آليـات نظـام العـولمة

 

عبد المجيد راشد

 

لا شك أن العالم يعيش حالياً لحظة العولمة، ومازال يتعرف على مقدماتها، لكن العالم لا يعرف على الإطلاق إلى أين تتجه العولمة؟ وما هي نهاياتها؟ وتبدو العولمة حالياً وفى ظل المعطيات والحقائق القائمة والملحوظة، كمجرد فصل جديد في التاريخ الإنسانى، بيد أن هذا الفصل ما زال غير مدون تدويناً كاملاً، كل ما يعرف عن هذا الفصل التاريخى الجديد هو عنوانه البارز كل البروز وهو "العولمة" فيما عدا ذلك، فإن كل الكلمات والفقرات الأولى لا تكفى بمفردها لتحديد ماهية هذا الفصل، أو الجزم بتفاصيله والتنبوء بمضمونه، أو تحديد من يقوم بتدوينه كل ذلك غير مدرك للعالم خلال المرحلة الراهنة من بروز وتطور العولمة بما في ذلك القوى الكبرى التي تعتقد أنها تقود هذه اللحظة التاريخية والحضارية الجديدة. [1]

ورغم ذلك فإن أكثر ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن "العولمة" هو "العولمة الإقتصادية" فالعولمة هي أساساً مفهوم إقتصادى قبل أن تكون مفهوماً علمياً أو سياسياً أو ثقافياً أو إجتماعياً، ويعود هذا الإرتباط العميق والعضوى بين العولمة من ناحية و "العولمة الإقتصادية" من ناحية أخرى إلى أن المظاهر والتجليات الإقتصادية للعولمة هي الأكثر وضوحاً في هذه المرحلة من مراحل بروز وتطور العولمة كمرحلة تاريخية جديدة، فكل المؤشرات الموضوعية تشير إلى أن العولمة الإقتصادية هي الأكثر إكتمالاً وهى الأكثر تحققاً على أرض الواقع من العولمة الثقافية أو السياسية، ويبدو العالم اليوم معولماً إقتصادياً أكثر مما هو معولم ثقافياً أو سياسياً، من هنا جاء التلازم بين العولمة والعولمة الإقتصادية، ومن هنا أيضاً هيمن الفهم الإقتصادى على ظاهرة العولمة التي هي حتماً ليست بالظاهرة الإقتصادية وليست مقتصرة على الإقتصاد، "فالعولمة" مرحلة تاريخية تتضمن كل الأبعاد الحياتية المختلفة بما في ذلك الإقتصاد والسياسة والثقافة والتي تتداخل مع بعضها البعض لتشكل عالماً بلا حدود إقتصادية أو ثقافية. [2]

لقد كان النظام القديم للإقتصاد الدولي يقوم على الأسس الآتية :

أ ـ درجة عليا من إستقلال ذاتى لمختلف المراكز وبالتالى إتخاذ المنافسة بينها شكل النزاع المستمر.

ب ـ قيام التضاد بين المراكز والأطراف على الطابع المصّنع للأولى وغيابه في الثانية0

أما النظام الجديد "نظام العولمة" والذي ترتسم سماته بالتدريج، فهو قائم على مبادئ نقيضة هي :-

أ ـ تداخل إقتصادات المراكز التي فقدت إستقلالها الذاتى فأصبحت جزءاً في بنية إقتصادية عالمية مندمجة (فلابد إذن من التمييز بين صفة العالمية الجديدة "نظام العولمة" وصفة الدولية القديمة).

ب ـ دخول الأطراف في مرحلة التصنيع، وبالتالى حدوث تطور هام على مستوى وسائل سيطرة المركز على الأطراف، وقد أصبحت وسائل غير مباشرة تعتمد على التحكم في الأسواق والثقافة وجمع الأموال . [3]

وفى هذا السياق فإن المؤسسات الدولية تشكل العنصر الرئيسى والحاسم في نظام العولمة عبر آليات عملها والقواعد الملزمة التي تنشئها، ويمكن القول نتيجة لذلك أن النظام الإقتصادى العالمي قد بدأ بالتشكل في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث لم يوجد قبل هذا التاريخ مؤسسات دولية فعلية، وتتضح أهمية هذه المؤسسات من خلال الوظائف والدور الموكول لكل منها والمفاهيم الأساسية التي تستند إليها في عملها، وفى حالة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية يتضح :-

1) أنها سلطة دولية للتشاور والتنسيق.

