كفاءة استهلاك الطاقة... المصدر الخامس للوقود!

 

 

توماس فريدمان

 

 

هل اتسعت عيناك دهشة حين ألقيت نظرة إلى فاتورة الكهرباء الخاصة بك؟ وهل أنت مثلي من سكان تلك الولايات التي رفعت فيها القيود المحلية عن الكهرباء، فلم يعد مسؤولوها يشرفون على أسعار الكهرباء، ما ساعد على الارتفاع الصاروخي لتلك الأسعار منذ عام 2002؟ إن كنت كذلك، فإن عليك الاستماع إلى مقترح جديد سيبثه قريباً "جيم روجرز"، الرئيس والمدير التنفيذي لشركة "ديوك إنيرجي" التي جرى تسجيلها مؤخراً بلجنة ولاية كارولينا الشمالية لخدمات الكهرباء.

كما انتقل المقر الرئيسي لهذه الشركة إلى مدينة شارلوت بالولاية نفسها. ويجيء المقترح المذكور تحت شعار "وفّر واط كهرباء واحداً" أما الهدف منه، فهو قلب مفهوم فواتير الكهرباء رأساً على عقب، أي أن تكافأ شركات الخدمات الكهربائية على ما توفره من "كيلوواط "كهربائية، في حين يكافأ جمهور المستهلكين على كفاءة استخدامهم وترشيدهم لاستهلاك الطاقة.

والملاحظ أن هذا التصور الجديد إنما يرمي إلى رفع كفاءة استهلاك الطاقة، بدلاً من المكافأة التقليدية السابقة التي يتلقاها الجمهور من شركات الخدمات الكهربائية، التي دأبت على أن تنشئ المزيد من محطات الطاقة، مكافأة لمستهلكيها على ما يشترونه من مزيد من كيلوواط الكهرباء، أي مكافأة لهم على عدم ترشيدهم لاستهلاك الطاقة.

ويقوم مقترح "روجرز" هذا على ثلاثة مبادئ بسيطة وأساسية. أولها أن أرخص طريقة لتوليد الطاقة النظيفة الخالية من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون وغيره من الغازات الملوثة للبيئة، هي تحسين ورفع كفاءة الاستهلاك.

وكما عبر عن هذا المبدأ بقوله: "كلما بدت محطة توليد الطاقة، أكثر صداقة للبيئة، ومعقولة التكلفة، ويمكن الاعتماد عليها، قلت الحاجة إلى بناء محطات توليد جديدة. والسبب أنك تكون قد ساعدت جمهور المستهلكين أنفسهم على الحفاظ على الطاقة".

وثاني المبادئ، أن نضع فكرة رفع كفاءتنا في استهلاك الطاقة في دماغنا دائماً، ونحن نستهلكها. وإذا ما كانت لدى كل واحد منا قائمة مراجعة يومية تشمل 20 واجباً من الواجبات التي يلزم القيام بها، فإنه ليس مرجحاً أن يرتفع معدل استهلاكنا للطاقة أبداً.

ثالثاً وأخيراً: إن المؤسسات الوحيدة التي تتمتع بالبنية التحتية، ولها ما يكفي من رأس المال وقاعدة العملاء هي شركات الخدمات الكهربائية نفسها. ولذا فهي التي بحاجة لأن تحفز وتشجع على المزيد من الاستثمار في رفع كفاءة الاستهلاك، بحيث يصبح ممكناً لجميع المستهلكين تبني طرق رفع الكفاءة التي تطورها هذه الشركات.

