التمويل عبر الحدود.. أول ضحايا أزمة الرهن العقاري

 

 

 

الخيارات المتاحة محدودة والبنوك تمنح القروض لمن لا يحتاج لها

تفاعلت عدة عوامل لكي تعصف بأحد اكثر مجالات التمويل العقاري نموا الى درجة ان القطاع يبدو الآن شبه مجمد الى حين تتضح آفاق ازمة الرهن العقاري الاميركية العالي المخاطر وتفاعلاتها خارج الحدود.

من اهم عوامل التراجع غموض المستقبل الاقتصادي للعقارات الدولية التي يصعب تقدير قيمتها في الوقت الحاضر، حيث بعضها ثابت القيمة والبعض الآخر متدهور بنسب مختلفة.

من ناحية اخرى لاحظت البنوك ايضا تأثيرات التغيرات المناخية في زيادة الاخطار على الاستثمار العقاري بشكل عام، وخصوصا خارج الحدود، حيث تعددت حالات مخاطر قياسية لم تكن واردة حتى عصر قريب مثل الفيضانات البريطانية والحرائق اليونانية.

وفيما يجد المقترض العقاري العادي صعوبة نسبية في الحصول على القرض العقاري المناسب له من حيث حجم القرض وشروط تمويله، فإنه يكتشف في الوقت الحاضر ان الصعوبات تتضاعف فيما لو كان العقار المنشود يقع خارج الحدود.

فالبنوك تتجنب قدر الامكان حاليا التعرض لمخاطر اضافية هي في غنى عنها، وهي تلتزم حاليا بمبدأ ان المقترض عليه تدبير ضماناته من داخل الحدود وبعد ذلك يمكنه الاقتراض لاي غرض يشاء، حتى لشراء العقارات الاجنبية.

وهذا يعني عمليا ان المقترض عليه ان يقدم للبنك ضمانا ماليا او عقاريا داخل بلد الاقتراض، بما يغطي قيمة القرض المستخدم للاستثمار الاجنبي. وبتعبير آخر ينقل البنك مخاطر الاستثمار في العقارات الاجنبية الى المقترض نفسه وهي صيغة تتطابق مع القول المعهود ان البنوك مستعدة تماما لاقراض من لا يحتاج الى ائتمان، وتتردد في تمويل من يحتاجه.

الخيارات المتاحة: وفي المناخ الحالي يجد المقترض ان خياراته محدودة بين الاقتراض في البلد الاجنبي الذي يقع فيه العقار، او الاقتراض من البلد الذي يقيم فيه المقترض. وفي حالات نادرة يبحث بعض كبار المستثمرين ايضا عن مصادر تمويل من بلدان ثالثة.

من اهم العوامل التي تحدد الاختيار هي اسعار الفائدة السائدة في المواقع المختلفة، حيث من المنطقي ان يقترض المستثمر العقاري من البلد الذي تسوده اسعار فائدة اقل. وهناك خطر آخر هو تغير اسعار العملة، وهذا العامل له تأثير مزدوج في حالة الاقتراض في البلد الذي يقع فيه العقار.

فانخفاض سعر عملة هذا البلد قد يخفض من تكلفة الاقتراض على المقيم في دولة اخرى ولكنه في الوقت نفسه يخفض من قيمة العقار ذاته وينعكس سلبيا على الاستثمار، على اعتبار ان قيمة العقار تفوق في العادة قيمة القرض وبالتالي فان الخسارة من انخفاض سعر العملة ستكون اكثر ضررا للمستثمر.

ويمثل الدولار في الوقت الحاضر احدى العملات التي تراجعت قيمتها كثيرا في السنوات القليلة الماضية. فهو مثلا هبط امام الاسترليني من معدل 1.6 الى دولارين لكل جنيه استرليني تقريبا، وهذا يماثل تراجعا في قيمة عقار تم شراؤه بسعر الصرف القديم بحوالي 20 في المائة.

وفي هذه الحالة كان من الافضل للمقترض قبل سنوات تمويل قرضه بالدولار من البنوك الاميركية لان سعر الصرف وبالتالي قيمة اقساط العقار تحولت لصالحه، وان كانت قيمة الاستثمار العقاري نفسها تحولت ضد مصلحته ايضا.

احد المخاطر الخفية التي يجب ان ينتبه لها المستثمر العقاري في دولة اخرى، نسبة التضخم. وهي ايضا من العوامل التي لها انعكاس مزدوج على الاستثمار العقاري، وهو انعكاس سلبي مزدوج.

فقيمة العقار الحقيقية تتآكل كلما ارتفعت نسبة التضخم، كما ان تكاليف الاقتراض ايضا ترتفع لان البنوك المركزية عادة ما تعوض التضخم برفع الفوائد لتحفيز المواطن على الاحتفاظ بالعملة المحلية وبيع الاجنبية.

