هل يسيطر النفط على السياسة الدولية؟

 

 

 د. طارق سيف

 

 

يرى الخبراء العسكريون والاستراتيجيون، والأميركيون منهم خاصة، أنه من بين مصادر الطاقة جميعها، ليس هناك سلعة أكثر من النفط قادرة على إثارة الصراعات بين الدول في القرن الحادي والعشرين، فالنفط يلعب دوراً بالغ الحيوية في الاقتصاد العالمي، إذ لا يزال متربعاً كأكثر مصادر الطاقة نفعاً واستخداماً على مستوى العالم رغم الضغوط البيئية الشديدة المحيطة باستخدامه.

ولم يعد النفط مصدراً قيّماً للطاقة فحسب، بل أصبح "سلعة استراتيجية" سيظل العالم معتمداً عليها لعقود طويلة مقبلة، طالما ظل إنتاج بدائل طاقة صديقة للبيئة ومرغوب فيها أمراً يستغرق أمداً ليس بالقصير، فضلاً عن أن المجتمعات الصناعية لن تقوى على العيش من دونه.

لذا فقد انتشرت الآراء الداعية إلى ضمان استمرار توافر النفط وتدفقه؛ حتى إذا استلزم الأمر استخدام القوة العسكرية، بعد أن بات النفط أحد أهم المصالح الحيوية للقوى العظمى في العالم، بل والقوى الدولية الأخرى الساعية للتنمية والتطور الاقتصادي والتي تسعى إلى أن تتبوأ مكانة عالمية.

والنفط يتفوق على غيره من مصادر الطاقة في العديد من المؤشرات العلمية المتعلقة بحالته السائلة وقدرته على توليد الطاقة الحرارية، إذا قورن بغيره من البدائل مثل الفحم، والغاز الطبيعي، والإيثانول المستخلص من الحبوب.

ومنذ بداية اكتشاف النفط وبروز دوره الاستراتيجي أصبحت شركات النفط العالمية نموذجاً لـ"رأسمالية نفطية" باعتبارها نموذجاً للمشروع الرأسمالي، كما أنها تفوقت في هيمنتها وأحجامها على "رأسمالية المناجم" التي كانت سائدة في عصور سابقة، وبصورة موازية بزغت "رأسمالية صناعة السيارات" التي تزاوجت مصالحها مع الرأسمالية النفطية، ليبدأ مسار مشترك من العلاقات والمصالح الوطيدة بين الجانبين رغم وجود قدر من التباين في الأهداف النهائية بينهما في بعض الأحيان.

وقبيل سبعينيات القرن العشرين، تمكنت شركات النفط الكبرى من التعرف إلى طبيعة وحجم الاحتياطيات النفطية المثبتة الجديدة في الشرق الأوسط حين كان بوسعها التحرك بحريّة كبيرة داخل أرجاء المنطقة، لكن السيطرة على حقول النفط انتقلت بعد تلك الحقبة إلى دول المنطقة التي مالت إلى تأميمها وامتلاكها، وقادت تلك الأوضاع الشركات النفطية الأميركية والأوروبية إلى البحث عن صيغة مناسبة للتعامل مع هذه الدول، ودفعت الحكومات الغربية والشرقية على السواء إلى تبني سياسات خارجية تدعم هذه الشركات وتقف معها ضد دول المنطقة.

ولكن مع حلول القرن الحادي والعشرين، جاءت إلى البيت الأبيض إدارة ربما تكون الأكثر التصاقاً وخضوعاً لمصالح قطاع النفط والطاقة في تاريخ الولايات المتحدة والعالم، وبذلك اعتلت الرأسمالية النفطية عرش صناعة القرار الاستراتيجي الأميركي وسيطرت على فكر القائمين عليه، كما أن المتطلبات النفطية باتت في صدارة أجندة الإدارة الجديدة ومرتكز استراتيجيتها.

ونتيجة لفشل السياسات الخارجية "التقليدية" التي تبنتها الإدارات الأميركية في السابق، من أجل تنويع مصادر إمدادات النفط وتقليص الاعتماد على واردات الخليج العربي، أو على الأقل فرض سيطرة غير مباشرة عليه عن طريق إذكاء التهديدات المحيطة بالمنطقة، والبحث عن شرطي تابع يحرس الثروة النفطية، فقد بات لزاماً أن يكون الوجود العسكري الأميركي المباشر في قلب منطقة النفط، الطريق الوحيد لحماية المصالح الأميركية، وبذلك انضمت رأسمالية النفط إلى رأسمالية نشر التسلح.

وإذا كان من الضروري الاعتراف بأن الولايات المتحدة دخلت القرن الحادي والعشرين وهي متربّعة على عرش التحديث والنهوض المجتمعي والتقدم التكنولوجي على مستوى العالم؛ وتفوق نظرائها بدرجات كبيرة في سلم الترتيب، فإنها ستظل تعاني تصاعد معدلات النمو في الطلب على الوقود اللازم لوسائل النقل خلال العقود الأربعة المقبلة بمعدلات مرتفعة ومرهقة للاقتصاد الأميركي.

