الشركات العالمية... وثورة المسؤولية الاجتماعية

 

 

بروس بياسيسكي

 

 

ثمة مفاجأة تنتظر أساتذة إدارة الأعمال في مختلف جامعات العالم. تتمثل هذه المفاجأة في أن هناك شيئاً غير مألوف يتبلور الآن في السوق العالمية، ويتحدى كافة المبادئ الكلاسيكية التي يتم تعليمها في كل كليات إدارة الأعمال.

فجودة المنتجات، والأسعار التنافسية لن تصبح بعد الآن هي العوامل الأكثر أهمية في معادلة النجاح التجاري، حيث ستكون هناك عوامل أخرى. ففي السوق العالمية الآخذة في التطور التي أسميها (الشركة العالمية المساهمة) يتبلور أمامنا الآن عامل استراتيجي ثالث بدأ يلعب دوراً ملموساً ألا وهو عامل "المسؤولية الاجتماعية".

والمقصود بالمسؤولية الاجتماعية في هذا السياق تحمل الشركات لمسؤولياتها عن المجتمع أو المجتمعات التي تعمل بها بالإضافة إلى ما تضطلع به من مسؤولية بحكم طبيعتها في إنتاج السلع، وأداء الخدمات.

ومسؤولية الشركات الاجتماعية تعني مسؤوليتها في مساعدة المجتمع على مواجهة التحديات التي تعترضه، ومنها على سبيل المثال لا الحصر تحدي التغير المناخي، وأمن الطاقة، والرعاية الصحية، ومواجهة الفقر.

وهذا الاتجاه العملي الجديد القائم على جودة المنتج والأسعار المنافسة والمسؤولية الاجتماعية ينتشر بشكل محسوس في الوقت الراهن في نفس الوقت الذي تستمر فيه الشركات المتعددة الجنسيات في اكتساب قوة اقتصادية غير مسبوقة كما تدل على ذلك كافة الإحصائيات. فتلك الإحصائيات تشير على سبيل المثال إلى أن ثلث التجارة العالمية قد أصبح يتم بين الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات وليس بين الدول. ففي الوقت الراهن نجد أن هناك عدداً متزايداً من قادة الشركات المتعددة الجنسيات أصبحوا يؤكدون أن أنجح المشروعات الاقتصادية في عالم الغد، هي تلك التي ستكون لديها الرغبة والاستعداد لتخصيص الوقت والجهد اللازم لإدماج المسؤولية الاجتماعية في سياساتها وإذا ما استمر هذا الاتجاه في النمو بمعدلاته الحالية، فإن الأمر المؤكد هو أنه سيؤدي في نهاية المطاف إلى تغيير الطريقة التي تمارس بها الشركات العملاقة أنشطتها.

لأول وهلة قد تبدو مبادرة المسؤولية الاجتماعية، وكأنها إحدى حيل العلاقات العامة التي تمارسها الشركات من أجل تعزيز نفوذها، وتعظيم أرباحها، خصوصاً أن الدراسات والأبحاث التي أجريت على 300 شركة من الشركات الكبرى في العالم، قد أثبتت أن جُل اهتمام تلك الشركات يتركز على الاستفادة من الفرص التجارية وعلى تحقيق الأرباح الطائلة وتوسيع حصتها السوقية.

هذا ما قد يبدو على السطح، ولكن هناك أيضاً العديد من الشواهد القوية التي تبين أن الشركات العالمية الكبرى قد أصبحت تميل إلى التركيز على اعتبارات أخرى بالإضافة إلى الاعتبارات السابقة.

فهذه الشركات أصبحت تميل أكثر نحو تخصيص المزيد من الأموال للاستثمار في التقنيات وأنواع الطاقة الصديقة للبيئة، ومنها على سبيل المثال طاقة الرياح التي تعد من أنظف أنواع الطاقة، والتي تمثل أسرع مصادر الطاقة نمواً في الوقت الراهن في مختلف أنحاء العالم. ليس هذا فحسب، بل إن تلك الشركات الكبرى، وبعضها يعد من رواد صناعة السيارات في العالم، قد أصبحت -حسب ما ينشر من إحصائيات - تنفق المزيد من الأموال في الاستثمار فيما يعرف بالحلول الخضراء أي على التقنيات الأكثر صداقة للبيئة.

وتبين تلك الإحصائيات أن الأموال المنفقة قد أصبحت تتجاوز المليارات، وأن الشركات المعنية تخطط لمضاعفة إنفاقها في هذه الحلول خلال السنوات القادمة على أساس أنها قادرة على تحقيق وفر كبير في الطاقة خلال السنوات القادمة.

في هذا الإطار، قامت الشركات الرائدة في إنتاج السيارات في العالم بإنتاج سيارات تعمل بالوقود المهجن الذي يؤدي إلى تخفيض استهلاك الطاقة وتقليص نسبة الانبعاثات الغازية والملوثات في الجو.

وعلى الرغم من أن تلك الطاقة كان ينظر إليها حتى فترة قريبة باعتبارها طاقة باهظة التكاليف، إلا أن الملاحظ أن السيارات التي تستخدم هذا النوع من الطاقة أصبحت تلقى رواجاً كبيراً.

وتشير الإحصائيات إلى أن هناك في الوقت الراهن ما يقارب مليون سيارة تعمل بالوقود الهجين تم بيعها بواسطة شركة "تويوتا" اليابانية، وهو ما مكنها من التفوق على شركة "جنرال موتورز" الأميركية في إنتاج هذه النوع من السيارات.

ولا يقتصر الأمر على الشركات الرائدة في صناعة السيارات في العالم، إذ نجد هناك عدداً متزايداً من الشركات التي أصبحت تدرك مدى المكاسب والأرباح التي يمكن أن تعود إليها من خلال استخدامها للتقنيات الصديقة للبيئة في إطار مسؤوليتها نحو المجتمع.

والنقطة الشديدة الدلالة في هذا الخصوص، هي أن تلك الشركات تقدم على اتباع تلك السياسات بصورة طوعية، أي كاستجابة للتطورات السوقية والتغيرات العالمية، وليس استجابة لتكليفات من جانب الأجهزة التشريعية والتنظيمية.

كل ذلك يدل على أننا قد أصبحنا على أبواب تغير تاريخي في عالم الأعمال، خصوصاً أن رجال الأعمال والمقاولين والمتعهدين ورجال التعليم يراقبون اليوم بأعين مفتوحة التطورات التي تتم في هذا المجال، والسياسات الجديدة التي تتبعها الشركات الكبرى في العالم- والتي يتزايد عددها باستمرار- في إطار اضطلاعها بمسؤوليتها الاجتماعية. وسوف يتعين علينا جميعاً الانتظار حتى نرى ما إذا كانت هذه السياسات سوف تمثل نماذج للنجاح أم نماذج للفشل، وإن كانت معظم الدلائل المبكرة تشير إلى أن احتمالات النجاح أكبر.

*كاتب أميركي متخصص في الشؤون العلمية

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"-6-8-2007