متابعات لما صدر حول قانون النفط الجديد

(1)

 

 

حمزة الجواهري

 

 

أسئلة مطلوب الإجابة عليها من قبل مروجي عقود المشاركة بالإنتاج

صدرت عدة مقالات ورسائل مفتوحة وأخرى مغلقة تعالج موضوع عقود المشركة بالإنتاج خلال الفترة السابقة جميعها على درجة عالية من الأهمية.

هذه المتابعات سأحاول التعرض لهذه المقالات والمراسلات التي تتعلق بالموضوع في حلقات لغرض التعليق عليها من ناحية وأرشفة هذه المداخلات لأهميتها. وسوف تصدر هذه السلسلة من المقالات تباعا بنفس العنوان.

إن أي حديث يجافي المنطق العلمي السليم بمعالجة موضوع ذو شأن كبير كهذا الأمر الذي يتعلق بمستقبل الصناعة النفطية في بلد يطفوا على بحار من النفط ومازال تحت الاحتلال بحكومة هشة وتخضع لضغوط داخلية ودولية لا قبل لها بها على الإطلاق، يعد مسؤولية كبيرة يتحملها صاحب الرأي، لذا أعتقد أن المسؤولية الأخلاقية تملي على من يتحدث عن مسودة قانون النفط أن يكون دقيقا فيما يذهب إليه من آراء خصوصا وإن الثقافة النفطية بقيت بعيدة عن الإنسان العراقي منذ أن اكتشف النفط في العراق ولحد الآن، وهذه كانت رغبة مشتركة للشركات الاحتكارية أو الحكومات العراقية المتعاقبة منذ تأسيس الدولة العراقية ولحد الآن، وكمحاولة منا لسد هذا النقص، سوف لن أكتفي برأي أتبناه ولكن بنقد الرأي الآخر نقدا موضوعيا.

في الحقيقة إن أحاديث المختصين، المروجين لعقود المشاركة بالإنتاج تتمحور حول مشروعية وجدوى هذه العقود، وهذه الفئة فقط معنية بالحوار، حيث سيقت في آرائهم مبررات متهافتة لا تعتمد المنطق العلمي والواقعي، وفي هذه الحلقة من هذا المسلسل لست بصدد الرد عليها أو مناقشتها بالكامل، ولكن بودي أعادة التساؤلات التي طالما طرحتها في مواضيع سابقة، وطرحها غيري من المختصين، تتعلق بهذا الموضوع، سأكتفي بستة منها طالبا الرد عليها، لأن تم التجاوز على الكثير من الحقائق دون مبرر.

الأسئلة المطلوب الإجابة عليها من قبل المتخصصين المؤيدين لعقود المشاركة بالإنتاج:

أولا: في معنى التطوير البترولي

إن عمليات التطوير البترولي ما هي إلا مجموعة من الخدمات تقدم من قبل شركات القطاع الخاص، سواء كان هذا القطاع وطني أو أجنبي، يقدم خدمات تخصصية أو خدمات عامة وبسيطة. وإن المستثمر الذي يحصل على عقد المشاركة بالإنتاج، أو ما سمي بعقود التطوير والإنتاج أو الرسك في المسودة، فإنه في النهاية سوف يقوم بالتطوير من خلال منح عقود الخدمة لشركات التطوير البترولي التخصصية والشركات الأخرى ذات الطبيعة العامة.

السؤال المطلوب الإجابة عليه في هذا الصدد هو:

إذا كان صاحب العقد، أيا كان، يستطيع القيام بتطوير الحقول وفق عقود الخدمة، لماذا لا تستطيع شركة النفط الوطنية القيام بذلك أيضا؟! خصوصا وأن شركة نفط الجنوب قامت خلال السنوات الأخيرة بعد سقوط النظام بتطوير ما يزيد على خمسة حقول وفق عقود الخدمة تحديدا، مثل تطوير رطاوي وغرب القرنة1 وتطوير مجنون الأولي ومكمن السجيل الأعلى من تكوين الزبير في حقل الرميلة الجنوبي، إضافة إلى خمسة حقول تحت التطوير حاليا في محافظتي ميسان وذي قار إضافة إلى حقل سادس وهو غرب القرنة2 لم يبدأ العمل به لحد الآن، هذا بالرغم من أنها مازالت مكبلة تماما من قبل الأنظمة البالية التي تعمل بها، فماذا ستفعل لو انطلقت انطلاقتها الصحيحة بعد إعادة هيكلتها ورفع الحيف عن منتسبيها؟

