أميركا الفقيرة!

 

 

 1من كل 8 يعيشون تحت خط الفقر و47 مليوناً من دون تأمين صحي

الحديث عن الفقراء في أغنى دولة في العالم ليس مجرد مزحة، وإنما حقيقة واقعة، إذ أن عدد ‏فقراء هذا البلد يتجاوز 36 مليون نسمة بينهم أكثر من مليون طفل، يعيشون تحت ‏خط الفقر، وفقا لتقديرات مكتب الإحصاءات الأميركي، وهو وكالة حكومية لا تنشر إلا ‏الحقائق.

ومن المفارقات أن أغنياء أميركا يلقون في براميل القمامة ما يقارب مائة ‏مليار طن سنويا من الأغذية الفائضة عن حاجتهم، ويمكن لهذه الكميات الكبيرة من ‏الأغذية التي يتم هدرها أن تغطي ليس حاجة فقراء أميركا فقط بل أيضا جزءا من ‏حاجة 800 مليون جائع في العالم.‏

ورغم أنه لا توجد مجاعة في الولايات المتحدة إلا أن العجز عن تحمل تكاليف ‏المعيشة يفتك بالفقراء الأميركيين، الأمر الذي ترتفع بسببه أصوات المنادين بتحويل ‏جزء من المساعدات الخارجية الأميركية الضخمة لفقراء العالم إلى المحتاجين من ‏أبناء البلاد.‏

وتشير الإحصاءات المتعلقة بالعام المنصرم (2006) إلى انخفاض طفيف في عدد الفقراء عن ‏العام الذي سبقه إلا أن المشكلة ما زالت قائمة ولا يوجد في الأفق ما يدل على أن ‏الحكومة الفدرالية أو حكومات الولايات تعمل على حلها.‏

وفي هذا السياق ذكر التقرير السنوي لمكتب الإحصاءات الأميركي أن 36.5 مليون ‏شخص، اي واحد من كل ثمانية من سكان الولايات المتحدة، يعيش تحت عتبة الفقر، ‏بينما هناك 47 مليون شخص محرومون من اي ضمان صحي في هذا البلد‎‏.

وقد وصف المخرج الاميركي العالمي مايكل مور النظام الصحي في الولايات المتحدة بأنه «إجرامي»، واضاف في حفل تقديم فيلمه الجديد «سيكو» بالعاصمة الايطالية روما «ربما تشعر بالعجب لكن مركز الولايات المتحدة في ترتيب مستوى الخدمات لمنظمة الصحة العالمية ليس سوى السابع والثلاثين».

وأردف مخاطباً الجمهور الايطالي «أما بلادكم فهي الثانية بعد فرنسا». وفي معرض شرحه لاسباب إخراج فيلم عن تردي مستوى الخدمات الصحية في بلاده قال مور «نملك في الولايات المتحدة أفضل الاطباء وأرقى المستشفيات ونحتكم على أحدث المخابر وننتج آخر ما توصل إليه العلم من مستحضرات وعقاقير، لكن لدينا 50 مليون مواطن لا يملكون الحق في التمتع بأبسط أسباب العلاج».

ويضيف «كما لا يسع الـ 250 مليونا الذين يغطيهم التأمين الصحي الا أن يلجأوا إلى دفع اموال اضافية لتغطية تكاليف كافة الخدمات لان بعض العلل التي لا تغطيها خدمة الضمان تكلف المواطن غاليا لدرجة الافلاس».

ودعا مور في ختام حديثه للايطاليين إلى «تخصيص مزيد من الإنفاق العام لبناء المستشفيات بدلاً من الجري وراء الولايات المتحدة وخوض حروب غير شرعية معها.. بعدما شهدوه من اقتطاعات واسعة في المجال الاجتماعي والصحي خلال سنوات حكم يمين الوسط برئاسة برلسكوني الحريص على تقليد الحكومة الاميركية».

ومن المعروف أن كثيرا من الأميركيين يتوجهون إلى كندا لشراء بعض أنواع الأدوية التي لا يستطيعون تحمل اسعارها الكبيرة في بلادهم، بل وأحيانا زيارة الأطباء هناك أو إجراء عمليات جراحية بتكلفة أقل مما هي عليه داخل الولايات المتحدة حتى في ظل وجود التأمين الصحي.

