توريط شركات أوروبية كبرى في صفقات الغاز و المافيا الإيطالية في قلب سوق النفط العالمية

 

 

 

والأرباح مئات ملايين الدولارات

 منذ ثمانينات القرن الماضي لعبت المافيا الإيطالية دوراً مرموقاً في البنية التحتية الاقتصادية، خصوصاً في جزيرة صقلية. وبفضل موجة الهجرة الإيطالية، منذ أوائل القرن التاسع عشر، تمكنت المافيا ببراعة من مد نفوذها الى خارج نطاق عملها المحلي، من شمال أميركا الى جنوبها.

مرت السنون وتسارعت الأحداث في إيطاليا التي عاشت في الأعوام الأخيرة سلسلة اعتقالات تساقط خلالها زعماء المافيا كأوراق الخريف في كمائن رجال أجهزة الاستخبارات المدربين.

وعندما نجحت الشرطة أخيراً في القبض على بيرناردو بروفينتسانو، في منطقة نائية من ريف جزيرة صقلية، كانت صورته توحي بأن صاحبها شخص متواضع ومسالم. فلدى اقتحام الكوخ المهجور، الذي عاش فيه الرجل سراً سنوات طويلة على بعد بضعة كيلومترات فقط من ثكنة الشرطة العسكرية، وجد رجال الشرطة بعض المؤن الغذائية وحوالى ألف دولار نقداً وكمية ثمينة من الأوراق المقصوصة، كُتب على كل واحدة منها بلغة إيطالية ركيكة بعض الجمل التي كانت أوامر يرسلها الى معاونيه، في كل أرجاء العالم، عبر رجال اتصال كانوا وما زالوا من أقرب المقربين إليه. ثم تلاحقت حملات التفتيش في ملجأ الزعيم، الذي كان يبعد من مدينته الأم «كورليوني» زهاء كيلومتر واحد، فوجد ضباط الاستخبارات الإيطالية الأدلة القاطعة للنشاطات العالمية التي كان يقودها هذا الرجل، البالغ من العمر الآن 75 عاماً.

على رغم عدم إكماله المرحلة الدراسية المتوسطة، نجح بيرناردو بروفينتسانو في الإشراف على بناء خط أنابيب لنقل الغاز، في جزيرة صقلية الإيطالية، تمكن رجل وهمي يعمل بتوجيه من السيد بروفينتسانو، من بيعه عام 2004 الى شركة «غاز ناتورال» (Gas Natural) الإسبانية مقابل 116 مليون يورو.

بالنسبة الى المافيا الإيطالية، مثلت عملية البيع هذه منصة الوثب الى مجتمع الطاقة العالمية. وبالفعل، استُعمل مال الصفقة في محاولة لشراء الغاز من كازاخستان كي يُعاد بيعه الى «بي جي غروب» (BG Group)، ثالث أكبر شركة نفطية في بريطانيا، من طريق استعمال خط أنابيب «غازبروم»، منتجة الغاز الطبيعي الروسية الطليعية.

محاولة بيع مجموعة «بي جي» البريطانية بليون متر مكعب من الغاز الكازاخستاني كان من المفترض أن تدر على المافيا الإيطالية 146 مليون دولار تقريباً.

وكان هدف الشركة المافيوية، المقربة من بروفينتسانو والمشرفة مباشرة على مفاوضات الشراء مع كازاخستان والبيع مع بريطانيا، يكمن في بيع 6 بلايين متر مكعب من الغاز الكازاخستاني سنوياً كي تجني 876 مليون دولار، في السنة لكن السلطات الإيطالية أحبطت هذه المحاولة التي اعتُبرت الشاهد الأبرز على كيفية تحوّل مصالح المافيا الإيطالية، في جزيرة صقلية، في السنوات الأخيرة. إذ نجحت المافيا في الاحتكاك بأشخاص قادرين على التخطيط لعمليات فاعلة وتنفيذها، مثل بيع الغاز الكازاخستاني عبر توريط مجموعة من أكبر الشركات الأوروبية العاملة في شراء وبيع سلعة يتعطش إليها الجميع، هي الغاز.

في عصر العولمة، يهدف رجال المافيا الى تأسيس شبكة نشاطاتهم التجارية الخاصة بأحدث الطرق فأربعون في المئة على الأقل من نشاطات أي شركة قابضة مافيوية تتعلق بالتجارة الشرعية.

بمعنى آخر، توطد المافيا الإيطالية علاقاتها أكثر فأكثر مع السياسيين، داخل ايطاليا وخارجها، ورجال الأعمال العصريين غير المشتبه بهم من ذوي السجلات العدلية النظيفة.