وتدور التحولات المالية حاليا في كل انحاء العالم حول فكرة واحدة تعتبر هي محور فلسفة البنوك في المرحلة الحالية، وهذه الفكرة هي "تجنب المخاطر" ويعني هذا للبنوك تمحيص طلبات الاقتراض ورفع تكاليف اي مخاطر تستشعرها حتى ولو كانت بعيدة الاحتمال. فالمقترض يتعرض لفحص سجله من حيث درجة ملاءته الائتمانية وُيرفض طلبه في حالة ظهور اي نقاط سوداء في تاريخه الائتماني.

وفيما يتردد الاحتياطي الفيدرالي في خطوته التالية ازاء اسعار الفائدة بين رغبة جامحة لتشجيع البورصات بخفض الفائدة، ونزعة لحماية ما تبقى من قيمة الدولار بإبقاء الفائدة على ما هي عليه، فإن التيار العام في انحاء اوروبا وآسيا يميل الى رفع اسعار الفائدة للحد من الائتمان والمحافظة على معدلات تضخم متدنية وهذا التوجه يجب ان يدخل في اعتبار المستثمر العقاري لان تكلفة تمويل مثل هذا الاستثمار تتجه نحو الزيادة والمزيد من الاعباء.

توجهات المستهلك: سوف يجد مستثمر العقار العربي ان الافضل له احيانا الاقتراض في بلد المنشأ الذي يقيم فيه. ويوفر مثل هذا التمويل عدة فوائد مباشرة له مثل:

التاريخ الائتماني: يتمتع المقترض العقاري في العادي في بلده بسجله الائتماني، وتاريخ تعامله الطويل مع مصرفه المحلي، كما ان معظم اصوله توجد ايضا في بلد المنشأ. وهذا يوفر له سهولة الاقتراض بالحجم المناسب لاحتياجاته، لمعرفة البنك الشخصية به.

الحماية من تقلبات اسعار الفائدة وقيمة العملات: يلغي المقترض مخاطر تغير اسعار الفائدة وتغير قيمة العملات، الامر الذي يقيه اعباء تمويل القرض الاجنبي بالعملة المحلية. فالاقتراض بعملة بلد المنشأ يثبت هذه المخاطر وقت الشراء، وقد يفيد في حالة ارتفاع قيمة عملة البلد الذي يقع فيه العقار او ارتفاع نسبة الفوائد فيه.

الغاء مخاطر التضخم: المشتري المقترض في بلده يلغي مخاطر متغيرات الصرف في بلد وجود عقاره سواء كانت في صورة تضخم مالي او تغيير في السياسة المالية التي تنطبق على شروط الاقراض.

الاستفادة بأفضل الشروط: يتعامل المواطن في بلده بأفضل شروط الائتمان بينما يعامل كمقترض اجنبي عالي المخاطر في الدول الاجنبية التي يقع فيها العقار.

الغاء شروط الاقتراض الاجنبي: يلغي المستثمر المقترض في بلده والذي يدفع ثمن عقاره نقدا الكثير من الاجراءات الاضافية التي تطلبها البنوك في دول اجنبية من اجل الاقراض العقاري، ومنها ضرورة معاينة العقار وتقدير قيمته واجراء مسح معماري له لاثبات حالته وفي حالات الشراء النقدي تقتصر الشروط على اجراءات التعاقد القانونية وان كان من الافضل للمستثمر تقييم حالة وقيمة العقار في كل الاحوال قبل التعاقد اما الحالات التي يكون فيها الاقتراض افضل في بلد وجود العقار فهي تشمل:

الاقتراض بسعر فائدة ارخص: اذا كان الاقتراض في بلد العقار متاحا بتكلفة اقل مما هو متاح في بلد اقامة المستثمر، فمن الافضل السعي وراء هذه القروض لخفض تكلفة التمويل.

الموقف الضريبي: في حالات الدول التي تفرض ضرائب على العقارات الاجنبية وعوائدها، يمكن في حالة دفع تكاليف تمويل فيها خصم هذه التكاليف من اجمالي الارباح حتى يقلص المستثمر من اعبائه الضريبية او يلغيها بالمرة.

عدم امكانية الاقتراض في بلد المنشأ: في حالات عدم وجود تسهيلات ائتمانية في بلد اقامة المستثمر او رفض البنوك فيها الاقراض العقاري بمبالغ تكفي للاستثمار الاجنبي، لن يكون هناك خيار آخر امام المستثمر سوى الاقتراض في بلد وجود العقار.

والارجح في معظم الحالات ان يحاول المستثمر تدبير التمويل اولا قبل الانطلاق عبر الحدود للبحث عن استثمارات عقارية، ففي المناخ الحالي الذي تهرب فيه البنوك من المخاطر سوف يجد صعوبة جمة في العثور على البنوك التي تقدم له التمويل السهل كما كان الوضع خلال العقد الاخير.

كما ان هناك العديد من نواحي الغموض والشروط الظاهرة والخفية في عمليات التمويل من مصادر مختلفة يصعب حصرها. وبالتالي قد يكون من المفيد توضيح بعض الحالات العملية .

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الشرق الأوسط اللندنية-9-9-2007