ووفقا لآخر تقرير عن أوضاع الأميركيين فإن نسبة الفقر تراجعت قليلا للمرة الاولى منذ عشر سنوات لتبلغ ‏‏12.3% من السكان مقابل 12.6% (37 مليون شخص) في 2005. ويعتبر الأميركيون أن أسرة تتألف من شخصين يقل دخلهما عن 13 الفا و167 دولارا سنويا، ‏وعن 16 الفا لثلاثة اشخاص، تعتبر من الفقراء، لكن هذا المبلغ يمثل دخلا عاليا لأسرة من ‏الطبقة المتوسطة في بلدان العالم الثالث، أي أن فقراء أميركا أكثر غنى من بعض ‏أغنياء بلدان في أميركا الجنوبية وأفريقيا وآسيا.‏ ولكن مما يزيد من حدة المشكلة في الولايات المتحدة هو التكاليف المرتفعة للمعيشة ‏بالمقارنة مع الدول النامية علاوة على أن بين الفقراء 12.8 مليون طفل وفتى لم ‏يبلغوا الثامنة عشرة من العمر يعيشون في الفقر (17.4%) و8.7 ملايين طفل ‏‏(11.7%) ليس لديهم اي تأمين طبي.

وقد سجل ارتفاع في عدد هؤلاء الاطفال ‏بالمقارنة مع 2005 حيث كانوا ثمانية ملايين‏‎. ‎ وسجل دخل الاسرة الاميركية ارتفاعا طفيفا للسنة الثانية على التوالي، بلغت نسبته ‏‏0.7% ليبلغ 48 الفا و200 دولار سنويا. لكن متوسط دخل الفرد تراجع حوالي 500 دولار ‏للرجل الى 42 الفا و261 دولارا سنويا و400 دولار للنساء ليصل إلى 32 الفا و515 دولارا ‏سنويا‎. ‎

وشهد البيض ارتفاعا في الدخل نسبته 1.1% وكذلك الآسيويون (1.8%) ‏والمتحدرون من اميركا اللاتينية (1.7%) بينما لم تتجاوز نسبة ارتفاع دخل السود ‏الـ 0.3‏‎% ، ونسبة الفقراء بين السود (24.3%) بقيت على حالها منذ 2005 لكنها اكبر مما هو ‏عليه بين الناطقين بالاسبانية (20.6% مقابل 21.8% في 2005) والآسيويين ‏‏(10.3%). اما بين البيض غير المتحدرين من اميركا اللاتينية فتبلغ النسبة 8.2‏‎%. ‎ ويعيش حوالي 3.4 مليون شخص تجاوزت اعمارهم الـ 65 عاما في حالة فقر‏‎. ‎ وتدل هذه الارقام على وجود فارق كبير بين متوسط دخل الرجال والنساء الذين ‏يعملون في المجالات نفسها‎ .

ففي مجال المحاماة يكسب الرجال 104 الاف و400 دولار سنويا اي ضعف ما تكسبه النساء ‏‏(51 الف و400 دولار سنويا). وفي مجال المعلوماتية فان متوسط الراتب السنوي للرجل ‏يقدر بـ 70 الفا و400 دولار مقابل 61 الفا و100 دولار للمرأة.

والولايات الجنوبية هي الاكثر فقرا خصوصا ميسيسيبي (21.1% من الفقراء) ‏ولويزيانا (19%) والعاصمة واشنطن (19،6%) في حين تقع المناطق الاكثر ثراء ‏في ضواحي واشنطن (فيرفاكس في فيرجينيا ومونتغومري في ميريلاند).‎

وتعد ولايات ميريلاند ونيوجرسي وكونتيكات في شرق البلاد الاكثر ثراء في دخل ‏الاسر. وتعتبر مدينتا سان خوسيه في قلب سيليكون فالي في كاليفورنيا (غرب) ‏وبلانو في تكساس (جنوب) الاكثر ثراء، في حين تعتبر كليفلاند (اوهايو شمال) ‏وديترويت (ميشيغان شمال) وميامي (فلوريدا جنوب شرق) الاكثر فقرا‎.

وأظهر تحليل اقتصادي بشأن الفقر في الولايات المتحدة إلى أن عدد الأميركيين شديدي الفقر وصل إلى 16 مليون أميركي، وهو ما يشير إلى ارتفاع نسبة الفقراء في الولايات المتحدة.

وقد نُشر التحليل في صحيفة «ماكلاتشي» حيث جاء فيه أن نسبة الأميركيين الفقراء الذين يعيشون في فقر مدقع وصلت إلى أعلى معدلاتها خلال 32 عاما، وأن دخل الملايين يهبط مقتربين من حد الفقر، بحيث أصبحت الفجوة في اتساع بين «من يملكون» ومن «لا يملكون».