وقع بيرناردو بروفينتسانو في قبضة الشرطة بعد أربعين عاماً من الفرار.

وُلد في كورليوني، وهي مدينة صغيرة تبعد 56 كيلومتراً من باليرمو. بعد ترقيته في المافيا، اتخذ من صديقه فيتو تشانشيمينو مستشاراً له.

لاحقاً، أصبح فيتو تشانشيمينو أول رجل سياسي يُحكم عليه بالسجن لعلاقته المشبوهة مع المافيا المحلية. تولى تشانشيمينو منصب المستشار البلدي، في مدينة باليرمو عاصمة جزيرة صقلية، بين عامي 1959 و1964، ما أتاح له فرصة ترخيص مئات المشاريع التي تقدم بها رجال المافيا هناك، بواسطة أسماء مستعارة.

كما وطد بروفينتسانو هيمنته داخل «كوزا نوسترا»، أي المافيا الإيطالية، بعد إشعال حرب اشتركت فيها عصابات مافيوية عدة، استمرت بين عامي 1981 و1983 وتسببت بمقتل ما لا يقل عن ألف شخص.

آنذاك، كانت مدينة باليرمو تحـــت سيطرة «تشانشيمينو» الذي سخّر نفوذه السياسي لجمع ثروات طائلة. في تسعينات القرن الماضي، قاد القاضي جيوفاني فالكوني التحريات التي آلت الى اتهام تشانشيمينو بالتآمر مع المافيا والفساد لكن الأخير توفي طبيعياً في منزله في روما عام2002، عن عمر يناهز 78 عاماً. واستطاع القاضي جيوفاني فالكوني مصادرة 5 بلايين يورو من ثروة تشانشيمينو.

بيرناردو بروفينتسانو

في عام 1992، انتقمت المافيا الإيطالية من هذا القاضي الذي انتقل الى روما لتنسيق نشاطات مكافحة المافيا. فأثناء مرور سيارته وسيارات مرافقيه على أحد طرقات ضواحي باليرمو انفجرت عبوة ناسفة، موضوعة الى جانب الطريق، وزنها ألف كيلوغرام على الأقل، ما أدى الى مقتله على الفور مع زوجته وجميع أفراد المواكبة.

ونجم عن اغتيال القاضي جيوفاني فالكوني حكم غيابي يقضي بسجن بيرناردو بروفينتسانو و 18 شخصاً آخرين مدى الحياة. حتى الآن، لم تستطع السلطات الإيطالية كشف النقاب عن جميع أصول فيتو تشانشيمينو المخبأة.

كل ما ظهر منها يحمل اسم شركة «غازدوتي أدزيندا سيتشيليانا» (Gasdotti Azienda Siciliana) المعروفة أكثر باسم «غاز اس بي ايه».

في عام 1981، تأسست هذه الشركة لتصبح، في وقت قصير، أكبر موزعة خاصة للغاز الطبيعي في جزيرة صقلية أما عدد عملائها فوصل الى 93 ألف عميل موزعين بين 73 مدينة، في صقلية وحدها.

رسمياً، نصف أسهم الشركة كان يمتلكها جياني لابيس، المحامي الذي سبق له أن دافع موقتاً عن فيتو تشانشيمينو في قاعات المحاكم الإيطالية وتبين لاحقاً أن بيرناردو بروفينتسانو كان يهيمن بالكامل على شركة توزيع الغاز هذه.

وساهم أنتونينو جوفري، الذراع الأيمن لبروفينتسانو الذي اعتقلته الشرطة الإيطالية قبل أن يصبح متعاوناً جوهرياً مع القضاء الإيطالي، في كشف طلاسم الشبكة التي بناها المحامي جياني لابيس على الشكل الآتي: وضع المحامي لابيس يده على أكثر من نصف أسهم شركة «غازدوتي أدزيندا سيتشيليانا، التي تتخذ من باليرمو مقراً رئيساً لأعمالها، التي باعت الغاز في صقلية من عام 1981 الى عام 2003 قبل أن تشتريها، في عام 2004، شركة «غاز ناتورال اس دي جي» (Gas Natural SDG) الإسبانية مقابل 116 مليون يورو، 55 مليون يورو منها وقعت تحت تصرف المحامي لابيس الذي استخدم 250 ألف يورو منها لتأسيس شركة «بيور انيرجي» (Pure Energy) القابضة، في مدينة زوريخ السويسرية، لإدارة الأرباح المتأتية من تجارة الغاز.

