اقتصاد المعرفة... والسرعة الفائقة للتدفقات المالية

 

 

آلفن توفلر

 

 

مع تريليونات الدولارات التي تجوب العالم جيئة وذهاباً، عابرة المسافات والقارات بين الصين وأميركا وبريطانيا والبرازيل، دع عنك ذكر الهند والمملكة العربية السعودية واليابان وتركيا ... إلى آخره، فقد أصبح الجزء الأكبر من الاقتصاد العالمي خارجاً عن السيطرة وفاقداً لتوازنه. فعلى سبيل المثال، يشير الاقتصاديون إلى سندات الخزانة الأميركية الضخمة، المودعة حالياً بالبنك المركزي الصيني، وهي سندات تبلغ قيمتها المالية ما يزيد على 400 مليار دولار. ويشير هؤلاء الاقتصاديون إلى التداعيات المخيفة التي ربما تترتب عن قرار صيني مفاجئ بالانسحاب من سوق السندات المالية الأميركية، واتجاهها لاستثمار أموالها بالعملة الأوروبية الموحدة "اليورو" وغيره من العملات الأخرى، بديلاً للدولار الأميركي. وضمن هذا السياق، نشرت صحيفة "تشينا ديلي" تقريراً عن بيع الصين للمزيد من السندات الأميركية في شهر أبريل المنصرم، وقد زاد حجم هذه المبيعات على أي مبيعات سابقة لها، خلال السنوات السبع الماضية. وبعد، فإن السؤال الذي نثيره هنا: هل تقف هذه القوة المالية الصينية، دليلاً آخر على أن بكين تواصل تقدمها الحثيث نحو مستقبلها كدولة عظمى؟ إن كان الأمر كذلك، فلماذا حدث رئيس الوزراء الصيني، "وين جيابو" أعضاء الكونجرس الوطني الشعبي مؤخراً عن افتقار اقتصاد بلاده النامي والمتسع للاستقرار والتوازن، إلى جانب افتقاره للاستدامة والتنسيق؟ وعلينا أن نفكر في التداعيات المحتملة لنظام مالي عالمي غير مستقر وغير متوازن، إلى جانب كونه غير مستدام وغير متناسق بحد ذاته.

ومما لا ريب فيه أن هناك أسباباً عديدة تفسر ما يحدث الآن، وأن الاقتصاديين سارعوا إلى توضيح مسببات ما يجري للاقتصاد العالمي. غير أنه قلما انتبه المراقبون إلى تنامي ظاهرة انعدام التنسيق بين العمليات الرئيسية الجارية في حقل الاقتصاد العالمي.

ولعلنا نجد إشارات قوية لهذه الظاهرة في مقال للكاتب "مارتن وولف"، المحلل الاقتصادي الرئيسي لصحيفة "فاينانشيال تايمز". فعلى رغم الهدوء وانخفاض النبرة الانفعالية التي كتب بها المقال كعادة البريطانيين في الكتابة، فإنه تمكن من رسم صورة مفزعة، وبها ما يكفي من إثارة القلق، لطرد النعاس من عينيك ليلاً.

وقد بدأ "وولف" رسم صورته هذه، بالإشارة إلى أن السرعة التي تنمو بها الأصول المالية العالمية اليوم، تتم بمعدل لا مثيل له، خاصة إذا قورنت بمعدل نمو الإنتاجية العالمية.

واستشهد الكاتب بدراسة أعدها "معهد ماكينزي جلوبال" جاء فيها أن معدل نمو الأصول المالية العالمية، قياساً إلى حجم الإنتاج العالمي السنوي، قد ازداد ثلاثة أضعاف خلال الخمسة وعشرين عاماً الماضية.

وليس المقصود بهذا، سرعة نمو الأصول المالية، قياساً إلى حجم نمو الإنتاجية العالمية فحسب، وإنما سرعة تداول الأصول المالية هذه، على نطاق العالم بأسره.

والشاهد أن نسباً أقل بكثير اليوم، من الأموال المودعة في الحسابات المصرفية، تبقى ساكنة تراوح مكانها في الخزانات المصرفية اليوم، أكثر من أي وقت مضى. أما الجزء الغالب من هذه الأموال، فهو لا يستقر على حال مطلقاً، ولا يكف عن الانخراط اليومي في معاملات وصفقات مالية لا تنتهي، في حالة يمكن وصفها بالطيران المالي. كما تتسم هذه الأموال الأخيرة بالذات، بقدر كبير من التعقيد والتنوع.

وبفضل هذا الانتشار الاشتقاقي للأموال، بمعنى كثرة وتنوع أشكال وخيارات استثماره، سواء كان في شكل سندات مالية مستقبلية، وفي عمليات التبادل والمقايضة التجاريتين وغيرها، فقد فاق نمو هذه الأموال بمعدل ستة أمثال النمو الذي حققه إجمالي الناتج العالمي.

والملاحظ أن الجزء الغالب من هذه الأموال تديره بيوت الاستثمارات الخاصة الصغيرة نسبياً، العاملة في مجال أرصدة المخاطرة الاستثمارية. والمعلوم أن حجم الأموال التي تستثمرها هذه البيوت، يقدر بحوالي 1.6 تريليون دولار، وأنها توظف لخدمة الوظائف التقليدية، التي يقوم بها المضاربون والوسطاء الماليون، على حد تعبير "وولف". يُضاف إلى هذا، أن تزايد عولمة تداول الأموال هذه، إنما يعني انفلات المزيد منها من رقابة الهيئات والأجهزة الرقابية الوطنية أو القومية، في وقت تقل فيه الرقابة المالية المفروضة على حركة الأموال عالمياً.