وقد استند تحليل صحيفة «ماكلاتشي» لأرقام الإحصاء الرسمي لعام 2005، وجاء فيه أن حوالي 16 مليون أميركي يعيشون حاليا في فقر شديد أو في فقر مدقع. كما توصل التقرير أيضا إلى أن الأسرة المكونة من أربعة أشخاص، من والدين وطفلين، ولديها دخل سنوي أقل من 9 آلاف و903 دولارات ـ وهو نصف خط الفقر الفيدرالي الرسمي ـ كانت تُصنف باعتبارها أسرة تعيش في فقر مدقع في 2005، كما كان يُصنف الأفراد الذين لديهم دخل سنوي أقل من 5080 دولار باعتبارهم يعيشون في فقر مدقع في 2005. وقد وجد تحليل صحيفة «ماكلاتشي» أن نسبة الأميركيين الأشد فقرا قد ارتفعت بنسبة 26 بالمائة من عام 2000 إلى عام 2005، وهو ما يعني زيادة بسرعة أكبر بـ 56 بالمائة من الارتفاع الإجمالي في نسبة الفقر في نفس الفترة. وتعليقا على نتائج التحليل قال أرلوك شيرمان، أحد كبار الباحثين في مركز أولويات الميزانية والسياسة: «إن الفقر في ازدياد (في الولايات المتحدة) خلال السنوات الأخيرة الماضية، وهذه هي المرة الأولى بالفعل التي يحدث فيها هذا خلال فترة تعافٍ اقتصادي».

وأضاف شيرمان أن هذا جزء من نمط يعكس أن مكاسب النمو الاقتصادي لا تصل تدريجيا إلى الطبقات الدنيا من المجتمع؛ فالأشكال الأشد من الفقر يبدو أنها تزداد سوءا، مشيرا إلى أن ثمة زيادة في أعداد الأميركيين تحت نصف خط الفقر.

وتابع يقول إن «الأمهات الوحيدات اللائي انتقلن إلى القوة العاملة بأعداد كبيرة أواخر التسعينيات من القرن العشرين يفقدن وظائفهن الآن في بعض الأحيان، لكنهن لا يجدن الآن حالة الأمان التي كانت موجودة من قبل».

كما قال أفيس جونز ـ ديويفر، مدير برنامج الفقر والتعليم والعدالة الاجتماعية في معهد أبحاث سياسات المرأة، عن نتائج التحليل، إنها تمثل جزءا من توجه طويل المدى، مضيفا أن مجرد تدفق الانتعاش الاجتماعي إلى الأسفل لا يعني أن أوضاع الناس قد تحسنت، فالناس يحصلون على أجور منخفضة، وسوق الوظائف المزدحم لا يوفر أي طريق بعيدا عن الفقر، ولا يوفر لهم رعاية صحية، كما يبقيهم في حالة من عدم الأمان الشديد.

وقال جونز ـ ديويفر إن «بوش وعد بالتعامل مع هذا في أعقاب إعصار كاترينا، لكنه لم يتابع على الإطلاق هذا الوعد. ونحن في حاجة إلى أن جهدا كبيرا للتعامل مع مشكلة الفقر وأسبابها العميقة».

يُشار إلى أن التحليل توصل أيضا إلى زيادة كبيرة بشكل ثابت في نسبة السكان الذين يعيشون في فقر شديد في 65 مقاطعة من بين 215 مقاطعة أميركية كبرى، وزيادات مشابهة في 28 ولاية.

كما يشير التقرير أيضا إلى أن الارتفاع في أعداد السكان شديدي الفقر ليس مقصورا على المقاطعات المدنية الكبيرة، لكنه يمتد إلى مناطق الضواحي والمناطق الريفية. ويقول الصحافي الأميركي روبرت شير، وهو كاتب عمود أسبوعي في صحيفة «لوس أنجليس تايمز»، إن الأمر قد يحتاج إلى الهام إلهي او إلى كارثة طبيعية لكي تجعل الرئيس جورج بوش، الشفوق المحافظ، يدرك ان بيننا أناسا فقراء، في إشارة إلى كارثة إعصار «كاترينا» الذي عصف بفقراء نيو أورليانز في ولاية لويزيانا.

