"خصلة"ديك تشيني... ورفع فعالية الطاقة

 

نيكولاس كريستوف

 

 

المحافظة على الطاقة لا تعني بالضرورة أن يرتعش المرء في الظلام. فقد قال ديك تشيني متهكماً ذات يوم إن المحافظة على الطاقة قد تكون "خصلة" أو "قيمة شخصية"، ولكنها ليست ولا ينبغي أن تكون أساساً لسياسة في هذا المجال والحال أن دلائل متزايدة تفيد بأن نائب الرئيس كان مخطئاً على طول الخط.

ذلك أن القلق المتنامي دولياً على خلفية الغازات المُسببة للاحتباس الحراري، واستمرار الاعتماد الأميركي على النفط المستورد، هما مما يدفع إلى التركيز على جانب الإمداد من معادلة الطاقة تحديداً، ومما يدفع إلى الواجهة بالمصادر غير المألوفة للطاقة من قبيل الرياح والشمس والأمواج والهيدروجين وغيرها.

والحقيقة أن أفضل سيارة رأيتها هي سيارة هيدروجين سُقتها ذات مرة على مضمار اختبار تابع لشركة "جنرال موترز"؛ وكانت تستطيع بلوغ سرعة 100 ميل في الساعة من دون أن ينبعث من عادمها شيء غير بخار الماء.

غير أن مشكلتها الوحيدة تتمثل في أن تكلفة تصنيعها تصل 5 ملايين دولار ولذلك، فإنه جدير بنا أن نركز على البحث في مجال الهيدروجين والطاقات المتجددة.

على أن أقرب النتائج على جبهة الطاقة يمكن تحقيقها عبر الحد من الطلب - بمعنى آخر: المحافظة أكثر على الطاقة وترشيد استهلاكها. ولكن من المُحزن والمخيف في آن واحد أن حكومتنا لا تقودنا في هذا الاتجاه وفي هذا الصدد يقول نائب رئيس شركة "شيفرون" بيتر روبرتسون: "إن أفضل مصدر للطاقة الجديدة يكمن في رفع فعالية الوقود والمحافظة عليه".

ويبدو أن الصورة التي تشكلت في ذهن تشيني هي لرجل لا يحمل وجهه أية تعابير يرتدي سترة صوفية، يرتعش داخل غرفة باردة يضيئها مصباح خافت ضعيف؛ ويستحمُّ تحت صنبور تتصبب منه قطرات ماء ضعيفة مسخَّنة بالطاقة الشمسية.

وبعد ذلك يمضي إلى حيث يعمل بواسطة دراجته الهوائية تحت الأمطار. والحقيقة أنه إذ كان هذا هو البديل، فإن الكثيرين منا في سيفضلون في هذه الحالة أن تهيج المحيطات والبحار، وليحدث ما يحدث لفلوريدا!

والحال أن البحوث الجديدة تظهر أن التحسن بخصوص رفع فعالية الطاقة كثيراً ما يغطي كلفته بنفسه، بل يجعلنا أفضل حالاً. وفي هذا الإطار، يقول رئيس مؤسسة "سيرا" الاستشارية في مجال الطاقة "دانيل يرغن" عن المحافظة على الطاقة: "إنها مسألة تتعلق بالتكنولوجيا.

ففي نهاية المطاف، لقد نجحنا اليوم في مضاعفة فعالية الطاقة مرتين مقارنة مع عقد السبعينات؛ وفي الوقت نفسه، فإن اقتصادنا تضاعف أو أكثر" ومن جانبه، يقول "جيمس وولسي"، الخبير في مجال الطاقة والمدير السابق لوكالة الاستخبارات الأميركية "سي آي إيه": "لقد بالغ الناس كثيراً في حديثهم عن التضحيات، وفي التقليل من شأن الفرص والمكاسب".

