الخصخصة فى منظور الفكر الجديد؛ مصر أنموذجاً!!

 

سيد يوسف

نَهَبَ... َسَرقَ...(لَهَطَ)... باعَ... فَرَّطَ... فَسَدَ... أفسدَ...(تبلطج) ...خَنَقَ ...حَبَسَ...هذه مفردات الفكر الجديد فيما يتعلق بإدارة البلاد إن كان ثمة إدارة، وكم كان الدكتور جلال أمين دقيقا حين وصف عصر مبارك بأنه عصر "بيع مصر" ومن قبل كتب كثير من الذين يكادون يموتون كمدا وغيظا مما آلت إليه أحوال بلادنا محذرين من مغبة بيع مصر بثمن بخس ونهبها بشكل منظم وكأننا لا نعلم من المشترى!!

وقد شاهد المصريون تأخر بلادهم، وبيع ثرواتها بله نهبها نهبا منظما وبعضهم يسخر راجيا مبارك أن يبيع قناة السويس والأهرامات للمستثمرين لينضما إلى شركات عمر أفندي، وجامعة الإسكندرية... فإن لم يستطع حياء – وهو ما يكذبه الواقع- فليؤجرهما... وفى الخصخصة بعض منافع الكبار ممن ينتظرون الشراكة فى كعكة البلاد.

وجزاء الذين يعترضون على بيع بلادهم أو يتساءلون عن مصير الأموال التى بيعت بها أصول شركاتنا أن تلفق لهم التهم المعلبة، والاعتقالات مفتوحة أبوابها، وهتيفة النظام جاهزون للتشويه، والقضاة الشرفاء الذين يحكمون للشرفاء بالبراءة لا تنفذ وزارة الداخلية لهم تلك الأحكام!!

نماذج تدعو للأسف

* بالأمس القريب تجددت الأزمة بين الدكتور يوسف بطرس غالي وزير المالية والمستشار جودت الملط رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، حول مصير 13 مليار جنيه من عوائد برنامج الخصخصة الذي بدأت الحكومة تنفيذه في عام 1991م، وما خفى كان أعظم.

* وبالأمس القريب طرح بيع بنك الإسكندرية ثم أعلن بعد ذاك محافظ البنك المركزى أن الحكومة قد قررت خصخصة كل بنوك مصر، بما يحمله ذلك من مخاطر تهدد أركان الاقتصاد المصرى.

*وبالأمس القريب شهدنا ما حدث مع صفقة عمر أفندى وكيف أن أصول الشركات تباع بثمن بخس فضلا عما سبق ذلك من بيع شركات أخرى بطريقة متشابهة( النوبارية، المصرية لتعبئة الزجاجات- البيبسى- ، النصر للغلايات(المراجل البخارية)، الأهرام للمشروبات، شركات الأسمنت (أسيوط وبنى سويف والإسكندرية) .

*وبالأمس القريب هلل هتيفة النظام لبيع بنك القاهرة وكتب بعضهم فى الأهرام المصرية مزيفا الواقع قائلا: الهدف الحقيقي والنهائي لبرنامج خصخصة الاقتصاد القومي‏,‏ هو الارتفاع بمستوي إدارة الموارد الوطنية‏,‏ بحيث تحقق عائدا يسهم في تحسين مستويات المعيشة... وهر لا يراه المصريون بل يزدادون فقرا فى حين تزداد ثروات الكبار بالخصخصة وإلا فبم يفسر الهتيفة ما ذكره أ/ محمود عوض أن شركة «المراجل» البخارية كانت تنتج في الستينيات دروع الدبابات وفي مرحلة تالية تنتج معدات محطات الكهرباء، الشركة بمصانعها وأراضيها بيعت إلى مشترٍ أجنبي بسعر بخس تماما هو 16 مليون دولار... وبمجرد بيعها تعاقدت معها الحكومة على صناعة غلايات ومعدات محطات كهرباء قيمتها 650 مليون دولار؟!!

*كتب أ/ مصطفى بكرى عن بيع مصر فى المزاد وذكر أن فندق آمون أسوان بيع ب15 مليون جنيه مع منح حق الانتفاع بكامل مساحة أرض الفندق البالغة 11 ألفا و27 مترا مربعا لمدة 35 عاما تجدد تلقائيا لمدة مماثلة!!! يقول بكرى وقد سألت أحد كبار المختصين عما إذا كان الفندق يسبب خسارة للدولة فقيل لي: لا بالعكس فقد تم تأجير الفندق لإحدى الشركات بقيمة 2 مليون جنيه سنويا كانت تدخل إلي خزينة الدولة، سألت: ولماذا تم البيع إذا كنا لا نخسر شيئا؟ فقيل: إنها سياسة الخصخصة. كما ذكر بكرى أن  فندق سونستا بمدينة نصر فقد تم بيعه إلي رجل الأعمال رءوف غبور بثمانية ملايين جنيه مع أن الأرض التي يقام عليها الفندق تساوي حسب تقديرات الخبراء 24 مليون جنيه بخلاف المبني الضخم القديم عليها وشيراتون الغردقة بيع ب 24 مليون دولار رغم أنه يكسب سنويا ما يقارب هذا المبلغ، وقس علي ذلك كثيرا.

