تحديات الليبيرالية الاقتصادية الجديدة وأبعادها

 

 

حسان فوزي بيدس

 

 

لا يخفى على أحد ان الليبيرالية الاقتصادية الجديدة لها مفاهيم متعددة، وفي شكل عام هي منهج حياة ونمط يفترض ان يكون متكاملاً من حيث الحرية التي ينادي بها الفكر الليبيرالي.

انها الغاية الرئيسة التي يتطلع اليها الفرد بطبيعته والمقصودة بها حرية حركة المال والتجارة لتحقيق أعلى الأرباح، وحرية العمل والتعاقد وممارسة أي مهنة او نشاط اقتصادي، والعدالة والمساواة في كل مناحي الحياة والتطور في الزمان والمكان.

وبداية نشير الى ان الليبيرالية العالمية الجديدة تعتمد على التحكم بحركة الاستثمارات الخارجية والتمويل من طريق الديون وبالتالي الخضوع لشروط جازمة في اعادة هيكلة الاقتصاد، وان أهم تغيرات في خريطة العالم الاقتصادي حدثت بفضلها.

فقد طبقت بعض الدول النامية سياسات الليبيرالية الاقتصادية الجديدة في برامج التثبيت الاقتصادي وسياساته، معتبرة ان الاندماج بالاقتصاد الليبيرالي لن يؤدي الى الإضرار بالاقتصاد الوطني بل الى منافسة البضائع الأجنبية وطرد ما هو غير قادر على الصمود في وجهها وتحسين نوعية المنتوجات الوطنية والتحفيز لإنتاج منتوجات تتصف بقدرتها التنافسية.

لكن يجب التأكيد على ان التغييرات التي طرأت بفعل الليبيرالية الاقتصادية الجديدة، أدت الى تحول الاهتمام العربي من اهتمام عربي - عربي الى اهتمام عربي - خارجي، وتقليص دور الدولة في إدارة الاقتصاد وإضعافها وتهميشها، وخفض معدلات التضخم ما يعطي قوة السوق وآلياته الدور الاساسي في تسيير الاقتصاد الوطني.

صحيح ان اعادة بناء الرأسمالية المحلية وانفاق الدولة على عملية التنمية وسد العجز في موازنتها استدعت الاستدانة وفق النموذج الليبيرالي ودمج الاقتصاد الوطني بالاقتصاد العالمي وتبعيته لآليات التطور الليبيرالي، وهذا يكفي لإغراق البلد المعني.

وأثبتت الوقائع الاقتصادية ان هذه السياسات أدت الى تفاقم مشكلة السيولة الدولية وتزايد الاعتماد على التمويل الخارجي بفوائد باهظة، وعجز آليات السوق عن تحقيق آليات عادلة لأنها ستؤدي الى الاحتكار وليس الى المنافسة العادلة خصوصاً ان الأخيرة ستؤدي الى سيطرة القوي وإخراج الضعيف.

ناهيك عن عجز حرية السوق عن تلبية المطالب المناسبة للمتعاملين معها، ومنع الدولة من تولي وظائف صناعية او تجارية والتدخل في العلاقات الاقتصادية التي تقوم بين الأفراد وشرائح المجتمع والأمم.

وكما هو متوقع انخفض الإنتاج وارتفعت الأسعار وتقلبت أسعار الصرف وازدادت الضرائب، وغلبت الاعتبارات الخارجية على الاعتبارات الوطنية وألغيت الضوابط واعتمدت آليات السوق الحر.

كما ان التركيز على حرية حركة الأموال وخضوع الخطة الاقتصادية لمعيار وحيد هو الربح أفشلا اقتصادات حرية السوق، وعجز آلياته عن تحقيق أسعار عادلة وتخصيص عادل للموارد.

يُشار الى أن ازمة المديونية الخارجية استفحلت في الكثير من الاقطار العربية، ما أرهق كاهل الاقتصاد الوطني حيث ارتفعت من 4.3 بليون دولار عام 1975 لتصل الى 161 بليوناً عام 1999. ولا شك في ان آثاراً اقتصادية كثيرة ترتبت وما زالت على الأسواق المالية والنقدية، تمثلت في عجز الموازنة العامة وفي ميزان المدفوعات، والكساد وتدهور شروط التبادل التجاري وتردي أوضاع البلدان بعد وقوعها في فخ القروض الخارجية، وبالتالي تقع مسؤولية معالجة هذه الازمة على عاتق الدول المدينة من جهة والدول الدائنة من جهة أخرى.

بقي ان نشير الى ان الليبيرالية الاقتصادية الحديثة قضت على الصناعة المحلية الناشئة واستنزفت مواردها، ما يعني خسارة السوق المحلية والصناعات والخدمات المحلية. ومن الصعوبة بمكان معرفة الى اي مدى سيستمر ازدياد التفاوت في توزيع الدخل وتراجع الخدمات الاجتماعية الذي سيؤدي بدوره الى الركود وارتفاع معدل التضخم وتزايد العجز في ميزان المدفوعات .

في الواقع من أهم الطرق الناجحة مواجهة المشكلة ووضع خطة متوازنة تهتم بكل قطاعات النشاط الاقتصادي بحيث لا تؤدي الى تحول الركود الى حالة من حالات التضخم، والعمل قدر الإمكان على زيادة حصيلة الصادرات لزيادة الاحتياطات من العملات الأجنبية، والحد من الاعتماد على الاستيراد وتحويل الطاقات الإنتاجية المستخدمة في انتاج السلع الضرورية وتشجيع إصلاحات السوق بأسلوب منظم.

يبقى الأمر المهم بالنسبة الى الدول العربية، وهو الاستفادة من إيجابيات السياسة الليبيرالية الاقتصادية الحديثة بدراسة مستفيضة لتجربة البلدان التي خاضتها خلال فترة معينة، والتعرف الى الأسباب التي أدت الى التضخم والعجز، ووضع أهداف تتطلب تفعيل عملية اتخاذ القرارات الأساسية لاختيار ما يناسبها من سياسات اقتصادية واجتماعية، وتجاوز العراقيل والعقبات الليبيرالية للاستفادة من ايجابياتها.

* رجل أعمال

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الحياة اللندنية-16-8-2007