النمو الصيني يصل التخمة وفوائض النفط العربي إلى المحرقة

 

د. عادل سمارة

 

مع بداية العام الجاري، دار ويدور جدل ساخن بين المهتمين بالاقتصاد الصيني ليس بشأن قدرته على مواصلة النمو الإقتصادي السنوي بمعدلات عالية، بل بشأن آلية استخدام الفوائض المالية المتراكمة والمتدفقة على الصين بما فيها التي سوف تتدفق هذا العام 2007. ويرى هؤلاء، ربما جميعاً، أن الصين أمام مشكلة، بوسعنا وصفها، بناء على تحليلاتهم، كمشكلة حي بن يقظان الذي تمنى لو يصبح كل يمسك به ذهباً، وحصل ذلك، لكنه جلب بذلك نهايته.

هل هم محقون جميعاً، او بعضاً منهم، أم أن لكل منهم أجندته السياسية، والتي ليس الإقتصاد سوى تكثيفاً لها؟

فمنهم من يرى ان الصين مقبلة على مشكلة في سياسة تحديد سعر صرف عملتها وقطاعها المالي وعدم نجاعة قطاع الدولة، وهو القطاع الذي تنهال عليه العصي هذه الأيام باعتباره القطاع العام أو الشعبي المتبقي من سياسة التنمية الإقتصادية منذ عهد ماو. وتجدر الإشارة هنا إلى أن النمو الإقتصادي العالي في الصين منسوب إلى القطاع الخاص وسياسة الإنفتاح الإقتصادي التي تبناها "دينج هيساو بينج" بعد وفاة ماو، وهذا ليس من الحقيقة بمكان، لأن النمو الحالي قد ورث النمو العالي ايام ماو نفسه.

وفي هذا نستذكر ما قاله السوسيولوج بادما ديساي حينما سأله الاقتصادي روبرت هيلوبرينر عن مستقبل الصين منذ سنوات عديدة فأجاب: "كل الأمور مرهونة بمن سوف يتوفى قبلاً ماو تسي تونغ أو شو إن لاي". ولو تم السؤال اليوم،كأن ديساي سيقول، إن شو إن لاي كان سيقوم بما قام به دنج هيساو بينغ، ابو الإنفتاح التدريجي. ونقل التكنولوجيا من الغرب. لذا، إذا كان النقاش في الجانب العقيدي في التنمية في الصين، علينا التكرار أن نمو الصين الإقتصادي العالي بدأ في عهد ماو، وأن الصين ما بعد ماو هي اقتصادياً امتداد لفترة ماو التي كانت هي فترة البناء والتاسيس.

لكن آخرين يرون أن مشكلة الصين هي في مجالات أخرى، منها أن الصين لا تأخذ بالاعتبار الحفاظ على البيئة هناك. فإطلاق العنان للشركات الكبرى في الصين أدى إلى اختراق فظ للبيئة، وهذا بالحسابات الإقتصادية يقلل من معدل النمو العالي في الصين. ومن جهة ثانية، فإن استغلال هذه الشركات للعمالة الصينية يؤكد أن هذا النمو السريع إنما هو اساساً على حساب حصة العمال من الإنتاج، اي كونهم يقعون تحت استغلال عال وفظ.

وعود إلى النقطة الأساسية، فإن الإقتصاديين ذوي الميول الإنفتاحية يرون بأن المشكلة الصينية حالياً لا تكمن في محدودية الإنفتاح الإقتصاد الصيني راسمالياً بل في محدودية سياساته الشيوعية. بعيارة أخرى يريد هؤلاء للصين أن تشطب تماماً ما تبقى من سياساتها الإشتراكية.

تحتفظ الصين هذه السنة كذلك بفائض ونمو اقتصادي هائلين وذلك على ما يبدو للسنة الخامسة عشرة التوالي وعليه سوف تبقى الصين محط الإهتمام الدولي في هذا العام 2007.

لذا، تطلب المؤسسات الدولية من الصين بأن تخفف من قيودها على خروج عملتها "رينمنبين" كي تخرج إلى الخارج لكي لا تظل الصين المحتكر الرئيسي للفوائض المالية العالمية.

يقول هونج ليانج وهو اقتصادي من هونج كونج بأن النمو في الاقتصاد الصين للعام الماضي بقي عالياً بعكس ما توقعنا. كما ان نمو الواردات كان قوياً حيث ارتفع 27,5 بالمئة. وهذا يعكس حالة قوة في الإقتصاد الصيني، بمعنى أنه متبادل نشط مع الإقتصاد العالمي، وهو برأي الراسماليين أو الانفتاحيين ينخرط في النظام العالمي بما يرضيهم، أو بالدرجة التي يتوخون. وبالمقابل، بينت الارباح الصناعية ارتفاعا لقدرة الصين الاقتصادية كما دلت ارقام الصادرات على ان الاستثمار والنمو الاقتصادي سيبقيا قويين عام 2007.