2) أنها سلطة تمتلك حق إنشاء القواعد وإتخاذ الإجراءات ضد الذي يخل أو لا يلتزم بها وإعتبار مبدأ "المشروطية" ركناً أساسياً من أركان سياستها.

3) أنها من خلال آلية عملها لا تتوقف عند الدور المعنوى أو الرقابى، بل يمكنها أن تفرض القواعد التي ينبغى على الدول الأعضاء إحترامها في سياستها المالية والإقتصادية. [4]

 

لقد تنامى دور صندوق النقد الدولي وصلاحياته منذ إنشائه، وطور مبدأ "المشروطية" في مجال حقوق السحب ليفرض رقابة على إقتصاديات الدول الأعضاء في حال العجز الكبير في ميزان المدفوعات، كما طور هذا الإتجاه في مجال القروض والمساعدات، وحدث التطور الأهم في عمل هاتيين المؤسستين على أثر صدور قرارات مجلس الإدارة لعام 1979 والتي أكدت على مبدأ المشروطية وتطبيق مفهوم التصحيح الهيكلى وتوسيع التعاون فيما بين الصندوق والبنك في مجال الرقابة على السياسات الإقتصادية وإلتزام الدول المدينة بها والتدخل في إعدادها ضمن إطار برامج وسياسات "التثبيت والتكيف الهيكلى"، ومنحت أزمة المديونية في الثمانينات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الفرصة المواتية لتطبيق برامج التكيف الهيكلى، وجرى الربط بين إعادة جدولة الديون ومنح قروض جديدة ومساعدات وبين تطبيق برامج التكيف الهيكلى وبالتالى توسيع صلاحياتها، وإنتقل البنك والصندوق من مرحلة التنسيق إلى مرحلة رسم السياسات والتوجهات وفرض قواعد وإجراءات محد دة سواء بالنسبة للسياسة الإقتصادية الداخلية أو الخارجية. [5]

لقد كانت المهمة الرئيسية لصندوق النقد الدولي هي - بحسب ميثاق بريتون وودز 1945 - العمل على ضمان ثبات أسعار الصرف، ومساعدة الدول الأعضاء على مواجهة النقص المؤقت في العملات الأجنبية لعلاج العجز الطارئ في ميزان المدفوعات إلا أن مهمات الصندوق قد تطورت على نحو لم يكن وارداً في الخيال، فقد أصبح يحل - تقريباً - محل الحكومات في صياغة الأهداف الإقتصادية والإجتماعية لأنظمة الحكم، وإحداث تغيرات أساسية والتأثير في مستويات الأسعار والتكاليف وتوزيع الدخل القومى كشرط لتلقى "مساعداته" رغم أن كل تلك الأمور تدخل في صميم السيادة الوطنية للبلد، والغريب في الأمر أن الصندوق يفرض سياساته ذات الطابع الإنكماشى والمضادة للنمو Antigrowth على البلاد النامية دون أن يكون محل مساءلة لو فشلت تلك السياسات في تحقيق الأهداف التي يعلنها الصندوق. [6]

إلا أن واقع الأمر أن "صندوق النقد الدولى" قد فقد الكثير من فعاليته خلال التسعينيات وتآكلت العديد من أدواته في ظل عمليات العولمة المالية الكاسحة وتنامى دور الشركات المالية العملاقة التي تقوم بالسيطرة على حركة رؤوس الأموال قصيرة الأجل "الأموال الساخنة" وتقوم بأعمال الوساطة المالية لمصالح الدول والشركات الكبرى في العالم، سواء في مجال إصدار الأسهم والسندات "العامة والخاصة" أو تعويم القروض في السوق العالمية وغيرها من أنشطة الخدمات المالية، خاصة وأن بيانات "رأس المال المالي" تعود إلى أكثر من مائة عام، ففى بداية القرن العشرين، نشر الإقتصادى الألمانى "رادولف هليفرد نج" كتابه "رأس المال المالي" وتحديداً في عام 1910 متنبئاً فيه بصعود ما أسماه "رأس المال المالي" وسيطرته على كافة أجنحة رأس المال "الزراعى والصناعى، التجارى والخدمى" وأشار إلى أن سيطرة "رأس المال المالي" على كافة مجالات ومناشط الحياة الإقتصادية سوف تخلق نوعاً من "الإمبريالية الإقتصادية الجديدة" التي تقوم على التوسع والسيطرة على إقتصاديات العالم وأن عمليات التمركز المالي سوف تؤدى إلى تقويض "مثاليات الليبرالية الإقتصادية" التي تقوم على الأوهام المستندة إلى قوى السوق "الحرة" و "التنافسية" .

