عقارات «منهاتن» تنتعش.. وتعاكس التراجع العام في الأسواق الأميركية

 

 

 

في ذكرى أحداث 11 سبتمبر

في الوقت الذي تنخفض فيه أسعار العقارات الأميركية وينخفض معها عدد المشترين والمستثمرين، فإن الولايات المتحدة شهدت بشكل عام سنة سيئة دون شك  ويعتقد بعض الخبراء أن السوق سينخفض أكثر، وأن نحو مليوني أسرة ستفقد منازلها خلال الـ 12 شهراً المقبلة لأنها لن تستطيع سداد الأقساط الشهرية للقروض العقارية التي حصلوا عليها لتمويل منازلهم.

غير أن بلداً بحجم الولايات المتحدة فمن الصعب تعميم التكهنات حول سوقها العقاري، بل ان الوضع يختلف بدرجة درامية في بعض الأحيان من ولاية إلى أخرى. فمثلاً، رغم أن مجلة "فوربس" وصفت مدينة لوس أنجلوس بأنها أكثر الأسواق العقارية الأميركية تضخماً في الأسعار، فإن حي "بيفرلي هيلز" في لوس أنجلوس الشهير بسكانه من نجوم السينما وهوليوود قد شهد ارتفاعاً في أسعاره خلال العام الجاري بلغ 6%. وينطبق الشيء نفسه على جزيرة منهاتن التي تُعتبر القلب النابض لمدينة نيويورك. فرغم أن المدينة بشكل عام شهدت تراجعاً في اسعارها الا أن منهاتن ظلت مرغوبة وحافظت على قدر من النمو في الأسعار.

وحسب احصاءات شركة "برودنشيال دوغلاس" العقارية الأميركية فإن عدد المبيعات في منهاتن ـ التي احتفلت الاسبوع الماضي بالذكرى السادسة على أحداث سبتمبر 2001 -  ارتفع من 1934 وحدة سكنية في النصف الأول من العام الماضي إلى 3939 وحدة سكنية في النصف الأول من هذا العام. كما يوضح التقرير نصف السنوي للشركة أن عدد المنازل والشقق المعروضة للبيع قد انخفض بنسبة 31.5%، مما يعني شُحاً في المعروض ومن ثم ارتفاعاَ في الأسعار.

ويوضح التقرير أيضاً أن السعر المتوسط للعقارات في منهاتن ارتفع خلال النصف الأول من هذا العام بنسبة 1.7% ليصل إلى 895 ألف دولار  كما أن الفترة التي يستغرقها العقار للبيع تراوحت في حدود 117 يوماً (نحو 4 أشهر) أي أقل بنحو شهر من الفترة التي كان يستغرقها البيع في نفس الفترة من العام الماضي.

وكان ارتفاع الأسعار أكثر وضوحاً في الشقق الأكبر حجماً، ذات الثلاث وأربع غرف نوم، إذ بلغت نسبة الارتفاع في هذه الشقق 17.6% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. لكن التقرير أوضح أن الشقق المعروفة باسم "التعاونيات" شهدت انخفاضاً بلغت نسبته 3.7%. وفي المقابل ارتفعت أسعار الشقق الفاخرة المعروفة باسم "كوندو" بنسبة 5.1% ليصل السعر المتوسط إلى أكثر من مليون دولار قليلاً (1.04 مليون دولار).

ولكن اسعار الفيلات انخفضت من 4 ملايين في العام الماضي إلى 3.6 مليون هذا العام  وتعقيباً على وضع منهاتن، قال مدير الشركة العقارية التي أعدت هذا التقرير، دوتي هيرمان، إن جزيرة منهاتن "تخالف الاتجاه العام في سوق العقارات الأميركية، لذا فهي لا تزال استثماراً جيداً للأميركيين وللمستثمرين الأجانب".

وأضاف أن "جزيرة منهاتن، التي شهدت أكثر الأحداث درامية على الأراضي الأميركية، وفقدت أقيم وأعلى ناطحتي سحاب في العالم، لا تزل اليوم سوقاً عقارياً مرغوباً ومنتعشاً رغم الصورة القاتمة لبقية العقارات في المناطق الأخرى من الولايات المتحدة، بل في المناطق الأخرى من مدينة نيويورك نفسها".

وفي هذا الصدد أوضح أحدث تقرير أصدره "اتحاد الوكالات العقارية" أن حجم المبيعات في الولايات المتحدة انخفض في الشهر الماضي إلى أقل مستوى له منذ سبتمبر 2001. وقد انخفضت هذه المبيعات بدرجة أسوأ من المتوقع، إذ بلغت نسبة الانخفاض 3.5% مقارنة بالشهر الذي قبله.

