى مسيطرة على سوق النفط العالمي وتبعد العراق عن المنافسة!!

إن هذه الإيحاءات تدل قبل كل شيء على إفلاس مطلق من قبل المدافعين عن هذه الصيغة الرثة التي تفرط بالحقوق وتقونن للفوضى في الإنتاج، الإفلاس يأتي من خلال محاولة الدكتور العبادي استخدام أسلحة الإرهاب التسقيطي والفكري لكل من له رأيا يصب في مصلحة الشعب ومستقبل الصناعية النفطية، وهذا أسلوب غريب على سياسي نابه العقل ومحترم مثل العبادي، لذا نرجو أن يكون أكثر حرصا في حديثه في المرات القادمة لأن المعارضين لصياغة القانون قد وضعوا أيديهم على حقائق ويقفون على أرض غاية بالصلابة وليس افتراءات مخجلة أقل ما يقال عنها أنها تمثل حالة إفلاس حقيقي أمام الوقفة الشعبية ومن النخب العلمية والسياسية ضد هذه المسودة الكارثية.

للحق أقول أنني لم اسمع قبل الآن من هذا السياسي الكيس أن يتحدث بهذا المستوى المتدني، لكن بذات الوقت يمكن أن يعطي المراقب بعض الحق له ويتفهم حرصه بالدفاع عن الحكومة التي يقودها حزبه في أخطر مرحلة تمر بها، لكن كنت أود رؤية الدكتور العبادي وهو يدافع عن الحكومة بإيجابية لا بالتفريط ، أي تعديل الصيغة الحالية بما يخدم مصلحة الوطن، لا أن يفرط بهذه المصلحة.

أما مداخلة الدكتور عبد الهادي الحساني فإنها ركزت على سؤال واحد مشروع فيما لو كان النظام السابق نظاما ديمقراطيا، فهو يتساءل باستغراب، لماذا لم تثار ضجة على النظام السابق الذي منح هذه العقود؟!

في الحقيقة بودي توجيه نفس السؤال للدكتور الحساني:

لمذا لم تعترض أنت على صدام حين منح هذه العقود؟

وهل كان باستطاعة أحد، حتى البعثيين أو المقربين من الدكتاتور، أن يسأل أو يعترض؟

أم أنك تقصد إن كل من يعترض على الصيغة الحالية للقانون هو مرتبط بالنظام السابق وإن معارضته بدوافع سياسية؟

ألا تجد أن هذا الأسلوب بالحديث هو نفس الأسلوب المتهافت، الذي نأسف له، والذي تحدث به الدكتور العبادي؟

نحن نعرف أن العديد من المعترضين على القانون لهم أهداف سياسية، لكن التعميم الذي تحدث به العبادي والحساني مرفوض وغير لائق بأشخاص يقفون بالصف الأول في البرلمان، لأن الغالبية العظمى من المعترضين هم من المتحمسين للعملية السياسية والعديد منهم يدعمون الحكومة الشرعية التي يقودها المالكي، لأن السياسي الحقيقي والحرفي الحقيقي يجب أن يكون بعيد عن لغة التسقيط أو التخوين لأنها لغة مخجلة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:المثقف السياسي-4-9-2007