تسييل الفحم... محاولة لضمان أمن الطاقة الأميركي

 

 

لاول ميلر

 

 

تقول المأثورة القديمة: "لا يمكن عصر الحجر". ولكن لما كان الوقود السائل هو قوام قطاع النقل، فإن التكنولوجيا والاقتصاد تضافرا ليدحضا هذه المقولة، وبات من الممكن اليوم "تسييل الحجر"، إذ يمكن استخراج الديزل وغيره من وقود النقل من الفحم، وذلك بثمن تنافسي مقارنة مع أنواع الوقود المشتقة من النفط. وتلك في الواقع أخبار سارة بالنسبة للولايات المتحدة.

الحقيقة أن العملية الكيماوية-الصناعية الخاصة باستخراج وقود الديزل ووقود الطائرات ومنتجات أخرى من الفحم متاحة منذ عقود، غير أن التقدم التكنولوجي والزيادة المضطردة في أسعار النفط تضافرا في السنوات الأخيرة ليجعلا من "تسييل الفحم" (تحويل الفحم إلى سائل) أحد الحلول الجذابة لأمن الطاقة الأميركي من دون الإضرار بالبيئة.

من مصلحة المعنيين بأمن الطاقة الحصول على مصادر موثوقة لإنتاج الطاقة لا تضر بالبيئة، ومتاحة في جزئها الأكبر من موارد داخلية والواقع أن الفحم يستوفي هذه الأمور؛ ذلك أن الولايات المتحدة تفوق أي بلد آخر من حيث موارد الفحم، حيث تتوفر على نحو ربع مجموع الفحم العالمي.

وهو ما يفسر حقيقة أن الفحم يمثل مَصدر نصف الكهرباء المنتجة في الولايات المتحدة  وعلاوة على ذلك، فإن "مجلس الفحم الوطني"، وهو هيئة استشارية لوزير الطاقة، يقدر أنه بإمكان إمدادات الفحم أن توفر 100 جيجاوات إضافية من الكهرباء بحلول 2025، و2.6 مليون برميل من الوقود المستخرج من الفحم يومياً، و4 تريليونات قدم مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً، إضافة إلى منتجات أخرى، ومما يذكر في هذا السياق أن القوات الجوية اختبرت بنجاح خليطاً من وقود الطائرات المستخرج من الفحم في طائراتها.

أما الاعتراضات البيئية على استعمال الفحم، فقد كانت دائماً موجودة، غير أن التطور التكنولوجي يلغيها ويبطلها، إذ ما فتئت محطات الفحم تصبح أنظف وأكثر احتراماً للبئية؛ وإضافة إلى ذلك، فمن المتوقع أن تتوفر الولايات المتحدة في غضون بضع سنوات على محطة فحمية اختبارية تقارب انبعاثاتها الصفر وتسمى "فيوتشر-جين".

الحقيقة أن كل هذه المزايا واضحة وجذابة؛ غير أن بناء أول محطات تسييل الفحم، ومثلما هو الحال بالنسبة لأي مجهود صناعي جديد، سيواجه تحديات جمة.

ذلك أنه لم يسبق أبداً أن تم جمع هذه التكنولوجيات في مشروع رئيسي واحد؛ كما أن لا أحد يريد أن يجازف وينشئ أول مصنع من نوعه من دون احترازات واحتياطات وقائية.

وهو ما يفسر تداول عدة مشاريع قوانين في الكونجرس، ترمي إلى تشجيع تطوير وتنمية تسييل الفحم عبر تقديم ضمانات القروض ومحفزات ضريبية مختلفة.

وبينما ينكب المشرعون على تباحث هذه الأمور في الكونجرس، يعمل المطورون على مخططات تسييل الفحم مع حكام وحكومات ولايات ألاسكا، ومونتانا، وإنديانا، وبنسلفينيا، وأوهايو، وويست فرجينيا، ولويزيانا.

بيد أن الأمور تتطور بسرعة أكبر في الخارج، حيث تستعد ثلاثة من أكبر بلدان العالم من حيث عدد السكان لاستغلال موارد الفحم التي تتوفر عليها وتقليص اعتمادها على النفط.

وفي هذا الإطار، تتوقع الصين أن تنتج، باستعمال تكنولوجيا طورتها وزارة الطاقة 20000 برميل من الوقود يومياً من أول مصنع لها لتسييل الفحم قبل نهاية العام الجاري. وعلاوة على ذلك، يرتقب أن تنتج المحطة، بعد انتهاء أشغال التوسعة المرتقبة، 200000 برميل من الوقود يومياً. والمشروع موضوع الحديث ليس سوى الأول من نوعه ضمن مشاريع أخرى لتسييل الفحم في الصين رصدت لها 127 مليار دولار.

ومن جانبها، اتفقت إندونيسيا مع أحد الشركاء الخواص على إنشاء محطة لتسييل الفحم بقيمة 6 مليارات دولار، يرتقب أن تنتج 29 مليون برميل من وقود الديزل سنوياً.

هذا في حين تنكب الحكومة الهندية على دراسة وبحث طرق تطبيق استراتيجية تسييل الفحم. وإضافة إلى ذلك، تعمل أستراليا ونيوزيلاند على التخطيط لبناء أول منشأتين لهما لتسييل الفحم.

وكما هو معلوم، فإن السوق في الولايات المتحدة، وكما هو الحال دائماً، هو الذي يحدد مدى قدرة تكنولوجيا أومنتوج ما على التنافس مع أنواع أخرى من الوقود، في هذه الحال، أنواع الوقود المشتقة من النفط. غير أن وزارة الطاقة تتوقع أن تعمل المحطات الثلاث أوالأربع الأوائل لوقود الديزل المستخرج من الفحم بشكل تنافسي مع محطات الوقود المشتق من النفط.

حتى عهد قريب، كانت أنواع الوقود المشتقة من الفحم تعتبر غير تنافسية نظراً لأن النفط كان رخيصاً نسبياً، حيث كان يتراوح سعره ما بين 17 و18 دولاراً للبرميل في الثمانينات، ونحو 20 دولاراً للبرميل في التسعينات؛ ونحو 30 دولاراً في السنوات الأوائل من هذا العقد.

ويبدو أن هذه الأسعار باتت اليوم شيئاً من الماضي؛ إذ تتوقع "إدارة معلومات الطاقة" أن تتراوح أسعار النفط الخام ما بين 50 و60 دولاراً في عام 2030.

وبالنظر إلى هذه الأسعار، يمكن القول: إن أنواع الوقود المشتقة من الفحم تستطيع أن توفر إضافة تنافسية ونظيفة للوقود المشتق من النفط، وهو ما من شأنه أن يساهم بشكل مهم في تقليص الحاجة إلى النفط المستورد، ويساهم بالتالي في تحقيق أمن الطاقة.

*مدير مكتب الهيدروجين ووقود الفحم النظيف بوزارة الطاقة الأميركية

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-4-8-2007