وقال التقرير إن هذه الأرقام تؤكد أن تراجع اسعار العقارات في الولايات المتحدة سيستمر حتى العام المقبل، على الأقل. وعزا ديفيد فلانغان، نائب رئيس الاتحاد، هذا التراجع إلى ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية وعدم قدرة الكثيرين على المواكبة في سداد اقساطهم العقارية.

وأضاف أن هذا الوضع خلق حالة من عدم الثقة، أدت بدورها إلى احجام الأميركيين عن التورط في شراء عقارات بالاقساط، كما أدت إلى ابتعاد المستثمرين لأنهم يرقبون السوق بحذر وينتظرون مزيداً من الانخفاض قبل أن يقبلوا على الشراء.

وربما كان أبلغ دليل على هذا الوضع هو أن شركة "ويلزلي"، أكبر شركة في العالم لمواد البناء، أعلنت قبل أقل من أسبوعين أن أرباحها في العام الماضي انخفضت بنسبة 17.6%ً بسبب وضع سوق العقار الراكد.

وقال المدير العام في الشركة، تشيب هورنزبي، إن شركته تتوقع أن يظل سوق العقار ضعيفاً بقية هذا العام، مما قد يضطرها إلى خفض عدد عامليها. لكنه أكد أيضاً أن فترة الركود قد تكون اقتربت من نهايتها وأن بوادر تحسن بدأت تظهر من على البعد في بعد الولايات والمدن.

غير أن المحللين يشيرون إلى أن سوق العقارات في الولايات المتحدة يتكون في الواقع من 50 سوقاً، إذ يختلف الوضع كثيراً من ولاية إلى أخرى، بل حتى داخل الولاية تختلف الحظوظ من حي إلى آخر. فمثلاً حي "هارلم" الذي يقع في وسط جزيرة منهاتن، اشتهر عبر التاريخ بأنه معقل للجريمة وللفقراء.

ومن مفارقات القدر أن حظوظ "هارلم" تغيرت بدرجة كبيرة منذ 11 سبتمبر، رغم أن أحداث ذلك اليوم ليس لها علاقة مباشرة بطفرة هارلم العقارية  لكن الطفرة العقارية التي شهدتها منهاتن في السنوات الخمس الماضية أدت إلى زحف الأثرياء على حي "هارم" الذي يقع في وسط الجزيرة.

ومع ارتفاع أسعار العقارات في "منهاتن" إلى أرقام فلكية ظل "هارلم" لعقود طويلة البؤرة الوحيدة الفقيرة وسط أحياء راقية وسكانها أثرياء يتفادون حتى المرور عبر هذا الحي الكئيب.

وبمرور الوقت وضيق مساحة الأرض تكدس الأثرياء والميسورون على كل شبر من أرض الجزيرة حتى لم يبق منها الا حي "هارلم" الذي ظل يسكنه نفس الفقراء الذين توارثوا عماراته العتيقة عبر الأجيال. ففي الأعوام القليلة الماضية بدأ الشباب من المهنيين الأميركيين، الذين أجبرهم غلاء الأسعار في المدينة، الى النزوح نحو "هارلم" وشراء بناياته التي تتميز بطابعها القديم الجميل رغم أن غالبيتها متهالك ولم يحظ بصيانة لسنوات طويلة.

وعندما اشترى المهنيون الأوائل العمارات التي تقع في أطراف الحي (دون أن يتعمقوا في داخله) حوّلوا هذه العمارات من شبه "خرابات" إلى عمارات جميلة بعد أن أنفقوا عليها كثيراً من المال وأعادوا إليها رونقها القديم مع مسحة من الحداثة.

كما فتحوا حول هذه العمارات محلات تجارية ومطاعم منمقة، فكانت النتيجة أن ارتفعت الأسعار وعندما انكسر الحاجز النفسي أمام "هارلم" وبدأت أطراف الحي تتغير أغرى ذلك مزيدا من المشترين الذي حضروا للتوغل أكثر داخل الحي وشراء مزيد من البنايات حتى أصبح "هارلم" من أكثر الأحياء في مدينة نيويورك الذي يمكنه أن يحقق لك ارباحاً كبيرة في فترة وجيزة.

وبالطبع لفتت الأرباح الكبيرة نظر المستثمرين الذين سارعوا بدورهم الى شراء عقارات كثيرة بأسعار لن يجدوها في أي مكان آخر في "منهاتن"، ثم صانوا هذه العمارات وإما عرضوها للبيع أو للإيجار.

 فسعر العمارة من ثلاثة طوابق فقط ارتفع منذ عام 1995 بمعدل 400% ليصل الآن إلى نحو 1.65 مليون دولار. ورغم ذلك فإن أسعار الحي لا تزال تقل ما بين 30% و40% عن بقية الأحياء في جزيرة منهاتن، الأمر الذي يعني أن التزاحم على شراء عقارات الحي لا يزال متواصلا.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الشرق الأوسط اللندنية-15-9-2007