والآن، وبعد مرور نحو ما يقرب من المائة عام، نشهد تحقق نبوءة "هيلفرونج" إذ أصبح "رأس المال المالي" هو القوة الرئيسية المسيطرة على مقاليد الأمور في العالم، ويشهد بذلك موجة الإندماجات الكبرى فيما بين المؤسسات المالية العملاقة (مصارف وشركات خدمات مالية) خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بهدف السيطرة على آليات العولمة، ويكفى لنا إلقاء نظرة على حجم الأصول الخاصة بأكبر ستة مصارف "مندمجة" على الصعيد العالمي على النحو التالى : [7]

1ـ "بنك اليابان الصناعى" و "فوجى بنك" و "بنك واى إيشى كانجيو"

1259 مليار دولار

2ـ "دوتيشيه بنك"/ ألمانيا

865 مليار دولار

3ـ "بى. إن. بى" و "باريبا" / فرنس

688 مليار دولار

4ـ "يو. بى. إس" / سويسرا

686 مليار دولار

5ـ "سيتى جروب "/ الولايات المتحدة

668 مليار دولار

6ـ "بنك أوف طوكيو ميتسوبيشى ليمتد" / اليابان

623 مليار دولار

ومعنى ذلك أن "الثلاثة الكبار" يتولون إدارة الإصدارات للإسهم في أسواق المال العالمية قد يصل حجمها إلى 50 مليار دولار سنوياً، اما إذا تحدثنا عن العشرة الكبار ، فقد تصل حجم إصداراتهم للأسهم في أسواق المال العالمية إلى نحو 87 مليار دولا سنوياً. [8]

وبهذا الصدد أشار "جاويش بهجاواتى" أستاذ الإقتصاد المرموق بجامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وأحد أهم منظرى "التجارة الحرة" في العالم، والمستشار لمنظمة (الجات) لسنوات طويلة إلى أن هناك مصالح إقتصادية ومالية عاتية لما أسماه التحالف الثلاثى بين "الخزانة الأمريكية، وول ستريت - شارع أباطرة المال في نيويورك - وصندوق النقد الدولى" وراء الدعوة إلى التحرير المالي المبكر، وفتح أسواق المال في الأسواق الناشئة أمام تحركات الإستثمارات المالية والأموال الساخنة وأن هذا "الثلاثى" هو على غرار ما أسماه الإقتصادى الأمريكى البارز "جون جالبريث" " بالمركب الصناعى - العسكرى" ، ولعل هذا التحليل يكتسب قدراً كبيراً من المصداقية، بمناسبة إستقالة "جوزيف ستيجلتز" نائب رئيس البنك الدولي والإقتصادى الرئيسى للبنك، فقد تواترت الشائعات أنه إستقال بضغوط من الخزانة الأمريكية، التي إشترطت خروج "ستيجلتز" مقابل التجديد لرئيس البنك الدولي لمدة خمس سنوات جديدة - ومن المعروف أن "ستيجلتز" كان شوكة في ظهر الخزانة الأمريكية وصندوق النقد الدولي على حد تعبير جريدة "الفاينانشيال تايمز" - عدد 26 نوفمبر 1999 - ولقد أصاب "جوزيف ستيجلتز" كبير إقتصادى البنك الدولي ، عندما شبه حالة البلدان النامية التي قامت بتحرير وتدويل أسواقها المالية وبورصاتها "بالقارب" الذي يلقى به في عرض البحار عالية الموج، وأن هذا القارب مهما كان تصميمه سليماً هندسياً ويتمتع بطاقم قيادة على درجة عالية من المهارة والكفاءة، فهو معرض للغرق نتيجة إرتفاع الأمواج العاتية في بحار المال العالمية، وإستخدام تعبير "القارب" هنا وليس "السفينة" إنما هو إشارة إلى الحجم الصغير لإقتصاديات الأسواق المالية البازغة للبلدان النامية نسبة إلى مجمل المعاملات المالية الدولية. [9]

وتمثل تحليلات وتصريحات "ستيجلتز" خروجاً صارخاً وصريحاً على ما يسمى "بتوافق واشنطن" وهو التوافق الذي شارك في صياغته الثالوث المتمثل في :-

- وول ستريت (شارع سوق المال في نيويورك).