ثانيا: الكوادر العراقية التكنولوجيا الحديثة

من المبررات المتهافتة التي تساق في هذا الموضوع هو أن الشركة بعيدة عن التكنولوجيا الحديثة لمدة عقود بسبب الحصار في الحقيقة إن التكنولوجيا الحديثة لا يمكن حصرها بجهاز أو تقنية معينة، لأنها كثيرة جدا، ولا يوجد مهندس ملم بهذه التكنولوجيا بالكامل، وفي أغلب الأحيان يتعامل المهندسين والفنيين مع تكنولوجيا لم يتعاملوا معها سابقا، ذلك لأن التأهيل الأكاديمي للمهندس يجعل منه مهيأ لقبول وتفهم الجديد في هذا المجال بسرعة شديدة، كما وأن الشركات المصنعة لهذه التكنولوجيا هي التي تطرق الأبواب في العادة بحثا عن زبون جديد، وتقدم جميع التسهيلات المطلوبة، وتقدم معلومات كافية عن بضاعتها، وفي العموم الغالي تقدم أيضا سمنرات لترويج البضاعة أو التكنولوجيا التي جائت بها، وبعد التعاقد معها على استخدام هذه التكنولوجيا تقدم دورات تدريبية للعاملين في الشركة التي اشترت هذه التكنولوجيا، وقد تصل ساعات التدريب إلى عدة آلاف من ساعات التدريب في بلد الشركة المصنعة. لذا لا يعتبر نقص التكنولوجيا أمرا معوقا لشركة النفط الوطنية بأي حال.

السؤال المطلوب الإجابة عليه بهذا الصدد:

إذا كان المهندسين والفنيين في أي مكان في العالم غير ملمين بالتكنولوجيا الحديثة بالكامل ويستفادون من الدورات التدريبية والسمنرات والوثائق التوضيحية للتكنولوجيا الحديثة، لماذا لا يصح ذلك على مهندسي وفنيي الشركة الوطنية؟

ثالثا: كفاية الكادر عدديا:

من الذرائع التي تساق أيضا، أن شركة النفط الوطنية لا تملك الكادر الكافي للقيام بهذا الدور الكبير المناط بها، وهذا الأمر صحيحا أيضا بالنسبة للمستثمر يوم استلامه عقد المشاركة بالإنتاج، أي لا يوجد لديه الكادر الكافي للقيام بالتطوير، لأن لا توجد شركة في العالم تدخر كادر يجلس في المكاتب انتظارا لحصول الشركة على عقود تطوير جديدة في مكان ما من العالم، لذا نجد أن الشركات إما أنها توظف كوادر جديدة للقيام بهذا العمل، أو أنها تعهد به إلى شركات خدمية وفق عقد خدمة للقيام بالعمل نيابة عنها بوجود ممثل أو عدد من الممثلين لها في بعض مفاصل العمل، وحتى بعد الانتهاء من عمليات التطوير الأولى، يمكن للشركات الخدمية القيام بكل العمليات الإنتاجية وفق عقود خدمة أيضا، وهذا ما تقوم به الشركات في العادة.

مما لا شك فيه أن إعادة الهيكلة للشركات النفطية وتخليصها من البطالة المقنعة والترهل الوظيفي ورفدها بكوادر جديدة متطورة، في هيكلة جديدة سيوفر أموالا طائلة والعديد من الوظائف لتقوم بأدوار التطوير الجديد أو رفد القطاع الخاص بالطاقات التي يطلبها في تنافس حر في سوق العمل، ذلك لأن الإبقاء على هذه الحالة المتردية حاليا يعني حقا أن الشركات العراقية لا تستطيع مواجهة التحديات الجديدة.

السؤال الذي نطالب بالإجابة عليه هو:

إذا كان المستثمر يستطيع استقدام كوادر لتطوير حقول جديدة، لماذا لا تستطيع شركة النفط الوطنية القيام بذلك؟

وإذا كان الأمر يتعلق بضعف الكادر، لماذا لا ينصب التركيز على إعادة تأهيل شركة النفط الوطنية وأن تأخذ النسبة التي اقترحها القانون الجديد من واردات النفط لتستطيع استقطاب كفاءات عراقية مهدرة يقدر عددها بثلاثة ملايين مختص في مجال عمله منتشرين في أرجاء المعمورة، وأن تستطيع الارتقاء بمستوى العمل فيها بدلا من التفريط بالنفط من خلال عقود المشاركة بذريعة أن كوادر الشركة الوطنية غير مؤهلة للقيام بالدور المطلوب منها؟

رابعا: الأموال المطلوبة لتطوير الحقول:

