"ضريبة الكربون"... ضمانة إقلاعٍ أقوى للاقتصاد الصيني

 

 

ماكسميليان أوفهامر

 

 

توشك الصين أن تصبح أكبر دولة في العالم مسؤولة عن انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري بعدما كانت الولايات المتحدة تحتكر المرتبة الأولى في هذا المجال منذ عام 1890.

لذا فإن الوقت قد حان لكي تقود الصين جهود خفض انبعاث الغازات الملوثة وتسبق الولايات المتحدة التي فشلت جهودها في تحقيق الهدف المنشود وتقليص الانبعاثات المسببة للتغير المناخي.

وفي هذا الإطار يتعين على الصين البدء بفرض ضريبة على الكربون الناجم عن استهلاكها للوقود الأحفوري، وقيادة الجهود مع شركائها التجاريين لإقناعهم بفرض الضريبة نفسها.

وستجني الصين فوائد جمة إذا ما دفعت في اتجاه تطبيق الضريبة على الكربون؛ أهمها تقليص الوفيات بين مئات الآلاف من مواطنيها بسبب التلوث الناتج عن الإفراط في استهلاك الوقود الأحفوري، لاسيما حرق كميات كبيرة من الفحم المسبب للتلوث.

كما أن العمل على تشجيع استثمارات لإنتاج بضائع فعالة من حيث استهلاك الطاقة، عبر فرض ضريبة على الكربون، سيساهم في ادخار تكلفة الطاقة طيلة فترة الاستثمارات.

ولا ننسى أيضاً أن الاحتياجات المتنامية للاقتصاد الصيني التي تفرضها ضرورات النمو المتصاعد، تتجاوز قدرة الدولة على توفير البنية التحتية الضرورية لمواكبة هذا النمو المتسارع؛ لذا ستكون ضريبة الكربون فرصة حقيقية لإبطاء النمو الاقتصادي على المدى القصير حتى تتمكن الصين من توفير البنية التحتية وانطلاق الاقتصاد مرة أخرى  وفي النهاية سيقود ذلك إلى إقلاع اقتصادي أكثر قوة من السابق عبر تحقيق معدلات نمو مرتفعة.

وإذا ما تخوفت الصين من تأثير ضريبة الكربون على النمو الاقتصادي، فإنه يمكنها إدراج تلك الضريبة ضمن العائدات الضريبية العادية، مع تقليص ضرائب أخرى. وبالنسبة للصين، كما هو شأن العديد من الدول الصناعية الأخرى، تشكل ضريبة الكربون فرصة لجني مزيد من الفوائد، لاسيما أنها ستكون من الناحية الاقتصادية أكثر فعالية مقارنة مع أنواع أخرى من الضرائب.

وبسبب الطبيعة الواضحة لتلك الضريبة سيكون من الصعب التهرب منها، فضلاً عن سهولة تحصيلها من قبل أجهزة الدولة، ناهيك عن طابعها التقدمي مقارنة مع باقي الضرائب.

وبالطبع يعتبر بروتوكول "كيوتو" البديل الوحيد المتوفر حالياً لفرض ضريبة عالمية على الكربون، لكنه اتفاق صادقت عليه الدول الصناعية في العالم خلا الولايات المتحدة وأستراليا.

وقد تنضم الولايات المتحدة إلى مجموعة الدول الموقعة على البروتوكول وتقبل بوضع قيود على انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وإن كان في موعد لاحق. وبدون شك، سيكون مثل هذا التطور مناسباً للصين التي تطالب الدول الصناعية بتحمل الجزء الأكبر لعبء التقليص من انبعاثات الغازات الملوثة، بينما يستمر اقتصادها في التوسع والنمو.

غير أن ذلك لن يساهم كثيراً في الحد من الانبعاثات التي تطلقها الصين والتي تعادل في حجمها ما تطلقه فرنسا  والواقع أنه ما لم تعمل الصين على خفض انبعاثاتها الخاصة من الغازات، ستظل مشكلة التغير المناخي والاحترار الأرضي قائمة دون حل.

فالصين تستند في امتناعها عن خفض انبعاث الكربون إلى أن الدول ذات الاقتصاديات المتقدمة هي أكثر من ساهم في انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري، لذا عليها أن تتحمل العبء الأكبر في تقليص الانبعاثات.

ومع أن الموقف الصيني يلاقي دعماً كبيراً من قبل الدول النامية، فإن الإصرار عليه في ظل تحفظ الدول المتقدمة، ستكون له نتائج وخيمة على مستقبل الأرض التي بدأت تئن تحت وطأة التغييرات المناخية.

ويبقى المخرج الوحيد من هذه المعضلة هو توصل الدول التجارية الكبرى إلى اتفاق مشترك لإقرار ضريبة معقولة على الكربون  وستكون الصين أكثر الدول المستفيدة، بل من المرجح أن تكون الفوائد عالية إلى درجة قد تدفع بكين إلى تبني الضريبة حتى في حال رفض الدول الأخرى تطبيقها.

فالأمر سيكون أقل تكلفة بالنسبة للصين مقارنة مع باقي الدول بسبب الاستهلاك غير الفعال للوقود الأحفوري من قبل قطاعات الاقتصاد المختلفة، وبالتالي فإن ترشيد الاستهلاك عن طريق فرض ضريبة الكربون لن يضر كثيراً بالاقتصاد.

وستتضاعف المكاسب أكثر إذا ما وافقت الدول الصناعية على فرض رسوم جمركية على الواردات تساوي الحد الأدنى من الضريبة على الكربون المتفق عليها، لكن تعفى منها الدولة التي فرضت ضريبة على صادراتها.

لكن يبقى السؤال الحقيقي ما إذا كانت الصين مستعدة لفرض الضريبة على الكربون، لاسيما أن خبراء الاقتصاد متفقون على أنها السبيل الوحيد لوقف التغيرات المناخية التي تطال كوكب الأرض.

وعلى الصين أيضاً أن تغلب المصالح الاقتصادية البعيدة المدى على متطلبات النمو الآنية وأن تقنع شعبها بضرورة رفع سعر الوقود الأحفوري، والأكثر من ذلك، عليها وضع مصلحة المواطنين في المقدمة وضمان سلامتهم الصحية من خلال العيش في بيئة خالية من التلوث.

 *أستاذ الاقتصاد الزراعي في جامعة كاليفورنيا

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية - ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"- 4-8-2007