- الخزانة الأمريكية.

- صندوق النقد الدولى.

وعناصر هذا التوافق وكما سبق شرحها تتمثل في :-

(1) تحرير المبادلات التجارية بلا قيود.

(2) الخصخصة لكل شيئ وبلا إستثناء.

(3) العولمة (الإندماج في الإقتصاد العالمي).

وما يتبع ذلك من فتح أسواق السلع والخدمات والبورصات في كافة أرجاء العالم أمام الشركات دولية النشاط والشركات المالية الكبرى وأمام تحركات رؤوس الأموال الساخنة، الأمر الذي يؤدى إلى تقليص سيادة الدولة في مجال إدارة شئونها الإقتصادية والمالية إلى أضيق الحدود، وقد تم الحديث بتفصيل أكبر عن "توافق واشنطن" في المبحث الثاني من الفصل الأول في الباب الأول من هذه الدراسة. [10]

ومن زاوية أخرى فإن تجسيد هذه الأهداف على أرض الواقع الإقتصادى العالمي وجد طريقة بعد تطبيق إتفاقية الجات لعام 1994 وإنشاء منظمة التجارة العالمية 1995، فقد دخل النظام الإقتصادى العالمي مرحلة جديدة في تطوره، حيث أكد الإعلان أن "الوزراء يؤكدون على العمل من أجل تحقيق إنسجام شامل وأكبر للسياسات في مجال التبادل والنقد والتمويل بما في ذلك التعاون بين منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي من أجل هذا الهدف" - الفقرة 3 من الإعلان - وفى مجال تحديد وظائف المنظمة تشير الفقرة الخامسة من البند الثالث إلى أنه "بالنظر إلى تحقيق إنسجام أكبر في صنع السياسات الإقتصادية الشاملة فإن منظمة التجارة العالمية سوف تتعاون، كما ينبغى، مع صندوق النقد الدولي والبنك لإعادة الإعمار والتنمية و الوكالات المتفرغة عنه "، وتشير المادة الرابعة من البند 16 إلى أن "كل عضو سوف يحقق المطابقة لقوانينه وقواعده وإجراءاته الإدارية مع إلتزاماته كما تم التصديق عليها في الإتفاقيات الملحقة" ، وهكذا تشكل المؤسسات الثلاث " صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية" ،على وجه الخصوص، القيادة المركزية للنظام الإقتصادى العالمي، وهى تنتمى لمدرسة فكرية واحدة هى"الليبرالية الجديدة" وتقع تحت سيطرة القوى الأكبر الفاعلة على الصعيد الدولى، وإلى جانب هذه المنظمات الثلاث الأكثر فاعلية، أصبح هنالك العديد من المنظمات دولية النشاط وذات التأثير والفاعلية، مثل منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية، ومنظمات غير حكومية مثل نادى روما ومنتدى دافوس والعشرات من المؤسسات والمعاهد البحثية والتي سميت بـ"علب للأفكــار" Thinking Tanks - والتي قامت وتقوم بنشر مفاهيم وأيديولوجيا موحدة تشكل تياراً فكرياً وسياسياً ضاغطاً على الباحثين وصانعى القرار.[11]

فعلى سبيل المثال يعتبر منتدى "دافوس" الاقتصادى العالمي بمثابة "الدولية الجديدة للعولمة" وسكرتير عام هذه الدولية هو مستر "كلاوس شواب" ويجمع اللقاء السنوى لتلك الدولية وزراء وأعضاء برلمانات ورؤوساء شركات دولية عابرة للقارات وشخصيات علمية وفكرية، بهدف تنسيق خطط وإستراتيجيات لدفع مسيرة العولمة في ضوء ما يستجد من متغيرات ومستجدات، وطوال الأعوام من 1991 - 2000 كانت مواضيع اللقاء السنوى تدور أساساً حول الترويج لمسيرة العولمة وآلياتها وكيف يمكن ضمان إستمرارها. [12]

