تاريخ تشكل القطاع الصناعي العراقي الخاص وسبل النهوض

 

 

راضي محسن داود

 

 

اعتمد الاقتصاد العراقي بالدرجة الاولى على الزراعة باساليبها البدائية وكانت الصناعة شبه معدومة وبالرغم من صدور قانون تشجيع الصناعات لعام 1929 والذي حدد الاعفاء من ضريبة الدخل لمدة 10 سنوات من الضرائب الكمركية للمكائن والمواد الخام لمدة 15سنة والعقارات لمدة 10 سنوات اما التصدير فلم يحدد له مدة، فقد ظل القطاع الصناعي على حاله.

مسيرة القطاع الصناعي الخاص

شهدت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية نشوء عدد من المشاريع الصناعية للقطاع الخاص وخاصة في مجال الصناعات الاستهلاكية كالتبوغ والصناعات اليدوية والحرفية والانتاج البضائعي والزراعي وصناعة الطابوق وقد ارتبط هذا النمو بزيادة نفقات الحكومة وحركة البناء والاعمار اضافة الى ظهور طبقة برجوازية عراقية متشكلة حديثاً بالاضافة الى توفر المواد الاولية الطبيعية.

لكن هذا القطاع الصناعي لم يتطور بالمستوى المطلوب مرتبطاً بضعف المستوى المعيشي للسكان وقدرتهم الشرائية والاستهلاكية  ان هذه اللبنات الاولية لم تستمر طويلا فقد توجهت رؤوس الاموال نحو الاستثمارات الزراعية ذات الطبيعة الاقطاعية وكذلك العمل التجاري لتحقيق اقصى الارباح وباسرع وقت بدلا من الدخول في استثمارات صناعية طويلة الاجل.

في بداية الخمسينيات من القرن الماضي لوحظ ان حجم رؤوس الاموال في هذا القطاع بدأت بالنمو وقد استفاد هذا القطاع الصناعي الخاص من التراكم الرأسمالي في القطاعات الاقتصادية الاخرى وفي منتصف الخمسينيات برزت على الساحة الصناعية العراقية منظمة  اتحاد الصناعات العراقية تدافع عن مصالح هذه الطبقة الصناعية التي اخذت شكلها القانوني عام 1956 وجمعت حولها بعض الصناعيين الكبار كمحمد حديد صاحب  اكبر المصانع في العراق.

وقد جاء في صلب اهدافها ان تضع حماية  للصناعات العراقية، وقد حاولت ان تصبح عنصراً رئيساً في تشريع القوانين والمساهمة في وضع السياسة الاستيرادية.

العهد الجمهوري:

بعد 1958 بدأت الدولة تأخذ شكلاً تخطيطيا اكثر واقعية في مجال القطاع الصناعي الخاص. اذ تم ايلاء الطبقة البرجوازية العراقية دوراً مهماً سياسياً واقتصادياً، خاصة الصناعية، فقد تم دعم هذا القطاع وتقديم التسهيلات، كما توسعت الدولة في اقامة مشاريع صناعية عديدة، من خلال الاتفاقية العراقية- السوفيتية- وبذلك وضعت موازنة بين تشجيع القطاع الصناعي الخاص واقامة مشاريع صناعية للقطاع العام حيث اخذت بنظر الاعتبار عدم قدرة القطاع الخاص على التسريع في اقامة صناعات كبيرة في البلاد والتي تتطلبها اهداف ثورة تموز 1958، كذلك ترك مجال الصناعات الخفيفة بيد القطاع الصناعي الخاص وصولا الى تأهيل هذا القطاع والتوسع في مهماته الا ان عدم الاستقرار السياسي ادى الى عدم نمو هذا القطاع بشكل صحيح.

وفي تموز عام 1964 ومع توجه الحكم لنظام رأسمالية الدولة تم تأميم 27 مشروعا صناعياً وشركات ومصارف اهلية بقانون (99) اطلق عليه التأميمات الاقتصادية إذ شملت التاميمات 4 مصانع للسمنت، 4 مطاحن، 3 معامل للسكائر، ومصنعي مواد منظفة، مصنعي احذية. وشركتي غزل ونسيج. مصنعا للجوت ومصنعاً واحداً لاستخراج بذور القطن. ومصنعاً لمواد البناء، ومصنعاً للورق ومصنعي زيوت نباتية اضافة الى المصارف الاهلية، هذه الخطوة ادت الى انكماش القطاع الصناعي الخاص.

