«معهد اوكسفورد لدراسات الطاقة»: تجربة ناجحة لحوار المنتجين والمستهلكين

 

 

وليد خدوري

 

 

تغير عالم صناعة النفط العالمية تغيراً اساسياً في خريف عام 1973 مع ارتفاع اسعار النفط الخام من نحو دولار او دولارين للبرميل الى نحو 11 دولاراً كمرحلة اولى. وبدلاً من امتيازات التنقيب والانتاج التي كانت تمنح لشركات النفط العملاقة لمدة 99 سنة وتشمل اراضي دولة بكاملها, وعقود بيع النفط الخام وشرائه المحصورة بين الشركات العملاقة الغربية التي لا تتعدى العشر, بادرت الدول الأعضاء في منظمة الاقطار المصدرة للبترول (اوبك) الى تغيير هذا الوضع الاقتصادي الذي استمر طوال الستة العقود الستة الأولى من القرن العشرين، وبدأت الدول المصدرة لعب دور مباشر وحيوي في إقرار السياسة البترولية من حيث تبني سياسة الإنتاج، التي تؤثر مباشرة على أسعار النفط الخام وتغيير الأسس التي يقرّ على ضوئها مستوى أسعار النفط.

ادت هذه القرارات والسياسات الجريئة في حينه الى تغيير شامل في صناعة أهم وأوسع مادة استراتيجية يتم تداولها دولياً، وتجارتها وأسعارها وكان رافقها أيضاً قرارات وطنية مهمة على صعيد الدول ادت الى بروز شركات النفط الوطنية المملوكة من قبل الدول المنتجة والمصدرة التي منحت امتياز التنقيب والاستكشاف والانتاج في دولها. وتولت هذه الشركات الفتية, التي ادارها مواطنو الدول المصدرة ذاتها, تسويق نفوط بلادها, بعد ان كانت هذه العملية محصورة بالشركات الغربية الكبرى.

وعلى اثر كل هذه التحولات برزت ترتيبات وعمليات جديدة وغير مألوفة في الصناعة البترولية, مثل زيادة عدد المشاركين في اتخاذ القرارات البترولية وتنوعهم, وبروز عقود جديدة في الاستكشاف والانتاج مثل عقود المشاركة, إضافة الى نشوء السوق الفورية والمستقبلية لبيع النفط الخام وشرائه بدلاً من العقود الطويلة الاجل المحددة للسعر والكمية.

خلق هذا الوضع الجديد جواً متشنجاً بين المنتجين والمستهلكين من جهة، وبين الشركات الاجنبية والوطنية من جهة اخرى. وكان من الصعب جداً العثور على ملتقى موضوعي يمكن ان يجتمع فيه ممثلون عن هذه الاطراف لمناقشة التغيرات الهيكلية والغامضة في واحدة من اكبر الصناعات العالمية وأهمها.

استوجبت هذه التطورات والمتغيرات تأسيس ملتقى غير رسمي ومحايد يتم فيه التداول الموضوعي لزيادة المعرفة والتفاهم المشترك للاحداث الجديدة.

فتم في آخر عقد السبعينات تأسيس «نادي اوكسفورد للطاقة», وهو ملتقى يضم عدداً محدوداً من كبار المسؤولين في الصناعة البترولية العالمية يجتمع مرتين في السنة في كلية «سانت أنتوني» في جامعة اوكسفورد, مهمته مناقشة مواضيع الساعة البترولية بطريقة غير رسمية ومن دون محاولة الوصول الى قرارات محددة, بل فقط الالتقاء ليوم واحد كل مرة بين بتروليين من الدول المصدرة والمستهلكة لتبادل الاراء والمعلومات حول موضوع يحدد مسبقاً، من اجل زيادة المعرفة لدى الطرفين.

على اثر تأسيس هذا النادي والاجتماعات والمداولات المتكررة لنخبة من المسؤولين والمهتمين في الدول المصدرة, برزت فكرة تأسيس ندوة سنوية للطاقة تشمل مشاركين ومحاضرين من الدول المصدرة والمستهلكة. وعُقد بالفعل اللقاء الاول لـ «ندوة اوكسفورد للطاقة» في الاسبوعين الاولين من ايلول (سبتمبر) 1979.

وتعقد هذه الايام الدورة الثامنة والعشرين لهذه الندوة التي يشارك فيها سنوياً اكثر من 60 مبعوثاً من مختلف اوجه الصناعة البترولية من دول واقطار متعددة. ويحاضر فيها سنوياً اكثر من 40 شخصية عامة واقتصادية وبترولية.

تُعقد هذه الندوة سنوياً لمدة اسبوعين في كلية «سانت كاترين» في جامعة اوكسفورد. وكانت دورة واحدة ألغيت في ايلول 1990 اثناء احتلال العراق للكويت.

وأدار الدورة بنجاح طوال هذه الفترة الأستاذ في جامعة اوكسفورد روبرت مابرو وزميله ألفريد ناب, واستلم المسؤولية عنهما في ادارة الندوة منذ عام 2005 الرئيس السابق لمؤسسة البترول الكويتية نادر سلطان، واستمر مابرو في الإشراف عليها ويساعدهما في الإدارة بسام فتوح الزميل في «معهد اوكسفورد لدراسات الطاقة».