وهكذا توحى العولمة الإقتصادية بأن العالم الذي تشكل في التسعينيات قد أصبح عالماً بلا حدود إقتصادية، فالنظم الإقتصادية المختلفة أصبحت متقاربة ومتداخلة ومؤثرة في بعضها البعض، ولم تعد هناك حدود وفواصل فيما بينها، وان النظام الإقتصادى العالمي هو اليوم نظام واحد تحكمه أسس عالمية مشتركة، وتديره مؤسسات وشركات عالمية ذات تأثير على كل الإقتصادات المحلية، أما الأسواق التجارية والمالية العالمية فإنها، وكما يقول ماكلولم واترز، لم تعد موحدة أكثر من أي وقت آخر فحسب، بل هي خارجة عن تحكم كل دول العالم بما في ذلك أكبرها وأكثرها غنى. [13]

"فالعولمة الاقتصادية" تعنى بروز تقسيم جديد للعمل للإقتصاد العالمي الذي لم يعد يخضع اليوم للرقابة التقليدية، ولم يعد يؤمن بتدخل الدول في نشاطاته، وخاصة فيما يتعلق بإنتقال السلع والخدمات ورأس المال على الصعيد العالمي، ولقد بلغ النشاط الإقتصادى العالمي مرحلة الإستقلال التام عن الدولة القومية وعن الإقتصادات الوطنية التي كانت - وإلى وقت قريب - قاعدة الإقتصاد العالمي ووحدته الأساسية، والتي تتحكم في مجمل العمليات الإنتاجية والإستثمارية على الصعيدين الداخلى والخارجى، كل ذلك كان يتم برعاية الدول وعبر تحكمها الكامل لكن هذا التحكم التقليدى للدول في النشاط الإقتصادى بدأ يتراجع في ظل عولمة الإقتصاد وبروز الشركات المعولمة (الشركات الكوكبية).

إن إنتقال مركز الثقل الإقتصادى العالمي من الوطنى إلى العالمي ومن الدولة إلى الشركات والمؤسسات والتكتلات الإقتصادية هو جوهر العولمة الإقتصادية، فالإقتصاد العالمي ونموه وسلامته – و ليست الإقتصادات المحلية - هو محور الإهتمام العالمي، كما أن الأولوية الإقتصادية في ظل العولمة هي لحركة رأس المال والإستثمارات والموارد والسياسات والقرارات على الصعيد العالمي، وليس على الصعيد المحلى، والعولمة الإقتصادية تستجيب لقرارات المؤسسات العالمية ولإحتياجات التكتلات التجارية ومتطلبات الشركات العابرة للقارات أكثر من إستجابتها لمتطلبات الإقتصادات الوطنية التي أخذت تذوب في الإقتصاد العالمي، وكذلك تصبح كيفية إدارة الإقتصاد العالمي أكثر أهمية من كيفية إدارة الإقتصادات المحلية، لذلك تشكل العولمة الإقتصادية نقلة نوعية في التاريخ الإقتصادى العالمي، ليس على صعيد ربط الإقتصادات المختلفة، والتي هي الآن أكثر إرتباطاً، أو على صعيد حجم التجارة العالمية، الذي تجاوز كل الأرقام الإقتصادية، أو على نطاق الإستثمارات الخارجية التي بلغت مستويات غير معهودة، بل على صعيد إعادة تأسيس قواعد ومؤسسات وبنية هذا النظام. [14]

