التجارة الحرة... أين المفارقة؟!

 

 

مواسييه نعيم

 

 

هناك وضع غريب ماثل أمامنا الآن، وهو أنه في الوقت الذي تنهار المفاوضات الدائرة بشأن التجارة الحرة، فإن التجارة الحرة ذاتها تزدهر. كانت المرة الأخيرة التي كان لدى المسؤولين الرسمين المنخرطين في محادثات التجارة الحرة من الأسباب ما يدفعهم للشعور بالتفاؤل في عام 1994 عندما وافقت 125 دولة على إجراء عملية تقليص كبير للحواجز التجارية، وإنشاء منظمة مكلفة بالإشراف على تحرير التجارة العالمية هي منظمة التجارة العالمية.

ومنذ ذلك الحين تعطلت كافة الجهود الرامية لتحرير التجارة من خلال الاعتماد على أسلوب المفاوضات المتعددة الأطراف. وفي الوقت الراهن تعتبر اتفاقيات التجارة الحرة من الموضوعات الحساسة سياسيا، إذ يلقي الجميع باللائمة على حرية التجارة، فزيادة الواردات من الدول الأخرى تعد المسؤول عن فقدان الوظائف وانخفاض الأجور وازدياد درجة عدم المساواة.

هناك العديد من الحقائق الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى نضوب الحماس للتوصل إلى اتفاقيات تجارية في العديد من الدول، منها على سبيل المثال: أنه في حين أن المزايا التي يمكن أن تترتب على حرية التجارة يمكن أن تتخذ شكل الوعود، إلا أن التكاليف المترتبة عليها يمكن أن تكون حقيقية، ومحسوسة، ومباشرة.

ومنها أيضا أنه في حين أن المنافع التي يمكن أن تترتب على تحرير التجارة يمكن أن تتوزع على نطاق واسع بين السكان، إلا أن التكلفة التي تترتب على ذلك يمكن أن تتحملها جماعات بعينها.

ويشار إلى أن انهيار المباحثات الخاصة بالتجارة الحرة قد بدأ عام ،2000 عندما أخفقت محاولة عقد جولة من المفاوضات التجارية في ''سياتل'' وانتهت بفشل المجتمعين حتى على الاتفاق على تلك المحادثات.

وبعد ذلك بعام اجتمع وزراء التجارة مرة ثانية في العاصمة القطرية الدوحة، وقرروا البدء في جولة جديدة من المحادثات، اتفقوا على استمرارها لمدة أربع سنوات، وهو ما لم يقدر له الحدوث وفي شهر يونيو الماضي وبعد ست سنوات كاملة من المباحثات ترك المفاوضون الاجتماعات في الدوحة ووجهوا الاتهامات بعدم التعاون لبعضهم بعضا.

في ذلك الوقت كانت التجارة الحرة ماضية في التقدم والنمو على نحو حثيث، حيث فاق معدل النمو في التجارة الحرة معدل النمو في الاقتصاد العالمي، الأمر الذي أدى إلى زيادة العلاقات التجارية بين مناطق العالم المختلفة عام 2005 بمقدار خمس مرات عن المعدل الذي كانت عليه في حقبة الثمانينات من القرن الماضي.

السؤال الذي يبرز هنا هو: ما الذي يؤدي إلى تلك التدفقات التجارية المتصاعدة؟

الإجابة المباشرة على ذلك هي التقنية والسياسات  فقد ساهم النمو التقني في ربع القرن الأخير - بدءا من الإنترنت وحتى وسائل النقل - في تقليص التكاليف التجارية مما ساعد على الازدهار التجاري. ومن ناحية أخرى، ساهم تغير الظروف السياسية في الكثير من الدول، وقيام العديد من الدول بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية كبيرة من أجل الاندماج في منظومة الاقتصاد العالمي ، إلى جعل البيئة السياسية العالمية أكثر استجابة للانفتاح وإزالة الحواجز وبالتالي إلى تعزيز النشاط التجاري.

طالما أن الأمر كذلك، فما هي الحاجة بنا إذن إلى عقد اتفاقيات تجارية؟ هناك حاجة إلى تلك الاتفاقيات من أجل معالجة الكثير من الأمور منها إزالة العوائق التجارية التي لا تزال قائمة، علاوة على أن -حتى بين أكثر الاقتصاديين تشاؤما - فإن تبني التوصيات التي يتم اقتراحها في مؤتمرات حرية التجارة - مثل التي برزت في جولة محادثات الدوحة - يمكن أن تؤدي إلى تحقيق مكاسب اقتصادية ضخمة وتنقذ من الفقر ملايين الأشخاص في مختلف مناطق العالم.

إذن الأمر لا يتعلق بالمال والتدفقات المالية المترتبة على ازدهار التجارة ولكن الأمر يتطلب أيضا لوائح وقوانين للتحكم في التجارة حتى لا نترك الحبل على الغارب، فتلك القوانين واللوائح المقبولة من جانب أغلبية الدول، يمكن أن تحمي الدول والشركات الأصغر من الممارسات الضارة للدول والاحتكارات الكبرى.

*رئيس تحرير مجلة فورين بوليسي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست-10-9-2007