لذلك سيظل النفط محور السياسة الأميركية الكونية في ظل تنامي المخاوف والقلق المسيطر على المجتمع الأميركي فيما يتعلق بمسألة تصعيد الولايات المتحدة لحربها ضد الميليشيات الإسلامية المسلحة، والتورط عسكرياً في قلب منطقة النفط، وهو الأمر الذي زاد من احتمالات حودث أزمات نفطية في المستقبل بعد أن تخطى سعر البرميل حاجز السبعين دولاراً.

لذلك فإن السياسة الدولية عامة، وسياسة الولايات المتحدة خاصة، ستهدف في المستقبل إلى استخدام طراز من "الديمقراطية الاستعمارية" من أجل تأسيس "محميات نفطية صديقة ومسيطر عليها"، وإذا كانت البداية جاءت من العراق فإن الطريق لا يزال طويلاً لاستكمال حلقة السيطرة.

لقد بلغ عدد الحقول المكتشفة على مستوى العالم نحو 42 ألف بئر نفطية من بينها 417 حقلاً تنتمي إلى الحقول الضخمة، وهي حقول يتدفق منها ثلثا إنتاج العالم من النفط، وتستأثر منطقة الخليج والدول المحيطة بها بـ65% من حجم الاحتياطيات النفطية المؤكدة عالمياً، والتي تقدّر بنحو 1.050 مليار برميل من الزيت الخام.

لذلك لم يكن غريباً أن كثيراً من كبار مديري شركات الطاقة الأميركية دعموا حملة بوش الصغير خلال عامي 2000 و2004، لخوض انتخابات الرئاسة للفترتين الأولى والثانية في الولايات المتحدة، وقبلها كان قد حصل على دعم قوي من قطاع الطاقة والنفط وكبار اللاعبين فيه، ما مكنه من تولي منصب حاكم ولاية تكساس في عام 1994، وإعادة انتخابه عام 1999، لذلك بات لزاماً على بوش الصغير (وإدارته) أن يعمل بكل جهد لحماية مصالح الطاقة لهذه الشركات، ليس من قبيل الاعتراف بالجميل فحسب، بل أيضاً من أجل الاقتصاد الأميركي، الأمر الذي دفع بالنفط إلى داخل عقول مخططي الاستراتيجية الأميركية للقرن الحادي والعشرين.

ومن ثم نجد أن سياسة الطاقة المتبعة في فترة الرئيس بوش الصغير تهدف إلى تحقيق ثلاث خطوات استراتيجية:

أولها، أنه يتعين على الولايات المتحدة زيادة إنتاجها الداخلي من النفط، عبر تخفيف القيود الفيدرالية على ذلك القطاع.

وثانيها، أنه ينبغي على واشنطن أن تكثف جهودها من أجل تشجيع تعاونها مع دول داخل المحيط الغربي، مثل كندا والمكسيك وفنزويلا أيضاً.

وآخرها، تقليص الواردات النفطية الأميركية الآتية من الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي يتضمن توصيات عدة تستهدف تشجيع منطقة بحر قزوين باعتبارها مصدراً نفطياً صديقاً للولايات المتحدة، علاوة على مناطق أخرى من قبيل تنويع مصادر النفط منها غرب أفريقيا على سبيل المثال.

ومن المفارقات أن هذه الاستراتيجيات الثلاث سبق طرحها في تسعينيات القرن الماضي ولم تحقق سوى نجاحات هامشية بالنسبة إلى قضية تأمين الطاقة للولايات المتحدة، إذ إنها تفتقر إلى قوة الدفع اللازمة من جانب، وعدم طرحها للنفط كمرتكز رئيسي للسياسة الخارجية الأميركية بصورة واضحة ومحددة مثلما فعل بوش الصغير من جانب آخر.

لذلك لا نتجاوز إذا قلنا إنه إذا أردنا تفسير طبيعة السياسة الخارجية الأميركية وبواطنها، يجب أن "نفتش عن النفط"، وهي مقولة تكاد تنطبق على مستوردي ومصدري النفط على السواء، وخاصة على إدارة بوش الصغير، وبعض الدول الأخرى، ومن أبرزها روسيا الاتحادية والصين وفنزويلا وإيران والعراق، والمملكة العربية السعودية، لذلك سيظل النفط محركاً أساسياً للعلاقات والصراعات أو الحروب، خاصة بعد أزمة النفط 1973-1974 والتي أفاق عليها الأميركيون ليتأكدوا من بلوغ إنتاجهم النفطي مرحلة الذروة، وما ترتب على ذلك من شيوع هاجس نضوب النفط وتزايد الاعتماد على الخارج.

لقد أصبح النفط محوراً للسياسة العالمية، ومن ثم يجب إعادة النظر فيما يحدث في منطقة الشرق الأوسط على ضوء هذه الحقيقة، ليتسنى فهم العلاقات الثنائية والإقليمية، الظاهر منها والباطن، ولم يعد خافياً اهتمام أميركا بحربها في العراق على حساب موقفها في أفغانستان، والحكمة الأميركية في التعامل مع النووي الإيراني، والمساعدة بكل قوة في القتال الدائر بالصومال. والانفتاح العسكري الأميركي "العاجل جداً" على أفريقيا، والتواجد العسكري المباشر في الخليج إنما هو من أجل عيون النفط وليس مصالح دوله التي من المفروض أن تعيد النظر في سياساتها، وأن تستفيد أيضاً من نفطها لتحقق مصالحها.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-9-9-2007