إن إحدى سمات العولمة هي إنتصار إقتصاد الليبرالية الجديدة داخل دائرة صنع القرار بالدولة ، وعلى الرغم من أنها صيغت من منظور حملات حكومتى تاتشر وريجان على دولة الرعاية الإجتماعية في المركز ، إلا أن تأثير هذه النقلة الأيديولوجية كان أكثر فداحة بالنسبة لدول الأطراف حيث إنطوت عمليات الخفض في إعتمادات الدعم المحدودة الموجودة على نتائج كارثية بالنسبة لملايين الناس وفى ظل الديون الضخمة، وجهاز الدولة الذي يستشرى فيه الفساد وإنتهاء مسيرة النمو الإقتصادى ذات المعدلات العالية في السبعينيات والثمانينيات ، وجدت أغلب دول الأطراف نفسها في مأزق صعب، وكان العقاب على هذا الإخفاق هو "الإصلاح الهيكلى" بوصفه شرطاً ضرورياً للحصول على مساعدات صندوق النقد الدولي ، فيأتى فريق من خبراء الصندوق ليزور البلد الطالب للقرض ويقوم بتقدير المطلوب عمله، ثم يجعل البلد ينفذ سياسته "النيوليبرالية" من حيث أن الإقتصاد المحلى يصبح مفتوحاً أمام السوق العالمية، وتباع الأصول المملوكة للدولة من أجل جذب رأس المال "الخصخصة" وتخفيض ميزانية الدولة بتخفيض الإعتمادات المخصصة للدعم والرعاية الإجتماعية وتفرض هذه الأخيرة سياسة للتقشف على القطاعات الأكثر تضرراً بخفض الدعم، وقد أدت إلى خروج العديد من التظاهرات الجماهيرية ولكن دون طائل، ذلك أن "مراكز القوة" تقبع خارج البلاد داخل دائرة صنع القرار بالصندوق ، ومتروك للحكومة المحلية أن تجد الوسائل المناسبة لإضفاء المشروعية على السياسة المطلوب تنفيذها أمام شعبها، وهذه التبعية الجديدة الأبعد مدى تضع دول الأطراف تحت سيطرة المركز في ظل نوع من "الإمبريالية الرسمية" الجديدة، المفرغة من صيغة الإحتلال العسكرى، والتجربة هي خير إثبات لما تقدم، فخلال الفترة ما بين 1983 و 1991 على سبيل المثال، تدفقت أموال قيمتها حوالى 200 بليون دولار من أمريكا اللاتينية إلى الخزانات المالية في دول المركز أي 534 دولار من كل فرد من شمال المكسيك إلى جنوب تشيلى، وتكشف مثل هذه الأرقام عن الفكرة القائلة أن الإمبريالية في ظل العولمة، لم يعد وجودها يستند في الأساس إلى بعدها الأيديولوجى. [15]

وبعبارة أخرى فإن النظام الرأسمالي حينما تعرض في بداية السبعينات لهزات شديدة على صعيده المحلى وصعيده العالمي، إندلع آنذاك صراع فكرى كبير بين الإقتصاديين حول طبيعة السياسات الإقتصادية والإجتماعية التي يتعين على الدول الرأسمالية أن تسير على هداها لمواجهة هذه الهزات.

ونظراً لعمق الأزمة الإقتصادية آنذاك (أزمة الكساد التضخمى وإنهيار قاعدة بريتون وودز للذهب) وفشل الجهاز النظرى للكينزية في تفسير ما حدث أو طرح حلول عاجلة بديلة، فقد إنتصر التيار النيوليبرالى ممثلاً في نجاح مارجريت تاتشر في بريطانيا عام 79، ونجاح رونالد ريجان في أمريكا أوائل الثمانينيات، وجاء الليبراليون الجدد بمنهاج جديد لإدارة الرأسمالية في صعيدها المحلى وصعيدها العالمي، فعلى الصعيد المحلى قال الليبراليون الجدد، أن الرأسمالية كنظام إقتصادى إجتماعى لا تنطوى على عيوب أساسية أو أنها معرضة لأزمات خطيرة، فهى قادرة على أن تصحح نفسها بنفسها وقادرة على التكيف مع أزماتها وتجاوزها إذا ما روعيت حرية السوق وإستطاع المجتمع حماية هذه الحرية وتحجيم دور الدولة وتدخلها في النشاط الإقتصادى، بل ذهب بهم التطرف إلى الإعتقاد من جديد بفكرة "اليد الخفية" التي تحدث عنها آدم سميث وتحقق الإنسجام والتوافق بين مصلحة الفرد والمصلحة العامة، وإعتقد الليبراليون الجدد أن أزمة النظام الرأسمالي تكمن في قصور العرض وليس في قصور الطلب ومن هنا يجب العمل على إنعاش قوى العرض وأنه لكى يتحقق ذلك يجب أن يتوافر للمستثمرين الأمان والحرية المطلقة لهم، وأن تتوافر لهم الأموال اللازمة لنشاطهم والعمل على زيادة بواعثهم للإنتاج والإستثمار من خلال تقليل ضرائب الدخل المفروضة على أرباحهم العالية وتخفيض الضرائب على الثروة ورأس المال، وأن يباع القطاع العام لهم، وأن تنتقل كثير من الأنشطة التي كانت تقوم بها الحكومة إلى القطاع الخاص (التعليم، الصحة،)، وأن ترفع الدولة يدها عن جهاز الأسعار، وأن تتخلى الحكومات عن أهداف التوظف الكامل ودولة الرفاه (الضمانات الإجتماعية وإعانات البطالة ودعم المواد الغذائية للفقراء) وكل ما هو مطلوب من الدولة أن تلعب دور الحارس لقواعد هذه اللعبة وأن تضع سياسة نقدية منضبطة. [16]

