رؤية مستقبلية بشأن الإصلاح

-1-

 

 

فريق من الباحثين المتخصصين*

 

 

إدارة التنمية أم تنمية الإدارة؟

أولا ـ أثر الإدارة في التنمية

لم يحظ موضوع كموضوع ادارة التنمية وتنمية الادارة بهذا القدر من الجدل الواسع لاسيما في تلك البلدان حديثة التجربة نسبياً بهذا الميدان إذ شكل موضوع ادارة التنمية وتنمية الادارة واحداً من العناصر الفعالة التي اسهمت في ارساء اسس التطور والنمو الاقتصادي في البلدان التي وضعت نصب اعينها المراقبة الحثيثة في هذا الميدان وتطوير عناصر الادارة الفعالة وبخلاف ذلك فان مجمل الفعالية الاقتصادية لاي بلد يتعرض الى الكثير من عناصر الخلل والاضطراب وهذا هو شأن معظم البلدان النامية حديثة التجربة في هذا الميدان التي لم ترس الشروط  الضرورية لعناصر الادارة الفعالة.

 تشكل ادارة التنمية العنصر الحاسم في هذا الميدان ذلك انها في الاصل قضية مسببة يدخل فيها دور غير محدود للدولة اثباتاً لرؤيتها السياسية ومن ثم التطبيق الاقتصادي لهذه الرؤيا، وفي الغالب لاتمتلك الكثير من البلدان النامية رؤيا واضحة في هذا الميدان الامر الذي يخضع عملية ادارة التنمية الى عنصر التجربة والخطأ وتزداد نسبة الخطأ في ظل عدم توافر ملاكات ادارية قادرة على ادارة عملية كهذه مدعمة بكل عناصر عدم وضوح الرؤيا وذلك بسبب غياب المشاركة الجماهيرية الواسطة في اتخاذ القرار، وبمعنى ادق في محاولة في بعض البلدان لتغييب وعن عمد او قصد الدور النشط والفعال للقطاع الخاص ذلك انه يضع في اعتباره الاول عنصر المراقبة والكفاءة ومعايير الاداء توافقاً مع مصالحه.

الامر الذي يغيب بشكل واضح في اطار الادارة السياسية العامة لعملية التنمية ذلك ان موظف الخدمة العامة الذي لايمتلك المؤهلات الادارية الكافية يصبح عبئاً حقيقياً على ادارة عملية التنمية خلافاً لما هو مطلوب من توصيف ضروري لطبيعة مثل هذه الخدمة وبالتالي ينشأ عن اوضاع كهذه والمتصلة بعدم توافر ملاكات ادارية فعالة اغطية ثقيلة على حركة عملية التنمية وبالتالي فان النتائج المرجوة ستكون ضئيلة او شبه معدومة بل قد تتراجع عملية التنمية ذاتها ومن ثم الاصلاح الجذري امراً ضرورياً في هذا الميدان فغياب الرؤيا السياسية لادارة التنمية والمشاركة الجماهيرية ينشىء اوضاعاً او بيئة ملائمة لاستثمار الفساد في الادارة ولعل من الامثلة القريبة التي يستشري فيها الفساد في هذا الميدان هو تجارب ادارة التنمية في بعض البلدان وفي العراق ومصر وبلدان عربية اخرى اصبح فيها فساد ادارة التنمية عنواناً واضحاً لسوء الاداء السياسي والاقتصادي لعملية التنمية بل وبشكل اشمل محاولة بناء نموذج واضح المعالم للتطور الاقتصادي فالفساد الاداري يعني في جملة مايعنيه اضاعة فرصة حقيقية للاستغلال المعقول للموارد بشقيها الطبيعي والبشري ذلك فانه اذا ما فسد أي من طرفي هذه العلاقة فستواجه عملية التنمية خطر الفشل او الاضطراب والاختلال وبالتالي اضاعة فرصة حقيقية للتطور.