وأشار الكاتب إلى أن الرئيس الأميركي فاز ايضا بالوظيفة التي تعزز سجله كحاكم لولاية اظهرت الاحصاءات السكانية ان بها اعلى مستوى من الفقر، واعلى نسبة من المواطنين الذي يفتقدون التأمين الصحي. ويتابع قائلا: «من سوء الحظ، ان الرئيس ما زال يعتقد ان الفقر المدقع الذي يعيشه سكان نيو أورليانز وعرض حياتهم للخطر كان من جراء الاعصار الشديد الذي تعرضوا له، وليس كونه واقعا قوميا مزعجا وحقيقة مؤلمة كان يتعين عليه مواجهتها منذ زمن بعيد، وكم كنا نتمنى ان يتبنى ويعي جيدا كلمة القس تي دي جاكس من دالاس التي قالها قبل كلمة بوش في الكاتدرائية الوطنية: ربما ان كاترينا فعلت شيئا لهذه الأمة، كنا في حاجة لأن نفعله، لقد جعلتنا نفكر وننظر ونصل الى ما وراء الصدع، ونرى اشياء لم نرها من قبل».

كما اردف قائلا: «يمكن ان نتحول من دولة تغفل الفقراء والذين يعانون الى دولة تبحث فيما وراء الأحياء الفقيرة في طريقنا الى الاحتفال بماردي جراس او هارلم في مانهاتن، او الى كومتون لسباق رعاة البقر. بالطبع، ما كان الأمر يحتاج الى إعصار مدمر ليتضح لرئيسنا عمق المأساة الانسانية في دولة يمكنها بكل سهولة الا تجعل أحدا من أبنائها فقيرا، ام ان الرئيس يتفق مع رأي والدته التي قالت: ان ترك الأميركيين من اصل افريقي الذين دُمرت منازلهم ينامون في المجمع الذي خصصته لهم الحكومة الفيدرالية امر جيد لهم ولا بد ان يشكروا الحكومة عليه، ذلك لأنهم كانوا فقراء معدمين على اي حال». ويتابع روبرت شير قائلا «كنا نتمنى ان يدرك بوش كل هذه المآسي التي يعاني منها الأميركيون على كل حال، هناك حوالي 37 مليون أميركي، بينهم 13 مليون من الأطفال يعيشون تحت خط الفقر، اي بزيادة تصل الى حوالي 4.5 مليون قبل توليه الرئاسة، هذه الحقيقة المؤلمة لم تذكر من قبل عندما كان الرئيس يتغنى ويردد من حين لآخر الفوائد التي جناها الأثرياء من تخفيض نسبة الضرائب لهم».

وقال الرئيس الأسبق بيل كلينتون، وهو ينتقد تعامل الحكومة المخجل مع إعصار كاترينا: «إن هذه مسألة تتعلق بالسياسة العامة حيث ان فكرة تخفيض الضرائب ليست في صالح الفقراء إطلاقا، بل هي دائما لصالح الأثرياء، وهذه هي النتيجة الحتمية للنظام الحكومي الفاشل القائم على أساس التمييز بين المواطنين، وهذا هو ما حدث في الثمانينيات، وما يفعلونه في هذا العقد الحالي».

ويرى كتاب آخرون أن الرئيس الأميركي سوف يعرف انه رغم حله لأجزاء من المشكلة في اركنساس المضطهدة، أو في الريف، فإن مستويات الفقر لم تنخفض بشكل كبير خلال فترة رئاسته، حيث انها كانت في عام 1993 حوالي 15.1% بينما وصلت عام 2000 الى 11.3%. وربما يدرك بوش الرسالة وهي أن الحكومة ليست العدو ولكن سياسته الخاطئة أحدثت أزمة سياسية كبيرة جعلت الجميع يدرك ان للحكومة دورا فيما حدث، بمعنى أنها لم تقم بواجبها لمواجهة هذه الكوارث، كما انها ايضا تسببت في إغضاب المحافظين المؤيدين  (لثورة ريغان ).

وعلى سبيل المثال، يخشى الناقد جورج ويل من أن وعود بوش الأخيرة بإعادة بناء ساحل الخليج الذي تهدم قد يطلق العنان لموجة جديدة من الانفاق الاجتماعي، التي تؤكد الأسطورة المنتشرة القائلة: «ان هذه الدولة ما زال بها الكثير من الأمور التي لم تكتشف بعد، ولكن من الصعب تماما وفقا لجورج ويل ان يشعر شخص تربى منذ نعومة أظافره على العيش في قصور والتلذذ بكل الملذات ومطايب العيش ان يشعر بما يشعر به جيرانه الفقراء المعدمون وما يعانونه من حرمان من اهم ضروريات الحياة.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الشرق الأوسط اللندنية-7-9-2007