الزحف الصيني نحو أفريقيا... تشاد نموذجاً

 

 

 

هوارد فرنش

ليديا بولجرين

 

 

تعد تشاد من أكثر دول القارة الأفريقية عزلة وفقراً وأقلها استقراراً من الناحيتين الاقتصادية والسياسية. وفي قرية "كودجيالي" التي كتبت فيها هذه السطور، لا شيء سوى الطبيعة القاحلة الجرداء، حيث لا طرق معبدة ولا كهرباء ولا هواتف ولا شيء يربطها بالعالم الكبير من حولها.

ومع ذلك فهي تعد آخر الجيوب التي طالها نهم الصناعات النفطية وظمؤها الذي لا يرتوي إلا بالبحث المستمر عن حقول وموارد نفطية جديدة وهذا ما يفسر سر زحف الصين إلى هذه القرى، حيث اشترت شركاتها النفطية العملاقة في شهر يناير الماضي، حقوق التنقيب عن النفط في مساحة واسعة النطاق تحيط بهذه القرية الريفية النائية، في مسعى لا يتوقف فيما يبدو لتلبية احتياجات التنين الأصفر النفطية المتعاظمة.

والشيء نفسه يتكرر حدوثه تقريباً في كافة الدول الأفريقية، إذ تزحف الصين نحوها الواحدة تلو الأخرى. ففي الدول الأفريقية المصدرة للنفط، مثل أنجولا ونيجيريا، نرى الصين منهمكة في تعبيد الطرق وصيانتها، وفي الوقت ذاته فهي تنشغل بإبرام عقود التنقيب عن الحقول النفطية الجديدة في كل من غينيا والكونجو.

ولا يتوقف الأمر عند الدول المنتجة للنفط وحدها، بل يشمل كذلك انشغال شركات التعدين الصينية باستخراج الكوبالت والبوكسيت بكميات تجارية في دول القارة الأخرى التي اضطرت الشركات العالمية الأخرى لهجرها والتخلي عنها بسبب عدم استقرارها سياسياً وانتشار ممارسات الفساد فيها.

ليس ذلك فحسب، بل أصبحت الصين دولة محركة للاقتصادات الزراعية في دول القارة، مثل ساحل العاج التي كانت جوهرة في عقد القارة خلال مرحلة ما بعد الاستعمار الفرنسي. فهناك تبني الشركات الصينية اقتصاداً زراعياً جديداً في منطقة يوموسوكرو، حيث توفر القروض الزراعية للفلاحين.

وبتحقيقها لمصالحها الاستراتيجية في الكثير من دول القارة، تمكنت الصين من خلق ما بدأ يعتقده الكثير من الأفارقة من أن قارتهم تشهد الآن أهم لحظاتها التاريخية منذ نهاية فترة الحرب الباردة، حيث انتشرت الديمقراطيات، بينما كانت ترى الدول الغربية أن إحلال السلام في أفريقيا هو الطريق الوحيد للتخفيف من وطأة حدة الفقر فيها.

غير أن ذلك التحالف الغربي الأفريقي سرعان ما تفكك، متأثراً بتصاعد شكاوى الغربيين من انتشار ممارسات الفساد بين قادة ودول القارة، مصحوباً بعدم أهلية الحكم، بينما تعالت شكاوى الأفارقة من عدم إيفاء الغرب بوعوده في مجال المساعدات الإنسانية، ومما وصفوه بأنه اقتصاد عالمي معاد لبلدانهم.

وفي ظل هذا الغياب أو الفراغ الغربي، جاءت الصين إلى أفقر دول القارة وأقلها تطوراً مثل تشاد، بجيوب محشوة بالأموال ووعود بالمساعدات وحفز التغيير الاقتصادي. والاختلاف الجوهري بين الصين والغرب، أن الصين ليست معنية كثيراً بما يجب أن يكون عليه الحكم في أفريقيا، بقدر إيمانها بقدرة الجميع على تحقيق النمو الاقتصادي والازدهار.

وكما قال "وانج ينجو" السفير الصيني بمقر إقامته في العاصمة التشادية انجمينا: "نحن نستثني تشاد من الرسوم المفروضة على الواردات الأجنبية" وعندما لاحظتُ وأنا أجري معه حواراً صحفياً وقتها: "لكن ليس لتشاد أي صادرات أخرى عدا نفطها الخام!"، رد علي بقوله: "إن لم تكن لهم صادرات أخرى غير النفط اليوم، فسوف تكون لهم حتماً غداً". ولكي تساعد الصين في تحقيق هذا الحلم، بادرت شركاتها إلى بناء أول مصفاة للنفط في تشاد، بالإضافة الى تعبيد عدد من الطرق الجديدة، وبناء قنوات للري الزراعي، فضلاً عن إنشائها أول شبكة من نوعها في البلاد للهواتف المحمولة. وليست جميع هذه المشاريع التي يجري تنفيذها متزامنة مع بعضها البعض، سوى بداية لا أكثر.

وبفضل هذه الجهود الاستثمارية الصينية المكثفة على امتداد دول القارة كلها، فقد نمت قيمة تبادلاتها التجارية مع دول القارة إلى حوالي 55 مليار دولار في العام الماضي وحده، مقارنة بما كانت عليه قيمة هذه التبادلات في عقد الثمانينات، إذ كانت أقل من 10 ملايين دولار.

ولكي تحقق الصين هذا النمو الهائل، فقد تعين عليها تجاوز مؤسسات التمويل الدولي؛ مثل البنك الدولي للتنمية والتعمير، وصندوق النقد الدولي، وهي مؤسسات تشترط للتمويل عدة معايير تشمل توفر الحد الأدنى من الشفافية وطرح المناقصات المفتوحة للتعاقدات، إلى جانب إجراء الدراسات المتخصصة حول الأثر البيئي للمشروعات المراد تمويلها وفوق ذلك كله، تقوم هذه المؤسسات بإجراء تقييم شامل للقروض والسياسات المطبقة في الدولة المعينة التي تتقدم بطلب تمويل لمشروعاتها التنموية .

ومن ناحية أخرى، فإن النموذج الذي تتبناه الصين في شراكتها التنموية مع أفريقيا، إنما يشير إلى انتكاسة كبيرة عن نهج الشراكة التنموية بين القارة والغرب، وهو ما يرى الكثيرون أنه كان نهجا كارثيا أسهم في تأخر القارة بدلاً من الإسهام في تقدمها. وهذا ما أكده الرئيس التشادي إدريس ديبي بتساؤله الحائر: بأي شكل من الأشكال تقدمت القارة عبر شراكتها مع الغرب؟ وأي القطاعات الاقتصادية فيها شهدت تقدماً فعلياً ملموساً؟!

لكن رغم هذه الجهود الاستثمارية الكبيرة التي تبذلها بكين في دول القارة الأفريقية، فإن شكوكاً كبيرة تثار حول ما إذا كان النهم الصيني للمواد الخام الأفريقية، سيساعد القارة على النهوض والنمو، أم سيجعلها أكثر فقراً وتخلفاً؟

كما تثار الشكوك نفسها حول ما إذا كان عدم تقيد الصين بأي معايير خاصة بتوفر إجراءات المراجعة المالية والشفافية والديمقراطية ونزاهة الاستثمار، فضلاً عن احترام حقوق الإنسان... كشروط لازمة لإبرامها الصفقات والعقود مع دول القارة، سيساعد الأفارقة على التخلص من فقرهم، أم أنه سيزيد نخبهم غنى ويجعلها أكثر عزلة عن شعوبها؟

*مراسلا صحيفة نيويورك تايمز في كودجيالي- تشاد

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"