وفي العراق فان دلالة تجارب عقود التنمية منذ السبعينيات الى الان مع كل شعاراتها البراقة نتائجها كانت تشير وبوضوح الى سوء في الرؤيا والادارة وبالتالي شكلت عناوينها الرئيسة والواقعة هدراً خطراً في الموارد واضاعة فرصة حقيقية في البناء الاقتصادي ومن ثم الاستقرار الاجتماعي فالهدر في موارد التنمية على ضروب اقل مايقال عنها انها غير مبررة وبالتالي فلن تنشأ منها اية مكاسب، فضلا عن انه شكلت عبئاً ثقيلاً على البرنامج الاقتصادي حيث امتص برنامج التعبئة والعسكرة الجزء الاكبر من الموارد التي كانت ضرورية لعملية التطور والنمو الاقتصادي، ولم يتوقف الامر عند هذه الحدود بل تعدى الى فساد صارخ ظهرت وجوهه بأشكال وصور مختلفة واستشراء الرشاوى وسوء الادارة، ولعل عنوان الفساد الاداري في التنمية يمثل في توكل مهام هذه الادارة الى عناصر لم تكن مؤهلة او كفوءة وغلب عليها الولاء الحزبي والسياسي الامر الذي فاقم من معضلة التنمية في الاقتصاد العراقي وكانت الصدمة الكبرى هي خضوع العراق الى السيطرة الاجنبية الامر الذي خرج قرارهم السيادي ومن ثم الاقتصادي والاجتماعي عن دائرة السيطرة الوطنية، وفي ظل ظروف الاحتلال تنشأ اوضاعاً بالغة التعقيد تمثل بعضها في فساد خدمة موظف الخدمة العامة وتشير الكثير من الدراسات الى هذه الظاهرة وعلى وجه التحديد في شكل ونمط التعاقدات الحالية التي اخذت شكل عقود تجارية مريبة كان بعض اطرافها مسؤولون حكوميون حديثو العهد حيث توافق هذا الوضع بانشغال البلد بوضع امني هو الاخر بالغ التعقيد فلقد وردت تصريحات واضحة عن مثل هذا الفساد ادلى بها مسؤولون حكوميون فضلا عن افتقاد العمل الاداري في معظم الوزارات في الادارات العراقية الحالية الى مبدأ الشفافية اللازمة للتصدي لمثل هذه المظاهر ولم تقتصر مظاهر الفساد على بعض موظفي الخدمة العامة وانما تعدى الى سلطة الاحتلال وانما تعرضت الى موارد العراق واستغلتها بما ينسجم ومصالحها الخاصة وترافق ذلك بتدمير البنية التحتية تحت ذرائع مختلفة ولم يكن هذا الامر سراً بل كان مناسبة لأن يعلن بعض مؤيدي قوات الاحتلال عن ذلك صراحة.

ويرى العديد من مراقبي الشأن العراقي ان الفساد قد استشرى بشكل واضح وكبير في معظم قطاعات الدولة الامر الذي شكل موقفاً شعبياً على اقل تقدير قبل الموقف الرسمي لمقاومته وايقاف استفحال خطره، ولعل الخطوات الاولى تتمثل في اجتثاث عناصر الفساد هذه والتخلص من رموزها من خلال تبني آلية اصلاح جذرية وعميقة مرتبطة بشفافية واضحة لهذا الشأن.

ثانيا ـ نحو رؤيا واقعية للاصلاح الاقتصادي والاداري ومعالجة مشكلة الفساد وسوء الادارة

تشكل الرؤيا الواقعية للاصلاح الاقتصادي والاداري امراً جوهرياً للاحاطة بالفساد الاداري ومحاولة محاصرته بالقدر الذي يشكل مجموعة من الاجراءات للحد من استشرائه وتطويقه.

ان هذه المهمة لايمكن ان ينظر اليها بشكل مجتزأ بل يجب ان تكون ضمن اطار اصلاح شامل يطال اجهزة ومؤسسات الدولة على العموم، فشمولية هذا الاصلاح تقتضي تناول جمع من المرتكزات الادارة من حيث البنية والهيكل وصولاً الى العنصر البشري العامل فيها ومن ثم اساليب العمل السائدة فيها، بل وحتى وسائل العمل من ادوات وتجهيزات ومعدات.

إن اصلاح البنية والهيكل الاداري بكل ما يحتويه من مهام وصلاحيات يجب ان تبنى على الحاجة الملحة ضمن الامكانات والقدرات المتاحة من دون افراط او تفريط وتجنب الازدواجية، ويشكل العنصر البشري العنصر المهم الذي يجب ان يولى عناية فائقة بحيث يجب توافر شروط حسن الاختيار القائم على المؤهلات وتكافؤ الفرص والتنافس وليس على اسس الاختيار العشوائي فضلا عن الاعداد المسبق لهذا العنصر لتوليه مهام وظيفته والتدريب المتواصل لاغنائه بالمعارف المستجدة مع ضرورة توازن حقوق المكلف بالخدمة العامة مع واجباته ويرتبط ذلك كله بتقويم ادائه العلني والفردي والجماعي في نفس الوقت تجنباً لان يكون الموظف ضحية لعوامل لايد له فيها وليس بامكانه تصحيحها، ان ذلك يقتضي ان يتوج كل ذلك بتبسيط لعمل المكلف بالخدمة العامة والقائم على اساس اللامركزية وتطوير الصلاحية لكي تضمن انجازاً عالياً لمهمة المكلف بالخدمة العامة وبأقل نقطة ووقت ممكنين وان يدعم كل ذلك بوسائل عمل تختصر في الآليات والتجهيزات واللوازم التي بات وجودها امراً مسلماً به ويبقى الاهم من كل هذه العملية هو التطبيق للتشريعات الادارية بشكل دقيق ومنظم، ان اولى مهام الرؤيا الواقعية تتصل بتوصيف مهام عمل المكلف بالوظيفة الادارية التي تتضمن المقترحات الآتية لتعزيز كفاءة الاداء وتطويق البنية المفضية للفساد الاداري، ان اولى هذه المهام هي : ـ