ان فائض الصين التجاري طبقا لأرقامها الخاصة تضاعف عام 2006، ليصل الى 177 بليون دولار، ومن المتوقع ان يصل إلى 200 بليون دولار هذه السنة رغم تصريحات القادة الكبار في الصين بأن تجارة الصين يجب ان "تتوازن بشكل أساسي". اصبح الفائض هو المحرك الاساس للاحتياطي من العملة الاجنبية في الصين التي تفوق اليوم 1000 بليون دولار، وهو ما جعل من الصعب على البنوك ان تضع كافة هذه الأموال تحت الرقابة دون أن تحدث اختلالات مربكة للإقتصاد.

ولكي يتم الاحتفاظ بالعملة في حالة مستقرة، فإن البنك المركزي يحول كل الدولارات التي تدخل البلاد الى الرينمينبي (عملة الصين) وبهذا فانه يسحبها من النظام المالي باصدار سندات بنكية بديلا لها.

ان للسياسة النقودية تاثير مباشر على معدلات الفائدة التي تم الإبقاء عليها منخفضة من قبل البنك المركزي وذلك من اجل تقليص الحوافز المغرية لتدفق السيولة المالية إلى الصين كإجراء إحترازي لضبط التدفق المالي إلى البلاد. على كل حال هذا الفائض سيمكن الصين من الاستثمار في الخارج بشكل مريح، وهو ربما ما يفسر لماذا تصر الصين على التدخل في قضية دارفور حيث أن لها استثمارات نفطية هناك. وهو الأمر الذي لا يريده الاقتصاديون الغربيون لها. فهم يريدون صيناً انفتاحية لا صيناً لها مصالح وتدخلات على صعيد عالمي. بعبارة أخرى، فإن صيناً راسمالية انفتاحية هو الهدف وليس صين تنافس إمبريالي.

وانسجاماً مع هذه الضغوط والمتطلبات حصل رجال البنوك والتامين الصينيين مؤخرا على اذونات بأن يستثمروا في ما وراء البحار للمرة الأولى من خلال نظام الكوتا المسمى نظام برنامج الاستثمار المحلي المؤسسي والمؤهل. وهي المؤسسة التي يمكن ان يتدفق من خلالها الف مليار دولار في العامين المقبلين.

وهذا متغير اساس في بلد كان يفتخر بانه يملك اشد رقابة على العملة سواء في دخولها أو خروجها.

فمنذ الازمة المالية في جنوب شرق آسيا 1997-98، أصر قادة الاقتصادات الصاعدة وخاصة الصين، بل وأجمعوا، على ان عدم رقابة العملة سوف يجعل بلدانهم عرضة لضربات المضاربين وفرار راس المال وتخفيض العملات كما حصل في تايلند واندونيسيا.

فقد جادل كثير من الاقتصاديين ان على البلد التمسك بسياسة رقابة راس المال طالما لا يوجد لدى الدولة نظام بنكي ثابت، ومعدلات فائدة مرنة، وسعر صرف مرن، وهي منظومة ادوات لم تطورها الصين بعد.

ولكن لماذا قررت الصين فتح الصنبور المالي؟

تأمل الصين في أن الرقابة على تدفق الأموال الى الخارج لن يقود الى تباطؤ نمو احتياطها من العملة الاجنبية الذي هو الاضخم في العالم والذي يصل الى الف بليون دولار. وهذه اهم خطوة اقتصادية تود الصين إنجازها في الصين في عام 2007.

ففي السنوات الماضية تدفقت على الصين مئات بلايين الدولارات سواء من فوائض التجارة او من الاستثمارات الموجهة للداخل من قطاعات الصناعة والعقار. واذا ما تركت دون رقابة، فانها سوف تضع ضغطاً متزايدا على ال رينمنبي وتقوض قدرة صادراتها على المنافسة ، التي هي العامل القيادي للنمو الاقتصادي. وطبقا للتوقعات الحالية من المتوقع ان يصل الاحتياطي في الصين الى 2000 بليون دولار، وعلى اية حال فقد بدأت عمليات خروج العملة حيث خرجت في السنة الملضية 49 بليون دولار.

ولكن، سواء انتصرت الرأسمالية في الصين، أو صمدت الإشتراكية، أو تولد نظام هجين ما، فإن هذا البلد بشيوعيته وراسماليته قد اصبح عملاقاً إقتصادياً إلى جانب كونه عملاقاً بشرياً. وهذا ليس الحال في بلدان النفط العربية التي بعثرت فوائض النفط بشكل منهجي ولا سيما فوائض الطفرتين الأول 1973 و 1982. واليوم، يتم التخطيط الأميركي لبعثرة فوائض النفط الحالية، حيث يتم تجددي الدور "القيادي" للسعودية لتقوم بإشعال حرب طائفية بين السنة والشيعة، بين العرب وإيران لتأكل الأخضر واليابس. فاي نمو سنحققه هذه الحرب؟

ليس كل هذا ثراء في الصين، ولكنه قرار سياسي وطني، أما في الوطن العربي، فلا تراث في أوساط الحكم لقرار وطني كهذا.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: نشرة كنعان الإلكترونية