مدن لا تعرف الشيخوخة

 

عبدالله المدني

 

 

يُقال إن المدن مثل البشر، تكبر وتتقدم في السن وتتبدل معالمها وتتغير خرائط وجوهها، وقد تفنى وتزول نهائياً أو تتحوّل إلى جثة هامدة تئن من الفوضى والازدحام وسوء التخطيط وعجز الخدمات وتهالك المنشآت وفساد الهواء، على نحو ما حدث لمدن عربية وشرقية كبيرة من تلك التي كانت ذات يوم ملء السمع والأبصار ومصدر الإلهام والإبداع ومقصد الرحالة والوجهاء بسبب أسبقيتها إلى التمدن والتحضر والتنمية والتخطيط العمراني وعصرنة الخدمات وتوفير وسائل الراحة والترفيه ونشر ثقافة النظام والانضباط، فتحولت تدريجياً تحت ضغط الهجرات من الأرياف وتخبط التعليم وسوء الإدارة وانتشار الفساد وسيادة النزعات التقليدية والأفكار البالية إلى مجتمعات موبوءة بألف داء وداء.

غير أن مدناً كثيرة أثبتت أنها قادرة دوماً على تجديد شبابها ونضارتها من وقت إلى آخر، بفعل ديناميكية مجتمعاتها وخطط حكوماتها المحلية أو المركزية المحكمة واستيعابها السريع لكل جديد ومثير وحديث في عالم التخطيط والتعمير والهندسة والخدمات، بل إنها أخرجت من رحمها مدناً وحواضر جديدة لا تقل روعة وجمالاً وصحة عنها.

مثل هذه المدن يمكن العثور عليها بسهولة في الشرق الأقصى، حيث الحياة تتبدل وتتطور كل يوم مع تطور وديناميكية المشهد السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، ومعها تتجدد معالم المدن وتتوسع الحواضر وتقام المنشآت الحديثة وتتشكل مجتمعات حضرية جديدة على أنقاض مجتمعات ريفية بائسة أو فوق أراض قاحلة مهجورة.

ومناسبة هذا الحديث هي بحث شيق وغني بالمعلومات والتجارب نشره قبل فترة أحد الزملاء الآسيويين، وتناول فيه بحكم تخصصه الأكاديمي في التنمية الحضرية واهتماماته بالتخطيط والفنون المعمارية قصة عدد من المدن الكبيرة المعروفة في الشرق الأقصى، إضافة إلى عدد من المدن والمستوطنات الجديدة الآخذة في التمدد والنمو، ولاسيما في الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وماليزيا.

وبحسب الباحث، فإن أكثر ما يشد الأنظار اليوم في تلك البلدان هو خطط التنمية الحضرية وما يرافقها من أعمال الإنشاءات الضخمة لاستبدال القديم والرث بالحديث والمتطور أولإقامة الجديد غير المسبوق أو لإيجاد الحلول السريعة للاختناقات والضغوط الخدمية والبيئية.

ويضيف قائلاً إن هذه العملية لئن كان عمادها الأفكار والرؤى الذاتية والمنطلقات المحلية، فإنها أيضاً نتاج تواصل وتبادل للتجارب والأفكار والفنون مع الآخر، ولاسيما في المجتمعات الغربية الأسبق إلى هذه الأمور والأكثر تقدماً في تلك المجالات. بل هي في المحصلة النهائية إحدى ظواهر العولمة التي فتحت الأبواب على مصارعيها للاستفادة والتسابق والتنافس في كل الميادين، بحيث صار المخطط أو المهندس المعماري الصيني مثلاً ملماً بتفاصيل ما سبقه إليه زميله الغربي إلماماً يتيح له تصميم ناطحة سحاب خلال ثلاثة أو أربعة أيام. وغني عن القول إن ظاهرة العولمة وتسارعها منذ تسعينات القرن الماضي، صحبتها تطورات ساعدت الآسيويين على مثل هذه الأمور مثل الإعلام الجماهيري الالكتروني وصناعة الاتصالات والمعلوماتية.

هذا فضلاً عن البيئة المهيأة، وهي بيئة تتميز بشحذ الأفكار من أي مصدر دون حساسية أو توجس أو كراهية، ويسودها الاقتصاد الحر ومبدأ المنافسة، ويسعى أفرادها وجماعاتها إلى كسب أو تعزيز مكاسبهم لجهة الحريات والحقوق والدمقرطة.