وهبطت نسبة مساهمة هذا القطاع من رؤوس الاموال الصناعية من 25% الى 13% ثم اعقبتها قوانين تحت رقم (104) لتعمل على تحويل الشركات الفردية الى شركات مساهمة وحصر نشاط القطاع الخاص الصناعي ببعض الصناعات في حين اتجه رأس المال الخاص في تلك الفترة الى المشاريع العقارية والمضاربة ويمكن الاستنتاج مما سبق ان تبني راسمالية الدولة كمنهج اقتصادي ادى الى ضعف معدلات النمو الاقتصادي وتفكك الملكية الخاصة وهجرة بعض رؤوس الاموال الى الخارج.

ومنذ السبعينيات من القرن الماضي خاصة بعد قرارات تأميم النفط والوفرة المالية نتيجة ارتفاع اسعار النفط في الاسواق العالمية اخذت الدولة على عاتقها اقامة الصناعات الستراتيجية رافقها تشجيع القطاع الصناعي الخاص عبر تشريعات خاصة ودعم بالقروض ضمن شروط وتسهيلات مصرفية بالاضافة الى التحويل الخارجي بالسعر الرسمي وتخصيص اراض واعفاءات كمركية وضريبية فقد قامت مئات المشاريع الصناعية الصغيرة والمتوسطة للقطاع الخاص.

لكن نشوب الحرب العراقية-الايرانية 1980-1988 وتداعياتها وتحول اقتصاد الدولة الى المجهود الحربي والتصنيع العسكري ثم حرب الخليج 1991 والحصار الاقتصادي والسياسة الحكومية في فرض قيود مشددة على مسألة التحويل الخارجي للعملة الصعبة اضعف القدرة على تمويل الاستيرادات  الضرورية من اجهزة ومعدات وادوات احتياطية ومواد اولية.

وقد ازدادت اوضاع القطاع الصناعي الخاص ترديا بعد سقوط النظام 2003 اذ عمت العراق الفوضى والنهب وتخريب المؤسسات وقد وصلت مساهمة هذا القطاع الى ادنى مستوياتها 2, 1% من الناتج الاجمالي المحلي.

مع ذلك يتركز القسم الاكبر منها في الصناعات الغذائية (381) مشروعاً والمنسوجات والملابس الجاهزة (388) مشروعا والمنتجات المعدنية المصنعة (123)مشروعاً والمنتجات  الكيمياوية والبلاستيكية (122) مشروعا.

هذه المشاريع تتميز بالصفة الفردية من حيث الاستثمار والتنظيم والانتاج والتسويق وتميل الى الربح المضمون بعيداً عن استخدام الاجهزة الالكترونية والآلآت الحديثة المستعملة في الانتاج بالاضافة الى ضعف المنافسة تجاه السلع المستوردة من الخارج، مع ذلك لايمكن تجاهل اهمية الناتج المحلي للقطاع الخاص حسب الانشطة

واقع القطاع الخاص بعد نيسان 2003

تميزت مرحلة مابعد نيسان 2003 برفع الكثير من القيود التي كانت تحد من نشاط القطاع الخاص وتوسع شبكة الاعمال وتكون الشركات متعددة الاطراف ولاشك ان نقطة الانطلاق في تحديد رؤية ستراتيجية ذات ابعاد وبرامج ملموسة تقوم على: اصلاح البيئة المؤسسية الاقتصادية اي خلق البيئة القانونية المناسبة، إذ لابد من اصلاح القوانين والانظمة السائدة واستحداث كل ما من شأنه ان يحقق تنمية القطاع الخاص ويسهل فعالياته على اساس المنافسة الاقتصادية السليمة وفق آليات السوق، الامر الذي يستدعي مراجعة الاطر المالية والنقدية والادارية والمصرفية بهدف تحديد ماهو مطلوب من اصلاحات في هذا المجال ولعل من المهم التركيز على مجالين رئيسين في هذا السياق.

اولاً: خلق بيئة استثمارية ملائمة بالنسبة لرأس المال الوطني والاجنبي وفق المصالح الوطنية، ذلك ان تنمية القطاع الخاص ترتبط ارتباطاً عضوياً بازدهار وسلامة الاطر التي تحكم المناخ الاستثماري للبلد. لذا ينبغي الحرص على اصدار قوانين تشجع الاستثمار في العراق.