بيد أن المشكلة هي أن هذه الشركات قد اعتادت تاريخياً على زيادة أموالها وأرباحها عن طريق توسيع استثماراتها في بناء محطات توليد وتوزيع جديدة، سواء كانت هذه محطات للفحم الحجري أم محطات توليد نووي. وما أن تتمكن إحدى هذه الشركات من أن تثبت للجهات المسؤولة عن تنظيم الخدمات الكهربائية، أن ثمة حاجة ما لبناء محطات توليد كهربائي جديد في منطقة ما من المناطق، حتى يتعين عليها تحمل نسبة معينة من تكلفة بناء المحطة الجديدة، في حين تُحال النسبة الأخرى إلى جمهور المستهلكين. وهذا هو النمط الذي يرمي اقتراح "وفّر واط كهرباء واحداً" إلى كسره وقلبه رأساً على عقب. ومضى "روجرز" ضمن شرحه لهذا التصور الجديد إلى القول إن إجراءات رفع كفاءة استهلاك الطاقة، سوف تتضمن تركيب أجهزة في المنازل بحيث تتمكن شركات الكهرباء من تعديل مكيفات الهواء والثلاجات وغيرها من الأجهزة الكهربائية في المنزل، خلال فترة ذروة الاستهلاك كما تتضمن تشجيع وتحفيز المقاولين على بناء المنازل وصنع الغلايات والسخانات ومختلف الأجهزة الكهربائية، بحيث تكون أكثر كفاءة في استهلاكها للطاقة.

وعلى حد وصف "روجرز"، فإن كفاءة استهلاك الطاقة هي المصدر الخامس للوقود، لكونها تلي الفحم الحجري والغاز ومصادر الطاقة المتجددة، والطاقة النووية مباشرة. بل مضى "روجرز" إلى وصف الكفاءة هذه، بأنها المصدر الأرخص والخالي من الملوثات والانبعاثات.

ولكل هذه الاعتبارات فإن علينا أن نجعل من "كفاءة الاستهلاك" خيارنا الأول في السعي لتلبية تصاعد طلبنا على الطاقة، فضلاً عن سعينا لإيجاد حل عملي لمشكلة التغير المناخي. أما الكيفية التي سيعمل بها النظام الجديد، فتتلخص في قيام هيئة مستقلة، بقياس عدد الكيلوواط التي ادخرتها شركة الخدمات الكهربائية المعينة في نهاية العام، بناء على خطة إنتاجية محددة سلفاً، ثم تتم مكافأتها وفقاً لما وفرته.

أما بالنسبة للجمهور، فسوف تكون مكافأته على توفيره لاستهلاك الطاقة وتوفيره للكهرباء، هي انخفاض سعر فاتورة الطاقة التي يدفعها سنوياً، تبعاً لانخفاض استهلاكه. وما أن يبدأ العمل بهذا النظام الجديد، كما يقول "روجرز"، حتى يستيقظ مهندسونا كل يوم، وفي بالهم سؤال عن الكيفية التي يطورون بها من التكنولوجيا الجديدة ما يمكن المستهلكين من المزيد من ترشيد استهلاكهم ورفع كفاءاتهم، ومن ثم توفير المزيد من وحدات الطاقة.

وعلى الصعيد الهندسي، تكون قد قلبت المعادلة لصالح الترشيد، بدلاً من الصحو كل يوم على هاجس بناء المزيد من محطات التوليد وتوسيع شبكة توزيع الطاقة، كما هو عليه حال المفهوم السائد قديماً وحالياً.

وبالقدر نفسه نثير السؤال: لم لا نشجع صناعة السيارات في بلادنا على تبني ذات النهج على أن نحفزهم ونكافئهم على أدائهم في ظل شعار جديد هو "وفر ميلاً"؟

فتلك هي الطريقة التي يتم بها تشييد بنية تحتية قوية للطاقة.

وإذا كان هدف الألفية الماضية هي جعل الطاقة متاحة للجميع على النطاق العالمي، فليكن هدف رفع كفاءة استهلاكها، هو شعار قرننا الحادي والعشرين ذلك هو ما يجعل بلادنا الدولة الأقوى إنتاجاً للطاقة، في رأي السيد "روجرز".

*كاتب ومحلل سياسي أميركي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"-23-8-2007