تساؤلات مشروعة

* أين ذهبت أموال الخصخصة؟ وأين الأرقام الصحيحة؟

الدكتور عبد الحميد الغزالى يشكك فى دقة وشمول البيانات حول حجم القطاع العام، وعدد وحداته، وقيمه وأصوله فمثلاً، بالنسبة لقيمة الأصول نجد كثيراً من التضارب والغموض فى الأرقام التى يعلنها متخذو القرار...فهل القيمة (94) بليون جنيه كما قدرتها وزارة قطاع الأعمال،أم القيمة (345) بليون جنيه كما تشير بعض التقديرات الحكومية، أم القيمة ( 550) بليون جنيه كما قدرها بنك الاستثمار القومى؟ وهل القيمة فعلاً بالجنيه أم بالدولار؟ وعلى أى أساس حسبت؟ هل حسبت وفقاً للقيمة الدفترية أم السوقية؟ وكيف تتم عملية الخصخصة؟ ما الأسس والمعايير المستخدمة فى اختيار الوحدات المرشحة للبيع وفى تقييم أصول هذه الوحدات؟ هل تعطى أولوية للوحدات المتعثرة أم الخاسرة أم للوحدات التى تحقق أرباحاً، وما هى المبررات؟ ومن يحق له أن يشترى هذه الوحدات؟ هل المصريون فقط، أم المصريون والأجانب، أم الأجانب، ولماذا ؟

* متى يُستأذن صاحب المال ...متى؟ ولمن يباع الوطن ...لمن؟

كتب الدكتور عبد الحميد الغزالى: إن أصول القطاع العام دستورياً ملك للشعب المصرى، ومن ثم يتعين حصر عملية البيع فى المصريين، والمصريين فقط ... فلدينا نحن المصريين أموال تكفى تغطية الثمن " العادل " لكل المشروعات المطروحة للبيع، والدليل على ذلك ما أثبتته ظاهرة شركات توظيف الأموال من ناحية، وأموال المصريين المودعة فى الخارج، والتى تقدر بنحو (200) بليون دولار من ناحية أخرى، والاكتتاب الأخير فى المصرية للاتصالات والذى قدر بنحو (39) بليون جنيه من ناحية ثالثة... كل هذا يشير إلى وجود مدخرات وطنية تقدر بالبلايين تبحث عن استثمار حقيقى وآمن.

* ويبقى السؤال الملح: من المشترى ؟ من أين جاء؟ كيف جاء؟ من وراءه؟

لا شك أنه أحد الكبار من القطط السمان– وقد يكون أحد الواجهات لكبار من نوع سيادى- ولقد علم الناس من كبير القوم الذى يتاجر بشراء شركات خاسرة ليعيد بيعها من جديد فهل وصل للقارئ من المستفيد من وراء ذلك؟ باعوا البنك، باعوا الوطن أما المشترى فلقد علم بعضنا من هو.

ملاحظات وخاتمة

*باعوا الوطن وقالوا خصخصة، سرقوا الحلم وزيفوا الواقع ...إن المال العام ومشروعاتنا العامة تذكرنى برجل بنى بيتا بعد تعب وجهد شاق، وعاش فيه دهرا وأنفق فيه كثيرا ثم بيع رغما عنه بأقل مما أنفق فيه... بيع للأجانب دون أخذ رأيه أو استشارته! وحين يرتفع صوت صاحب البيت منددا معارضا يلقى السخرية، وإذا طالب بمعرفة مصير الأموال التى بيع بها بيته قالوا له سوف ندخرها لك ليفاجأ أن هؤلاء اللصوص قد باعوا أصول بيته بثمن بخس دون – حتى – أن يقبض ثمنه!!

*حين تغيب الشفافية عن عمد فإن إحسان الظن بالحكومة سفه ينبغى أن ينأى عنه ذو العقل لتفاهته، وحين يتكرر البيع العشوائى بأسعار أقل مما ينبغى فإن السارق معروف واجتثاثه من موقعه ضرورة لإيقاف هذا النزيف الذى يكاد يودى بالبلاد...وحين يدافع هتيفة النظام بعدئذ عن الخصخصة فإنما هم يقصدون السرقة والنهب العام ويحضرنى ها هنا ما ذكره  المهندس يحيي حسن عبد الهادي الرئيس السابق لشركة "بنزايون" من أن هناك 165 مليار جنيه مفقودة من حصيلة عمليات البيع والخصخصة التي جرت في البلاد... وأشار إلى أنه عند بداية برنامج الخصخصة كانت تقييمات أرباحه تتراوح مابين 100 مليار إلى 500 مليار جنيه فيما أعلنت الأرقام الرسمية مؤخرا أن الحصيلة لم تتجاوز 35 مليار جنيه رغم الانتهاء من بيع ما يتعدى نصف شركات قطاع الأعمال .

*ويبقى دوما السؤال الذى يلح على ذهن كثيرين: لماذا يفعل النظام الحاكم بنا ما يفعله؟ لماذا يبيع الوطن؟ لماذا ينهبه هكذا؟ والسؤال الأهم : لماذا يسكت الناس – رغم القهر- عن هذا النظام؟ لماذا؟!!!

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:المثقف السياسي-28-2007