ويرجح المحللون الإيطاليون أن هذه الشركة السويسرية مملوكة جزئياً من عائلة نور سلطان نزار باييف، رئيس كازاخستان كما استخدم المحامي لابيس نصف مليون يورو لتأسيس شركة «فينغاس» (Fingas) في مدينة باليرمو للعناية ببيع 6 بلايين متر مكعب من الغاز الكازاخستاني سنوياً الى قسم «بي جي انترناشونال» التابع لمجموعة «بي جي غروب» البريطانية. بعد وفاة فيتو تشانشيمينو، عام 2002، أمسك نجله ماسيمو تشانشيمينو زمام أمور العائلة المالية. فالعلاقة مع والده كانت متينة، وكان على دراية بأعمال والده ومساعداً مخلصاً له.

ابتكر بيرناردو بروفينتسانو خدمة بريدية بدائية بهدف تفادي الاتصال بمعاونيه عبر الهاتف أو الكومبيوتر. فشرطة الاتصالات الإيطالية لن تواجه أي مشكلة في وضع خط الهاتف أو البريد الإلكتروني تحت المراقبة.

وكان بروفينتسانو يطبع رسائله القصيرة على الآلة الكاتبة ثم كان يطويها على شكل مربعات صغيرة قبل أن يختمها ويرقّمها  وكل رقم منها كان متعلقاً بعضو معين في المافيا الإيطالية، بمن فيهم فيتو تشانشيمينو الذي كان مصمماً أكثر من أي وقت مضى على إيجاد موطئ قدم في سوق الغاز الدولية لا بل انه لم يخفِ أمام المدعي العام في محكمة باليرمو في جلسة 3 آذار (مارس) من عام 2005، هواجسه في عالم الطاقة والغاز الطبيعي.

نتيجة الطلب المتصاعد على الطاقة، ارتفعت الأسعار في السنوات الأخيرة بنسبة 25 مرة تقريباً.

هكذا، تضخمت هوامش الربح! وبحسب ما تشير نتائج دراسة قامت بها «بي بي ستاتيستكل رفيو أوف ورلد اينيرجي» (Bp Statistical Review of World Energy)، فإن الاتحاد الأوروبي استهلك عام 2006 حوالى 17 في المئة من الغاز المسوّق عالمياً وسبعة في المئة فقط من الكمية الإجمالية السنوية أنتجتها القارة القديمة.

ومن اللافت اختيار المناطق السياحية الإيطالية الراقية، مثل «كورتينا دامبيتسو» الواقعة في جبال الألب في أقصى الشمال الغربي لإيطاليا، للتخطيط كونها فرصة لا تفوّت لدى رجال المافيا لتوسيع أعمالهم.

فهذه المناطق تقصدها نخبة من الشخصيات السياسية، الإيطالية والأجنبية، لقضــاء العطل. بالفعل، تعرف فيتو تشانشيمينو في مدينة كورتينا دامبيتسو إلى ايغور ماكاروف، مدير شركة «ايتيرا» (Itera) وهي ثالث أكبر منتجة للغاز في روسيا، وإلى داريغا نزار باييف، ابنة الرئيس الكازاخستاني.

ثم امتدت شبكة الاتصالات لتتداخل في ما بينها بصورة مشفّرة ومعقدة، بهدف تصدير الغاز من كازاخستان، التي تحتل المركز الحادي العشر من حيث مستودعات الغاز الأكبر في العالم، عبر خطوط أنابيب شركة «غازبروم» الروسية.

وكان من المقرر أن يقود فيتو تشانشيمينو المفاوضات عبر شركة «فينغاس» التابعة لمحاميه جياني لابيس. إلا أن تدخل السلطات الإيطالية المتخصصة حال دون إعطاء هذه المفاوضات مجالاً للتنفس.

لكن هل تم القضاء على المافيا الإيطالية غداة اعتقال كبار زعمائها؟ بالطبع لا. فالمافيا دويلة داخل الدولة الإيطالية، لها مجتمعها واقتصادها وسياساتها وقياداتها.

وكلما يتوارى عن الأنظار زعيم منها ينبعث من هذه الدويلة حلم يترعرع في قلب شاب طموح يفتخر بتغذية شرايين المافيا التجارية بعرق جبينه.

ذاً، لن تجد المافيا الإيطالية أي صعوبة في إيجاد مَنْ يخلف بيرناردو بروفينتسانو وفيتو تشانشيمينو ومحامي الدفاع جياني لابيس. ويبقى السؤال: من هو الأقوى في إيطاليا؟ حكومة روما التي تواجه مشاكل اقتصادية محرجة في البرلمان الأوروبي أم دويلة جزيرة صقلية التي حرق بعض مسؤوليها بلايين الدولارات أو تخلوا عنها لمتابعة أعمالهم المافيوية بهدوء.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الحياة اللندنية-16-8-2007