شبح الانكماش الاقتصادي... مسرحية أخلاقية

 

 

أميتي شيلز

 

 

نحن نستحق ما يحدث من انخفاض في سوق الأوراق المالية أو هكذا يعتقد الكثيرون منا وهم يشاهدون مؤشرات ذلك السوق وهي تهبط بسرعة. بعض البشر- وعلى نحوٍ مَّا- ينظرون إلى مؤشر "داو جونز" الصناعي على أنه مسرحية أخلاقية، وأن فترات الصعود لا بد أن تليها فترات هبوط مماثلة والتعاملات المريبة التي تتم في سوق الرهن العقاري في الولايات المتحدة تبدو وكأنها تؤكد هذه القاعدة.

ليس هناك بالطبع قانون مثل هذا. صحيح أن المقرضين قد استغلوا المشترين السذج، وصحيح أيضاً أن فترات الانكماش تلي فترات الانتعاش .. ولكن هذا لا يعني أن فترات الانكماش هذه يجب أن تتماثل مع فترات الانتعاش تماماً من حيث الدرجة.

إن ما أدى إلى تحويل مشكلة تتعلق بسوق الرهن العقاري في أميركا إلى هبوط أو انكماش هو تراكم مجموعة من الأخطاء في السياسات المالية سواء من قبل القادة السياسيين، أو البنوك المركزية، أو الحكومات الأجنبية.

ومن هنا فإن هؤلاء الذين يتصدون للوعظ، والحديث عن المغزى الأخلاقي عند تفسيرهم لما يحدث في السوق، لا يفعلون شيئاً في الحقيقة سوى أنهم يصرفون الأنظار عن تنفيذ التغييرات اللازمة في السياسات الاقتصادية والمالية ذات العلاقة.

ولو نظرنا إلى الأمر من منظور تاريخي وعدنا بالذاكرة إلى فترة "الكساد الكبير"، الذي حمل في طياته مغزى أخلاقياً كبيراً، فإننا سنجد أن أسواق العشرينات من القرن الماضي كانت قد وصلت إلى درجة من الجنون الذي كان يغطي على حقيقة أن النمو الاقتصادي الفعلي في ذلك الوقت كان ضئيلاً وبعد ذلك، جاء عام 1929، ليحدث الانهيار والكساد الكبيران، ويضطر العالم للتكفير عن خطيئة الإنفاق المبالغ فيه خلال سني العشرينات.

وفي الحقيقة، إنه على الرغم من أن مؤشر البورصات في أواخر العشرينات كان مرتفعاً أكثر مما ينبغي، فإنه لم يكن مرتفعاً إلى الدرجة التي يمكن أن تتسبب في أزمة. والذي أكد ذلك هو البحث الذي أجراه منذ سنوات قليلة كلٌّ من "إدوارد بريسكوت" الحاصل على جائزة نوبل، و"إلين ماكجراتان" لصالح إحدى المؤسسات المالية، والذي توصلا فيه إلى خلاصة مؤداها أن أسعار الأسهم والسندات في البورصات مقارنة بالقيم المالية الفعلية للشركات والمؤسسات كانت مقوَّمة بأقل من قيمتها الحقيقية في أغسطس 1929، وأن هذا هو الذي أدى للانهيار الذي حدث عند ذاك.

لقد تحول هذا الانهيار بعد ذلك إلى كساد بسبب أخطاء سياسية، وعثرات متفرقة سواء في الولايات المتحدة أو في الخارج. من بين تلك الأخطاء "معاهدة فرساي" التي أجبر ساسة الدول المنتصرة، ألمانيا المهزومة بموجبها على دفع تعويضات مرتفعة إلى درجة تعجيزية، وهو ما أدى إلى اختلال توازن النظام النقدي الدولي، وساعد في نهاية المطاف على حدوث انكماش أدى إلى إلحاق أبلغ الضرر بالبنوك وبالنظام المالي.

في ذلك الوقت ارتكب الرئيس الأميركي آنذاك "هيربرت هوفر" عدداً من الأخطاء حيث أقدم على رفع الضرائب في فترة من الهبوط، وهو ما كان يرجع إلى خلطه بين الانكماش وبين التضخم، وإصدار أوامره للشركات والمؤسسات بعدم الاستغناء عن موظفيها، على الرغم من أن ذلك الإجراء كان ضرورياً بالنسبة لتلك الشركات حتى تتمكن من الاستمرار.

