مغالطات... نظرية "التنمية"

 

 

د. عبدالله جمعة الحاج

 

 

خلال القرنين الماضيين، ظهرت ثلاث نظريات تم الاعتماد عليها لتحديد مسيرة شعوب العالم النامي نحو إقامة الدولة الوطنية وطرق إدارة مواردها، تلك النظريات هي الشيوعية والفاشية والاشتراكية، ولكن أياً منها لم ينجح ويحقق للشعوب ما تصبو إليه، وانهارت تلك النظريات الواحدة تلو الأخرى.

وفي النصف الثاني من القرن العشرين، بدأت المدارس الفكرية في الغرب، في بلورة العديد من المقولات الفكرية التي لم ترق بعدُ إلى المستوى الذي يمكن أن يطلق عليها من خلاله مسمى نظريات وفقاً للتعريفات والأسس والصفات التي يمكن من خلالها إطلاق مسمى نظرية على الشيء  إن المقولة الجديدة آخذة في السير نحو التحول إلى أيديولوجية جديدة للقرن الحادي والعشرين هي مقولة "التنمية".

أيديولوجية التنمية الجديدة، كغيرها من الأيديولوجيات الأخرى التي مرت على البشرية، تَعِد البشر بقدرتها على أن تكون الحل النهائي والوحيد لكافة مشاكل المجتمعات بدءاً بالفقر والجهل والمرض، مروراً بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وانتهاءً بإصلاح النخب الحاكمة والفساد الذي تتسبب فيه لأوطانها، وبمحاربة العنف والإرهاب الذي يسود عالم اليوم.

وضمن طرحها هذا تقول نظرية التنمية عن نفسها، إنها تقدم للبشرية في هذه المرحلة الحل الصحيح الوحيد الذي لا يوجد غيره، وإن هذا الحل لا يمكن له أن يفشل في معالجة كافة قضايا البشرية.

والغريب في الأمر أن العديد من المتخصصين والعلماء آخذون في تسويق مقولات التنمية الجديدة إلى درجة أنه بات لها مفكروها المتخصصون الذين يروجون لها، خاصة في أوساط المتعلمين العاملين في الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

ومن تجربة قراءة أسباب فشل العديد من الأيديولوجيات السابقة عند التطبيق، يمكنني القول إن نظرية التنمية بطرحها الأحادي هذا، تبذر بذرة خطر شديد على ذاتها، لأن القول بوجود إجابة واحدة صحيحة لكل شيء في هذا العصر آخذ في أن يعني معانيَ محددة تثير ردود فعل عكسية لدى شعوب العالم النامي، فالحل الصحيح الذي تعنيه التنمية الآن، هو أن تصبح الأسواق الحرة المفتوحة على مصراعيها، هي النمط الاقتصادي الذي يجب أن تأخذ به جميع الدول.

لذلك فإنه بالنسبة لدول العالم النامي الفقيرة جداً تم تعريف الحلول التي تقدمها نظرية التنمية على أنها واجبة التطبيق من قبل تلك الدول بمعنى تنفيذ كل ما يأمر به صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وربما وكالات الأمم المتحدة المتخصصة في بعض الأحيان.

ولكن رد فعل دول العالم النامي، بما في ذلك المنطقة العربية وجوارها الجغرافي وروسيا، هو الوقوف مواقف معارضة بشدة ضد طروحات الأسواق الحرة على مصراعيها. وبهذا الشكل فإن واحدة من أفضل الأفكار الخاصة بالعالم المعاصر على الصعيد الاقتصادي، وهي وجود أسواق حرة للتجارة العالمية، تم تقديمها للبشرية بطريقة سيئة جداً، فبالنسبة لجميع الدول الفقيرة في العالم النامي يتم فرض الأسواق الحرة عليها من خلال مقولات غريبة يفرضها ويقوم بتنفيذها غرباء يستخدمون مبادئ وأسس تخصهم وحدهم والمجتمعات التي قدموا منها على أصحاب أراض تكره الغرباء وغير راغبة في الأخذ بالوسائل التي يقترحونها عليهم لبناء أوطانهم.

وفي تقديري، إن نظرية التنمية في جوهرها الحقيقي لا تتعلق فقط بأن يكون لدى دول العالم النامي خبراء أجانب يقومون بتصميم الأسواق الحرة لها، بل تتعلق بأن يقوم أولئك الخبراء بتصميم خطط كلية شاملة تقنية الطابع، الهدف منها حل مشكلات الفقراء جميعها، وليس من جوانب أحادية فقط والغريب في الأمر أنه وإلى هذه اللحظة، فإن الخبراء المتواجدين لدى دول العالم النامي الفقيرة، ينظرون إلى الفقر على أنه مشكلة تقنية صرفة فقط يجب أن تحل تقنياً أيضاً بواسطة المهندسين والخبراء الصناعيين وأصحاب العلوم البحتة.

هذه النظرة ضيقة جداً، فالفقر كمشكلة لها جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والبيئية، ولكي يتم حلها لا يجب استبعاد أدوار أصحاب العلوم الاجتماعية كالاقتصاد والسياسة وعلم الاجتماع والتربية والتعليم والعلوم الصحية.

إن طروحات نظرية التنمية الجديدة تدخل دول العالم في أطر جديدة من التنمية التابعة، وهو أمر ليس مطلوباً من قبل هذه الدول وشعوبها، وعكس ذلك هو الحرية وقدرة المجتمعات على التحرر من قيود السيطرة الأجنبية.

علاج مشكلة الفقر يكمن في تحرر الشعوب من أن تملى عليها الحلول، وصحيح أن المجتمعات الحرة والمواطنين الأحرار ليسوا مضموني النجاح دائماً، ويمكن أن يتعرضوا للفشل والخسارة، وربما يقومون باختيارات خاطئة، ولكنهم على الأقل سيقومون بتحمل تبعات القرارات التي يتخذونها وأخذ العبر والدروس منها. وعملية التعلم من الأخطاء هذه، هي التي أنتجت للبشرية مستودعات المعرفة العامة التي يتشكل منها علم الاقتصاد الحديث.

خاتمة القول هي أنه حان لنا كبشر، أن نعترف بأن محاولات فرض مقولات نظرية التنمية على شعوب العالم الفقيرة، تبدو فاشلة حتى الآن، ولكن لحسن الحظ أن العديد من مجتمعات العالم النامي تقوم بتحسس طرقها الخاصة بها المؤدية باتجاه المزيد من الحرية والرفاهية، وهذه التوجهات هي التي تشكل الأسس الصحيحة لنمو الشعوب والأوطان.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-15-9-2007