ثانياً: تحديد اولويات العمل بالنسبة للنشاط الخاص في القطاعات الاقتصادية وتحديد مجالات النمو والربح للفعاليات الاقتصادية الخاصة وينبع من هذه المهمة اعتماد منهجيات وآليات الجدوى الاقتصادية بشكل علمي كدليل لتحديد المشاريع المربحة فضلاً عن اعتماد تقدير صحيح للامكانيات والتطورات المتوقعة في الاقتصاد الوطني، والواقع أن عدداً من المجالات قد برزت بوضوح بوصفها الاكثر اهمية والاجدى لنمو القطاع الخاص. كالصناعات الوسطية والاسكان والاتصالات والفرص الممكنة في القطاع النفطي لاسيما في التصفية والتوزيع والانتاج ومع ذلك فان من الصعب اعطاء المجالات المحتملة لنمو القطاع الخاص مالم يجر ذلك وفق دراسات علمية وتخطيطية لهذه المسألة تأخذ بنظر الاعتبار كل العوامل المؤثرة.

سبل النهوض بالقطاع الصناعي الخاص

يمكن ان يسهم القطاع الخاص بفعالياته المتنوعة في خلق قاعدة صناعية وخدماتية متطورة بالاضافة الى الدور الذاتي لمنظمات رجال الاعمال الصناعيين في شتى المجالات لبلورة رؤية ستراتيجية متكاملة لتنمية هذا القطاع في الاقتصاد العراقي لصياغة السياسة  العامة ومعالجة اوجه الخلل:

تعزيز البيئة الاستثمارية والسعي للتنوع الاقتصادي وازالة التشوهات المتراكمة في سوق العمل وتطوير شبكة واسعة من الصناعات الصغيرة والمتوسطة لتوفير فرص عمل منتجة لتقليص مساحة البطالة مما يتطلب:

1- توفير الاستقرار في البلد، فلا ازدهار لرأس المال الخاص وتحريك السوق في اي بلد من دون استقرار سياسي واقتصادي واجتماعي ورؤية واضحة للتوجهات العامة .

2- اجراء مسح ميداني صناعي لجميع الصناعات وفي شتى انحاء العراق لتشخيص المشاكل والمعوقات وبالتالي الاحتياجات الضرورية لرفع كفاءتها الانتاجية.

3- اشراك القطاع الخاص العراقي عبر منظماته الاقتصادية الفاعلة في سن وتشريع القوانين الاقتصادية التي تهم نشاط القطاع.

4-تخطيط مدن صناعية حديثة تتوفر فيها جميع  الامكانيات والبيئات الحديثة وتأهيل المناطق الصناعية القائمة من بنى تحتية وطاقة كهربائية ووسائل اتصالات.

5- تفعيل قانون الاستثمار الاجنبي وتشجيع الصناعات المحلية من خلال قرارات جديدة من اعفاء القطاع الخاص الصناعي من ضريبة المهنة والرسوم والرسم الكمركي المتعلق بالمواد الاولية المستوردة للصناعة.

6- تقديم القروض الميسرة وبفوائد رمزية وبالذات القروض الصناعية مع تقديم التسهيلات بالرهن وبضمان المشروع وتفعيل دور المصارف المختصة خاصة المصرف الصناعي.

7- امكانية تشريع قانون جديد لدائرة التنمية الصناعية وتفعيل دور الدائرة بالتخطيط والاشراف والتنسيق والدعم مع القطاع الصناعي الخاص وبمساهمة فعالة من المنظمات الاقتصادية الممثلة للقطاع الخاص واتحاد رجال الاعمال، اتحاد الصناعات.. وضخ مبالغ تتناسب مع حاجة القطاع الخاص وبشروط مناسبة.

8- العمل بشكل جاد على كبح تصاعد معدلات التضخم للحفاظ على القوة الشرائية للعملة الوطنية لمنع تآكل رؤوس اموال الصناعيين ورجال الاعمال وايقاف الزيادات العشوائية غير المدروسة للرواتب وتأثيراتها السلبية على الاسواق والقطاع الخاص.

9- شمول القطاع الصناعي الخاص بالتخصيصات المالية والمنح المقدمة للعراق من الدول المانحة بموجب المؤتمرات الدولية والافادة من خبرات الدول الصناعية ومؤسساتها لتنمية القطاع الخاص ورفع مستوى خبراته الادارية والفنية والمهنية عبر دورات متواصلة الى جانب الحكومة والحد من الفساد الاداري والمالي وظاهرة البيروقراطية والمحسوبية في العمل.

10- العمل على الاستفادة من امكانيات المنظمات الدولية في تطوير وتأهيل الصناعيين في القطاع الخاص وتطوير منظمات المجتمع المدني المهنية للقطاع الصناعي الخاص. ووضع ستراتيجية علمية لتطوير هذا القطاع.