1ـ ضرورة تحديد مدة محددة لانجاز المعاملات المرتبطة بالمستندات اللازمة لكل منها، ان هذا الامر يقتضي وضع الدراسات اللازمة لغرض تبسيط وسائل العمل وتحديد مدد انجاز المعاملات بما في ذلك الدراسات الميدانية لاسيما في مجالات المعاملات المدنية والدوائر العقارية الخ، ويوصف هذا الامر عاملاً هاماً في مكافحة الفساد ذلك انه يتضمن امرين هامين يعول عليهما المواطن اهمية كبيرة:

أـ انجاز المعاملة بأقل نفقة ممكنة . ب ـ انجاز معاملاته باسرع واقرب مكان ممكن وبالتالي بأسرع وقت ممكن.

2 .وضع نظام لتقييم اداء موظفي الخدمة العامة، ان وضع نظام متكامل لاداء الموظفين يعد امراً هاماً بقصد متابعة كفاءة اداء عمل موظف الخدمة العامة.

3. تصنيف الوظيفة العامة، ان هذا الامر يقتضي اعداد تصنيف للوظائف العامة وتحديد رواتبها ويتضمن بشكل اساس وضع تصنيف يتضمن تقسيم الوظائف العامة وفقاً لطبيعة مهامها الى فئات ورتب تتطلب من شاغليها مؤهلات ومعارف محددة ومن ثم ضرورة تعريف الوظيفة العامة وتقويمها ومن ثم تحديد سلسلة رواتب مستقلة لكل فئة من الفئات الواردة في التصنيف تسبقها اجراء دراسات مقارنة للوظائف المتشابهة في القطاعين العام والخاص.

4. ضرورة التأكيد على تسلسل المسؤولية للمدراء او الرؤساء وممارسة رقابة فعالة وشديدة تحت طائلة ترتيب مسؤولياتهم عن كل مخالفة تحصل في الوحدات التابعة لهم.

5. انشاء وتفعيل مكاتب شؤون وشكاوى المواطنين:

ان هذا الامر يعد شكلاً من اشكال المراقبة غير المباشرة يفيد منها المسؤولون الاداريون في الاقسام لنقل نبض المواطن الى حدود مسؤولية الدائرة المعنية بشأنه وبالتالي التعرف على نواحي القصور والفعالية في عمل مثل هذه الادارات او المؤسسات.

6. انشاء دوائر خاصة بالتفتيش المركزي.

ان انشاء مثل هذه المؤسسات وتفعيل دورها الرقابي يعد امراً مهماً للاحاطة بعناصر وبيئة الفساد الاداري ورفدها بالعناصر المؤهلة والكفوءة لممارسة مهمتها الرقابية.

7. ضرورة اعتماد برامج اعلامية لتوعية المواطن، ذلك ان الاهتمام بهذه البرامج يأتي في طليعة المهام الموجبة لمواجهة موجات الفساد الاداري التي تستشري حالياً فبرامج التوعية الاعلامية والشعبية وبالذات تساهم في اجهاض عناصر الفساد، فضلا عن دور الرقابة الشعبية في هذا المجال.

8. انشاء او استحداث ديوان الخدمة العامة .

ان انشاء مثل هذه الدواوين المتصلة بالخدمة العامة او المدنية يشكل ضرورة مهمة واساسية في الاشراف والمتابعة والتنسيق بين مؤسسات الخدمة العامة وبالتالي فأنها تمارس ضمن مهام عملها دوراً رقابياً ومرجعياً لاعادة تقويم بنية وهيكل الوظيفة العامة.

د. محمد المعموري

د. مناهل مصطفى

د. انتصار محي الدين

د. سحر فتح الله

و كل ذلك بحسب رأي الكتاب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:جريدة الصباح-7-7-2007