ولم يكتف "هوفر" بذلك، بل وقّع على قانون سخيف للتعريفة على الرغم من أن عدداً كبيراً للغاية من أساتذة الاقتصاد وخبرائه في ذلك الوقت رجوه ألا يفعل ذلك. ولم تقف أخطاء "هوفر" عند ذلك الحد، بل وجه انتقادات لاذعة للبورصة، وهاجم بعض ممارستها على الرغم من أنها كانت ممارسات طبيعية ومن صميم عملها.

بعد ذلك جاء الرئيس "فرانكلين روزفلت" ليوجه نداءه الشهير للشعب الذي طالب فيه باستعادة الثقة، وقال فيه: "ليس لدينا ما نخاف منه سوى أنفسنا" وعلى الرغم من هذا النداء، فإن روزفلت ارتكب خطأه الخاص عندما فسر الهبوط الاقتصادي بأنه سقطة روحية كان السبب فيها الصيارفة الذين لا يدققون في المعاملات التي يجرونها، وأن البلاد لن تفيق منه إلا بالتخلي عن ماديتها البحتة وعودتها للقيم النبيلة التي رأى أن قيمتها تفوق الأرباح المادية.

وفي ذلك الوقت أيضاً اتخذ روزفلت إجراءات صارمة وصلت إلى حد تقديم أناس للمحكمة بسبب ممارسات تجارية لا تستدعي ذلك، وكانت تعتبر حينها من الممارسات الاقتصادية الطبيعية.

نعود من الماضي إلى الحاضر ونسأل أنفسنا سؤالاً هو: هل يمكن أن نتعرض إلى فترة من الهبوط الخطير؟ والإجابة على هذا السؤال هي: نعم يمكن أن نتعرض إلى ذلك، إذا ما ارتكبت واشنطن أخطاء فادحة، كأن يقوم "الديمقراطيون"، إذا ما قدر لهم الفوز بالبيت الأبيض، بالانقلاب على حرية التجارة، وتمرير قوانين حمائية بما يعتبر تكراراً لنفس الأخطاء التي ارتكبها "هوفر" في أواخر عشرينات، وبداية ثلاثينات القرن الماضي. ففي هذه الحالة سوف تبحث الصين عن شريك تجاري آخر غير الولايات المتحدة.

والضرائب تمثل هَمّاً آخر في هذا الصدد، وهو ما يرجع إلى أن الكثيرين من مشرعي القوانين يريدون زيادة الضرائب من أجل تمويل مشروعات الضمان الاجتماعي، ومعالجة نواحي القصور في نظام الرعاية الصحية، مع زيادة الضرائب على الشرائح العليا في المجتمع من أجل توفيرها للفئات الأدنى أي أنهم يريدون تغيير سياسة بوش الضريبية تماماً، والتي كانت تركز على تخفيض الضرائب على الشرائح العليا في المجتمع.

وفي الحقيقة، إن "جون إدواردز" عندما تحدث عن ذلك الموضوع ودافع عنه الشهر الماضي، فإن كلماته بدت وكأنها مأخوذة حرفياً من خطب "هوفر" و"روزفلت" حيث قال: "لقد حان الوقت كي نعيد اقتصادنا مرة ثانية إلى مساره الصحيح الذي يتفق مع قيمنا الأصيلة".

وفي الحقيقة، إن إجراء تغييرات على الضرائب، وفي السياسات الحمائية يمكن أن يوجه ضربة قاصمة للقدرة التنافسية للولايات المتحدة في الأسواق الدولية. فالصين عندما ترى أنه لم يعد هناك فرق بين الولايات المتحدة وأوروبا، فإن الاحتمال المرجح هو أن تنقل المزيد من احتياطياتها إلى "اليورو"، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى فقدان الدولار لعرشه. بمعنى آخر يمكن القول: إن الهبوط الكبير الذي يخشاه الجميع يمكن أن يحدث إذا ما صدق المشرعون أوهامهم عن الطهارة والأخلاق، وليس لأننا نستحق مثل هذا الهبوط.

*زميلة رئيسية في "مجلس العلاقات الخارجية" الأميركي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعلييق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-21-8-2007