والحقيقة هي أن أكثر من ربع سكان العالم يتسابقون اليوم ليكونوا من سكان حواضر حديثة وراقية مع مستويات دخول تؤهلهم ليكونوا ضمن الطبقة الوسطى. ومن المتوقع أن تشهد السنوات القليلة القادمة تحول المزيد من هؤلاء، ولا سيما في آسيا، إلى العيش في المدن الكبيرة أو الحواضر الجديدة بحيث لا ينتصف القرن الحالي إلا ونحو 60 بالمئة من سكان العالم يعيشون في المدن.

ومن الحقائق الدالة على هذه الظاهرة أنه من بين 23 مدينة ضخمة في العالم من تلك التي يزيد عدد سكانها على 15 مليون نسمة، يوجد 15 منها اليوم في آسيا. ومن الحقائق الأخرى أن المدن التي تشكلت أو تتشكل حالياً حول الممر السريع الموصل ما بين طوكيو و أوساكا اليابانيتين ينتظر لها أن تستوعب أكثر من 50 مليون نسمة من سكان هذه البلاد، أي اقل بقليل من نصف عددهم الإجمالي.

وبما أن للظواهر إيجابياتِها وسلبياتِها، فإن ظاهرة تمدد المدن القائمة وتحديثها وتطوير معالمها، أو ظاهرة نشوء مدن وحواضر عصرية جديدة، في آسيا تحمل معها بعض التحديات التي يأتي على رأسها تدمير البيئة.

وهذه مشكلة خطيرة ذات كلفة عالية، خاصة إذا ما علمنا أن آسيا فقدت خلال السنوات الثلاثين الماضية أكثر من نصف غاباتها ومساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، ليس فقط بسبب تمدد المدن وسياسات التنمية الحضرية، وإنما أيضاً بسبب النمو الصناعي.

ولهذا السبب لم يكن غريباً أن يتبنى بعض المعنيين بأمور تخطيط المدن ومعهم الجماعات المنافحة عن البيئة في الشرق الأقصى فكرة العودة إلى مبدأ "فينغ شوي"، خاصة أن إيجاد علاقة متناغمة ما بين الإنسان والطبيعة ظلت على الدوام جزءاً من التقاليد والثقافة الآسيوية.

والترجمة الحرفية لهذا المبدأ هي "الهواء والماء" فيما المعنى المقصود هو عدم التلاعب بهذين العنصرين في سعي الإنسان إلى التحديث والتطوير والبناء والتقدم ويسعى متبنو هذه الفكرة إلى بناء ثقافة عمرانية وتخطيطية جديدة ترفد ما يسمونه بـ"المدن الآسيوية" أي مدن وحواضر لها سمات ومعالم وظروف خاصة تميزها عن بقية المدن في العالم.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد مثل هذه المدن أو هل يمكن خلقها في ضوء التفاوت الكبير ما بين الدول الآسيوية نفسها لجهة السمات الجغرافية والطبيعية والسكانية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بل في ضوء اختلاف الآسيويين على هوية جماعية موحدة؟

الجواب يمكن استنباطه من ردود أفعال فعاليات اقتصادية وثقافية آسيوية كثيرة من تلك التي رأت في هذه الأفكار محاولة للعودة إلى الوراء وإعاقة مسيرة النهضة والتقدم والحداثة الجارية، وإن اتفقوا على ضرورة إيجاد حلول واقعية ومرنة للمحافظة على البيئة الخضراء، وأخرى لمواجهة أهم المشكلات الناجمة عن النمو الاقتصادي الهائل، ألا وهي الازدحام المروري في المدن الكبيرة، والذي يتسبب في مشاكل واضطرابات نفسية تحول دون التفكير والإنتاج كما يجب، ويعطل المصالح، ويحد من التواصل والاستمتاع بأوقات الفراغ.

ويكفي أن نعلم على سبيل المثال - لا الحصر- أن سرعة المركبات في مدن آسيوية عديدة انخفضت لتصبح مساوية لسرعة سير الأفراد كما في بانكوك أو شنغهاي، بل حتى فيما يعرف بالمناطق الاقتصادية الخاصة في الصين مثل "شينزين".

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-2-9-2007