وعلى رغم الأهمية الكبيرة التي يحظى بها القطاع المالي، فإنه لا يمثل سوى عامل واحد فحسب، من العوامل المكونة لاقتصاد أي دولة من الدول.

وفي وسعنا تشبيه هذا العامل بالعضو الرئيسي لجسد ما. فعلى سبيل المثال، إذا ما حدث تضخم كبير وسريع في القلب أو الكلية، بما لا يتناسب وبقية الحجم الكلي لذلك الجسم، فإن هذا لا يعني سوى أحد خيارين: إما أن يكون المريض بهذا التضخم المرضي، تحت العناية الطبية المكثفة، أو أن يكون قد احتل مكانه سلفاً بين الموتى في غرفة المشرحة.

ولكي نضع كل هذا الأمر في ميزانه الصحيح، فإن علينا أن ننظر إلى ما وراء العامل المالي وحده  وعليه فقد أصاب "وولف" في لفته الأنظار إلى السرعة الفائقة التي تحدث بها المعاملات المالية في عالم اليوم.

بيد أن الملاحظة نفسها تنطبق إلى حد ما، على السرعة التي تحدث بها الاستثمارات التجارية بوجه عام. ذلك أنه أصبح لزاماً على الشركات، كي تبقى في حلبة المنافسة، أن تقدم المزيد من المنتجات للعملاء، بسرعة أكبر مما كانت عليه من قبل.

وبالقدر نفسه تظهر الوظائف الجديدة على نحو أكثر تواتراً أما الاتصالات فتكاد تكون متزامنة وآنية وبالنتيجة فقد ارتفعت شكوى الكثير من الناس على نطاق المعمورة قاطبة، من الشعور باللهث والجري اليومي، اللذين لم يعودا قاصرين على نطاق العمل وحده، وإنما اللهث والجري حتى في الحياة الشخصية والأسرية في البيت وسريعاً ما ينقضي اليوم وتتبخر الساعات ما بين أخذ الأولاد للعب والرياضة على سبيل المثال، والتسوق العائلي في أحد محال التسوق الكبيرة، على سبيل المثال.

إيجازاً، فإنه يلزم النظر إلى هذا التسارع الذي تتسم به المعاملات المالية في عالمنا الحالي، من زاوية أوسع وأكثر شمولاً، رغم أهميته البالغة والمقصود هنا أن ننظر إلى الظاهرة في إطار التحول الذي طرأ على البشرية من اقتصاد خط الإنتاج التجميعي، المميز لمجتمع الثورة الصناعية الأوروبية، إلى اقتصادات حديثة تطير على أجنحة السرعة، قوامها المعرفة، لا الخط الإنتاجي التقليدي.

ولكي نلاحظ الفرق جيداً بين هذين النمطين الاقتصاديين، فإن من شأن تأخير حضور عامل واحد، من عمال الخط التجميعي في اقتصاد الثورة الصناعية القديم، عن الموعد المقرر لبدء الدوام، أن يؤثر سلباً من الناحيتين الإنتاجية والزمنية على خط التجميع برمته.

ولذلك فقد اكتسبت دقة الزمن والتوقيت، أهمية كبيرة في ذلك الاقتصاد التقليدي، ما زاد من عدد ساعات اليد المستخدمة فيه، فضلاً عن إلزام العمال بتسجيل موعد دخولهم وخروجهم من مكان العمل آلياً، عبر آلة ضابطة للزمن حينئذ.

ونتيجة لارتفاع الإنتاج الجماهيري، فقد كان لزاماً على العمال أن يزدادوا حراكاً وسرعة في الإنتاج  وذلك هو ما أكسب الزمن، تلك الأهمية الحاسمة التي حظي بها.

أما في عالم اليوم، وفي ظل الاقتصادات القائمة على المعرفة هذه، فقد حدث العكس تماماً، فيما يتعلق بالأهمية الحاسمة لعنصر الزمن. ذلك أنه أصبح ميسوراً على المرء أن يشتري ما يشاء في أي وقت، مع توفر خدمة تجارة التجزئة على مدى 24 ساعة وطوال أيام الأسبوع.

وعلى رغم التسارع الذي حدث في مجال العمل والإنتاج، اكتسب مفهوم العمل نفسه طابعاً شخصياً يحدده العامل كما يشاء، مع ما نرى من تزايد في أعداد العاملين والموظفين الذين يؤدون مهامهم وواجباتهم من المنزل. كما يمكننا أن نلحظ التغيرات نفسها، في ما طرأ من انخفاض واضح لأهمية عنصر الزمن، لدى مقارنتنا للفارق بين مؤسسات القطاعين العام والخاص، بما في ذلك كبرى المؤسسات الحيوية مثل المدارس والمستشفيات والأجهزة الحكومية الرئيسية.

*كاتب أميركي متخصص في المستقبليات والمعلومات

و كل ذكل بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع "تريبيون ميديا سيرفيز" -30-7-2007