وتقترح مؤسسة "ماكينزي آند كو" الاستشارية تبني تدابير المحافظة على الطاقة التي تغطي تكلفتها بـ10 في المئة على الأقل من العائد؛ إذ ترى الشركة أنه في حال جرى اعتماد هذه المقاربة - التي لا تؤثر سلباً على النمو الاقتصادي - على صعيد العالم، فإن المدخرات السنوية بحلول 2020 ستمثل ضعف الاستهلاك الأميركي السنوي الحالي للطاقة بمرة ونصف. وقد أصدرت المؤسسة كتاباً في مايو المنصرم يقع في 290 صفحة، ويبين بالتفصيل الخطوات والتدابير اللازمة، ومن ذلك تقنيات أفضل للعزل، وتدفئة عالية الفعالية في المنازل الجديدة، ومصابيح لا تستهلك الكهرباء كثيراً، وأجهزة كهربائية منزلية عالية الفعالية، ومعايير أعلى للاقتصاد في الوقود بالنسبة للسيارات. (تجدر الإشارة هنا إلى أن قيادة السيارة لمسافة ميل في الولايات المتحدة تستهلك 37 في المئة إضافية من الوقود مقارنة مع أوروبا).

ولعل أفضل وسيلة لتشجيع مثل هذه الخطوات تتمثل في فرض ضريبة على الكربون، ولكننا سنكون في حاجة أيضاً إلى سلطات فرض القانون. ذلك أن المكيف الهوائي الأفضل من حيث فعالية الطاقة والأكفأ بنسبة 35 في المئة مقارنة مع المعايير الحالية يكلف زيادة مالية بنسبة 260 في المئة إضافية، وهو ما يفسر عدم إقبال الناس عليه. والحال أنه إذا تم فرض هذا المعيار بموجب القانون، فمما لاشك فيه أن سعره سينخفض كثيراً.

علاوة على ذلك، يتعين على الحكومة أيضاً أن تشجع تسويق السيارات المُهجَّنة، التي يمكن ربطها بالتيار الكهربائي من أجل شحن البطارية. ذلك أن السيارات من هذا النوع لا تستعمل أي وقود في الرحلات القصيرة، علماً بأن معدل استهلاكها قد يصل إلى 100 ميل للغالون الواحد.

والحق أنني لا أستطيع مقاومة الشعور بأننا نحن العاملين في وسائل الإعلام جزء من أسباب عدم تصدر جهود ووسائل محاربة تغير المناخ الأجندةَ الوطنية. فنحن نجيد تغطية الأشياء التي تحدث كل يوم -مثل إعصار أو عاصفة- ولكننا نقصِّر في تغطية التيارات المعقدة مثل تغير المناخ. كما أننا نميل إلى تغطية النزاعات عبر أخذ تصريحات من كل جانب، من دون أن نشرح دائماً أين يقع الإجماع العلمي.

يقول المشككون في تغير المناخ إنه لا أحد يعلم علم اليقين مدى خطورة تغير المناخ مستقبلاً، والواقع أنهم على حق. ولكن، أليس من الحكمة والحذر أن نعالج التهديدات حتى وإن كنا غير واثقين منها؟ فنحن لا نتوقع أن نعلق في حريق يوماً ما، ومع ذلك فإننا نؤمن بأهمية وجدوى منافذ الإغاثة وقسم المطافئ .

ولنفترض أن لدينا زعماء سياسيين يقولون ساخرين إن الحرائق ليست بالأمر الجديد، وإن علم مكافحة الحرائق غير ثابت، وإنه لا يمكننا أن نفرض عبئاً على الشركات عبر إقامة أقسام إطفاء الحرائق -والزيادة على ذلك بالقول إن المواطنين يستطيعون إطفاء الحرائق بأنفسهم انطلاقاً من "الخصلة" أو "القيمة الشخصية". سنقول جميعنا طبعاً في هذه الحالة إن هؤلاء الزعماء مجانين.

*كاتب ومحلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"