وتشمل دورة هذه السنة مشاركين من 27 جنسية, يتقدمهم مبعوثون من اليابان والمملكة العربية السعودية وتغطي مواضيع المحاضرات مختلف اوجه الصناعة البترولية المعاصرة, فتشمل مواضيع هذه السنة, مثلاً, تطورات معاصرة في الاقتصاد العالمي, ووجهات نظر منظمة «أوبك» ووكالة الطاقة الدولية في سياسات الطاقة وتحدياتها, وأمور الاحتياط البترولي العالمي, ونمو صناعة الغاز الدولية, وتأثير السياسة والأوضاع العامة على صناعة الطاقة في الولايات المتحدة وروسيا والصين, والأوضاع السياسية الدولية وآثارها على الصناعة البترولية, والتطورات السياسية في الشرق الاوسط عموماً, والعراق بخاصة, ونمو صناعة الغاز في قطر والتحديات التي تواجه الصناعة البترولية في إيران وفنزويلا, وتطورات صناعتي التكرير والبتروكيماويات العالمية, وعلاقات شركات النفط الوطنية مع الشركات الدولية, وسياسات البيئة وبدائل الطاقة, وتطورات الصناعة النفطية في المملكة العربية السعودية.

إلا ان ما يميز هذه الندوة, التي أصبحت واحدة من اهم الندوات البترولية السنوية العالمية, هو التفاعل الودي والعلاقات التي تبنى بين المبعوثين انفسهم من جهة, والمستوى الرفيع للمحاضرات وطبيعة الأسئلة التي يوجهها المشاركون للمحاضرين، وصراحة الاجوبة وعمقها.

وكان من بين المحاضرين هذا العام رئيس شركة «ارامكو» السعودية عبدالله جمعة، وأمين عام منظمة «أوبك» عبدالله البدري، والديبلوماسي الجزائري الاخضر الابراهيمي، والأكاديمي والوزير اللبناني السابق غسان سلامة، والامين العام السابق لمنظمة «أوبك» عدنان شهاب الدين، والكاتب النفطي دانيال يرغان ووزير النفط الجزائري السابق نور الدين آيت الحسين، ورئيس شركة «رورغاز» الالمانية برغهارد برغمن، ورئيس معهد البترول الفرنسي اوليفييه إبرت، والمسؤولة عن قسم الغاز والطاقة في شركة «شل» ليندا كوك، ورئيس شركة شلومبرجيه اندرو غولد، ونائب المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية السفير رمزي كلارك، ورئيس شركة «قطر بتروليوم الدولية» ناصر جيدة، إضافة الى كل من روبرت مابرو ونادر سلطان.

ولدعم «النادي» و «الندوة» تم التداول في تأسيس معهد علمي مع مكتبة متخصصة وبرنامج نشري للتأكد من استمرارية هذين المجهودين وتعزيزهما بالبحث العلمي المناسب, مع الاحتفاظ بالمبادئ والأسس العامة الأصلية ذاتها, من تبني الأسس العلمية والحوار وإيجاد قناة موضوعية بين المصدرين والمستهلكين.

وأسس بالفعل «معهد اوكسفورد لدراسات الطاقة» في المدينة الجامعية العريقة اوكسفورد, ما أعطى البحوث والدراسات الخلفية العلمية اللازمة وشارك في التأسيس عام 1982 وأدار المعهد خلال العقدين الماضيين وحتى تقاعده أخيراً، روبرت مابرو, زميل دراسات اقتصادات الشرق الاوسط في كلية سان انتوني في جامعة اوكسفورد, الذي ولد في الإسكندرية وترعرع هناك ودرس فيها، وتتحدر عائلته من طرابلس في شمال لبنان.

وساعده في التأسيس كلٌ من منظمة «أوبك», وأمينها العام في حينه علي جيدة ومنظمة «أوبك» وأمينها العام السابق علي عتيقة ويضم مجلس إدارة المعهد كذلك ممثلين عن جامعة اوكسفورد وكلاً من كلية «سانت كاترين» وكلية «سان انتوني»، وكلية نفيلد في جامعة اوكسفورد، ومنظمتي «أوبك» و «أوابك» ووزارة البترول والثروة المعدنية السعودية ومعهد الأبحاث الكويتي ودولة الكويت، وادارة الطاقة السويدية ومعهد البترول الفرنسي والمؤسسة العربية للاستثمارات البترولية، ومعهد أبحاث الطاقة الياباني والمجموعة العربية المصرفية ومعهد البترول المكسيكي.

ويشار إلى ان «معهد اوكسفورد لدراسات الطاقة» مسجل كشركة بريطانية لا تتوخى الربح وصدر عنه حتى الآن عشرات الكتب والدراسات المرموقة في مختلف اوجه الطاقة ويرأس مجلس الإدارة ادريان لوجو، الرئيس السابق لشركة «بيمكس» المكسيكية.

* كاتب متخصص في شؤون الطاقة.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الحياة اللندنية-2-9-2007