الصين .. وعد اقتصاد التكنولوجيا وتحدياته

 

بيتر فورد

 

في مجتمع يدار من الهرم إلى القاعدة

بعد أن أمنت الصين مكانتها العالمية باعتبارها أرخص مصانع المنسوجات والملابس العالمية، فها هم مخططوها الرئيسيون يضخون الأموال الطائلة المصحوبة بالإرادة السياسية، عازمين بذلك على تحويل اقتصاد بلادهم إلى مبتكر وخلاق.

شأن الصين في ذلك شأن باقي النمور الآسيوية التي سبقتها في هذا الطريق من قبل، إذ تجد مشقة كبيرة في الانتقال من مصانع المنسوجات إلى تكنولوجيا سليكون ''فالي''. وعلى حد قول عدد من الخبراء فإن التحدي الأكبر الذي تواجهه الصين في هذا الانتقال هو تبني الابتكار التكنولوجي في مجتمع يدار من الهرم إلى القاعدة وليس العكس. ومخاطر هذا الانتقال كبيرة - كما يعبر ''لان خو'' رئيس سياسات العلم والتكنولوجيا بجامعة تشينخوا في بكين - بقوله ''إن التكلفة البيئية للنمو الاقتصادي الحالي، تجعل من المستحيل الاستمرار في هذا الطريق، ما يحتم علينا تحويل مسار النمو هذا بحيث يعتمد على الابتكار والتكنولوجيا''.

ولكن لا بد من أن نأخذ في الاعتبار أن أمام الصين طريقاً طويلاً جداً ينبغي عليها السير فيه قبل أن يتحول اقتصادها إلى نظام حديث وعالمي الكفاءة، هذا ما أشار إليه تقرير صدر مؤخراً عن ''منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية'' - مؤسسة للأبحاث مقرها العاصمة الفرنسية باريس - بالقول'': ''إن الاقتصاد الصيني على وشك الانتقال من نظام تدفعه الاستثمارات وقلة التكلفة، إلى نظام يدفعه الابتكار أكثر من ذي قبل، غير أن طبيعة هذا الانتقال تحيطها الكثير من التحديات، وهو ما تفعله الحكومة بضخها أموالاً طائلة لمواجهته بمضاعفة حجم إنفاقها على الأبحاث والتنمية، إذ بلغ هذا الإنفاق نسبة من إجمالي الناتج المحلي خلال الفترة الممتدة بين 1995 إلى ،2005 بما تعادل قيمته 30 مليار دولار، لتصبح الصين بذلك سادس أكبر دولة عالمية في الإنفاق على هذه المجالات. ومنذ العام 2000 احتلت الصين المرتبة الثانية مباشرة بعد الولايات المتحدة الأميركية من حيث عدد الباحثين في المجال العلمي. وبحلول العام ،2005 نشر الباحثون العلميون الصينيون من الأوراق العلمية ما يفوق معدل نشر الباحثين والعلماء في أي دولة أخرى من دول العالم، باستثناء نظرائهم في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا واليابان وفي العام الماضي أعلنت الحكومة الصينية عن خطة ترمي إلى جعل المجتمع الصيني مجتمعاً يوجهه الابتكار التكنولوجي بحلول العام 2020.

وعلى الرغم من توصل هذا التقرير إلى نتيجة مفادها أن الصين قد حققت خطوات كبيرة وممتازة في توظيف مواردها في مجالي العلوم والتكنولوجيا بمعدل غير مسبوق، إلا أن التقرير نفسه استنتج أن هذه الإنجازات لم تترجم بعد إلى زيادة تقابلها في الأداء المبتكر.

وإحدى العقبات الرئيسية كما يراها الدكتور ''زانج'' - أحد المشاركين في وضع التقرير- تتلخص في أن الحكومة لا تزال تتبع نهج الاقتصاد المركزي المخطط من أعلى الهرم القيادي إلى قاعدته.

وكما نعلم فإن لهذا النوع من التخطيط عيوبه ونقاط ضعفه الكثيرة التي يتعذر معها الدفع بخطى الابتكار إلى الأمام. وتوصل التقرير نفسه إلى أن المسؤولين الصينيين يواجهون صعوبات كبيرة في جعل الاستثمارات الصغيرة، القوة الرئيسية الدافعة للابتكار التكنولوجي، والسبب في هذا أن الغالبية العظمى من الشركات والاستثمارات الصغيرة لم تضع الابتكار بعد في مقدمة استراتيجيات استثماراتها، بل إنها لم تألف فكرة الابتكار من أساسها.

تضاف كذلك إلى معضلة الاستثمارات الصغيرة، مشكلة نقص رأس المال الكافي لإطلاق مشروعات التكنولوجيا المتطورة الصغيرة هذه، مع العلم أن هذه المشروعات كانت هي القوة الرئيسية المحركة لقاطرة الإبداع والابتكار في الولايات المتحدة الأميركية على حد قول الخبراء.

وهذا ما أشار إليه ''تشين كيجيان'' -وهو شاب يعمل في مجال تطوير البرمجيات التشغيلية وأنشأ شركة استثمارية صغيرة في هذا المجال في العاصمة بكين قبل نحو ثلاث سنوات - بقوله: ''ليس من مجرد سبيل للتفكير في أن يغامر أحد البنوك الصينية في تمويل شركتنا التي تعمل في مجال تعديل برامج ''مايكروسوفت'' و''ريال بلاير'' بحيث يمكن تطبيقها وتشغيلها على الهواتف النقالة.

فكما نعلم جيداً عن البنوك الصينية، أنها لا تسعى إلى زبائنها إلا حين يحققون نجاحاً واضحاً لا تخطئه العين. ليس ذلك فحسب، بل يشهد السيد تشين على عقبة أخرى من العقبات الكبيرة التي تبطئ خطى الابتكار والتحول التكنولوجي في الصين.

وتتلخص هذه في السهولة التي يمارس بها القراصنة اختطاف التكنولوجيا الجديدة وصراعات الابتكار التكنولوجي دون أن يسألهم أو يحاكمهم أحد. وقال تشين: فنحن لم نتقدم بأي طلب للحصول على شهادات براءة اختراع لمنتجاتنا لمعرفتنا بعدم جدوى مثل هذه الشهادات أصلاً عندنا.

والأسوأ من ذلك كما قال ''تشين'': فليس هناك أدنى ضمان لإلزام القراصنة بالحكم الذي تقره المحكمة، حتى في حال تقدمنا بشكوى ضد انتهاك حقوق الملكية الفكرية الخاصة بنا، وكسب تلك الشكوى وهذه وغيرها هي كبرى التحديات التي تواجهها حكومة بكين في الانتقال بالنمط الاقتصادي الحالي، إلى نظام يقوم على التكنولوجيا والابتكار بحلول عام 2020 كما وعدت.

*مراسل صحيفة كريستيان ساينس مونيتور في بكين

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور-6-9-2007