بما يتعلق بالرسك، أو عامل المجازفة في الصناعة الاستخراجية، فهو غير موجود بالمرة، لأن أي قرض من البنوك لغرض تطوير الحقول يجب أن يكون مضمونا بحجم الاحتياطي ومؤمنا عليه مع شركة تأمين كبرى، حيث من المعروف أن الشركات العالمية أو أي مستثمر لا يمتلك السيولة المالية للقيام بأي عمل مهما كان صغيرا، وإن الشركات في العادة تسعى إلى البنوك للحصول على الأموال الكافية للقيام بتنفيذ أي عقد تحصل عليه كما أسلفنا، حيث أن البنوك تطلب اولا العقد ومن ثم تطلب الضمانات الكافية لتأمين استرداد الأموال مع الأرباح، وفي العادة، بالنسبة لشركات النفط، تكون مكفولة بحجم الاحتياطي المسجل بعهدة الشركة، وليس بالضرورة أنها تملكه، كما وأن شركات التأمين تطالب بنفس الضمانات للقيام بالتأمين على القرض. الأهم من هذا وذاك، هو أن أي مشروع تطوير لاستخراج النفط يسترد الأموال التي صرفت عليه خلا فترة الإنتاج التجريبي فقط.

السؤال المطلوب الإجابة عليه هو:

إذا كانت الأموال التي يتحصل عليها المستثمر مؤمنة بهذا الشكل، لماذا لا تكون أموال شركة النفط الوطنية مؤمنة بنفس الطريقة؟

خصوصا وأن شركة النفط الوطنية لديها من الاحتياطي ما يزيد على أي شركة أخرى في العالم وإن الدولة العراقية تستطيع أيضا ضمان الشركة لدى البنوك العالمية، فلماذا لا تستطيع توفير الأموال المطلوبة لتطوير الحقول؟

هذا إذا أردنا تجنب الحصول على الأموال المطلوبة من ميزانية الدولة أو الاقتراض من صندوق المستقبل الذي يقترحه القانون الجديد.

خامسا: الأمن المفقود حاليا:

لا أعتقد أن المستثمر الأجنبي أو المحلي يستطيع المغامرة بوجوده وأمواله في العراق حاليا بسبب غياب الآمن، في حين أن كوادر وعمال الشركات الوطنية بقيت تعمل تحت القصف وتكافح الحرائق وتعيد بناء المتهدم منها وتعمل ليل نهار طيلة أربعة عقود، بل وتنحت بالصخر من أجل استمرار الإنتاج، وقد نجحت بهذا الأمر لحد الآن، وهي الآن تطور حقولا جديدة وتستعد إلى إعادة هيكلة حسب القانون الجديد بما يسمح بانطلاقة صحيحة وقوية.

السؤال المطلوب الإجابة عليه هو:

هل حقا هناك شركة مستثمرة تمتلك روح المغامرة كما تفعل الشركات الوطنية الآن وتتقدم للعمل بظل الوضع الأمني المتدهور؟

سادسا: العوامل السياسية:

من المعروف أن الضغوط الخارجية على الحكومة لا تطاق، وآخرها تهديد أقطاب الإدارة الأمريكية بالويل والثبور للحكومة إذا لم تسعى إلى إصدار قانون النفط تحديدا لفسح المجال أمام الشركات العالمية بدخول العراق مجددا من جديد من خلال عقود المشاركة بالإنتاج بأنواعها المتعددة. ل

قد أصبح هذا الأمر معروفا للقاصي والداني، لكن هل حقا تقف الحكومة والبرلمان عاجزين أمام هذه الرغبة الجامحة؟

حيث أن هناك صيغ أخرى يمكن أن ترضي هذه الدول غير هذه العقود، وحتى بمنح هذه العقود شرط ربطها بتصنيع النفط والغاز المنتج وكذا حصرها بالحقول الصغيرة والمعقدة من ناحية التحديات الفنية بالتطوير أو الإنتاج أو نسبة الاستخلاص.

السؤال المطلوب الإجابة عليه هو:

هل تمت دراسة هذا الشرط من الناحية الاقتصادية والقانونية لكي يحقق الأغراض التي يسعى إليها العراق قبل أن تكون مطلبا للدول العظمى؟ وهل يمكن صياغتها بشكل قانوني لا يتعارض مع مبدأ السيادة الوطنية؟

في الحقيقة كنت قد طرحت هذه الأسئلة في العديد من مقالاتي السابقة على جميع السادة الذين يروجون لعقود المشاركة بالإنتاج، فلم ألقى جوابا من أي منهم وأتمنى لو استطاعوا الإجابة عليها. حيث لم نسمع منهم سوى إعادة لذات الفكرة التي تمسكوا بها، أي أنهم يرفضون الحديث أو النقاش حول طروحاتهم، وهذا ما أتركه لحكم للقارئ، فهو الآخر يملك حق المشاركة بصياغة القانون الذي يضمن ملكيته للنفط وفق الدستور.

* مهندس مختص بإنتاج وتطوير حقول النفط والغاز

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: المثثقف السياسي-11-8-2007