وعلى الصعيد العالمي رحب الليبراليون الجدد بتقويم أسعار الصرف وبإلغاء القيود على موازين المدفوعات والتحويلات الخارجية وبضرورة تشجيع حركات رؤوس الأموال والإستثمارات الأجنبية مع خلق مناخ موات لها في البلاد التي تذهب إليها ، ومنذ بداية السبعينات تسربت الليبرالية الجديدة إلى المنظمات الدولية (صندوق النقد الدولي والبنك الدولى) وراحت تتعامل مع البلاد النامية الفقيرة من منطق التكيف وضرورته مع السوق الرأسمالي العالمي وإبعاد الدولة و إضعافها وترك آليات السوق لكى تعمل بشكل طليق، ووضعت هذه المنظمات "مشروعاً أممياً" لإعادة الإنضباط الإقتصادى داخل هذه الدول وتجديد علاقاتها مع السوق الرأسمالي العالمي، وهو المشروع الذي يصاغ بشكل عام ودون أن يفرق بين دولة وأخرى تحت عناوين "برامج التثبيت والتكيف الهيكلى" خاصة بعد وقوع البلدان النامية في فخ المديونية الخارجية والتي نتجت عن محاولة الرأسمالية العالمية مواجهة أزمتها عن طريق تطبيق نوع من الكينزية العالمية خلال الفترة من 1973 - 1982 حينما راحت تضخ كميات هائلة من القروض إلى بلاد العالم الثالث عن طريق تدوير فوائض النفط الدولارية والسيولة المتراكمة في السوق الأوروبية للدولار لتمويل عجز موازين مدفوعات هذه البلاد و تمكينها من تمويل وارداتها من الدول الرأسمالية الصناعية.

وقد خففت هذه الكينزية العالمية إلى حد ما من حدة الكساد التضخمى في المراكز الرأسمالية، لكن هذه الكينزية التي إستهدفت زيادة حجم الطلب الكلى الفعال العالمي من خلال الإئتمان الدولي المفرط سرعان ما أدت إلى إندلاع أزمة مديونية عالمية مزعجة، أصبحت تهدد بإنهيار نظام الإئتمان الدولي وحركات رؤوس الأموال القصيرة والطويلة الأجل وأدت، من ثم، إلى حدوث إضطراب كبير في علاقة الشمال والجنوب مما أدى إلى أن تعالج الرأسمالية العالمية الأزمة من خلال "برامج التثبيت والتكيف الهيكلى" وعلى النحو الذي يمكنها مــن إستمرار نقـل ونزح الفائض الإقتصادى من هذه البلاد". [17]

 

كذلك فإن تطبيق "برنامج التثبيت والتكيف الهيكلى" في عدد كبير من الدول المدينة يسهم في عولمة السياسات الإقتصادية الكلية الموضوعة تحت الرقابة المباشرة لصندوق النقد الدولي والبنك الدوليين ، اللذان يعملان بإسم مصالح كبرى، هي مصالح أعضاء نادى باريس (الدائنين الرسمين - الدول ومؤسساتها) ونادى لندن (الدائنين الخاصين - المصارف والشركات الخاصة) والدول الثمان الكبرى (g8) هذا الشكل الجديد من السيطرة بالإضافة إلى منظمة التجارة العالمية هو ما بات يعرف بـ "نظام العولمة الإقتصادية". [18]

خلاصة القول أن "نظام العولمة" في بعده الإقتصادى والذي ترتسم سماته بالتدريج قائم على مبادئ نقيضة للنظام القديم للإقتصاد الدولي متمثلة في تداخل إقتصادات المركز الرأسمالية التي فقدت إستقلالها الذاتى وأصبحت جزءاً في بنية إقتصادية عالمية مندمجة تشكل المؤسسات الدولية بقيادة منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد والبنك الدوليين العنصر الحاسم والرئيسى فيها عبر آليات عملها والقواعد الملزمة التي تنشئها والتي قامت بوضعها مجموعة البلاد الصناعية المتقدمة والتي تعنى بشكل واضح تصاعد البعد الدولي للرأسمالية على النحو الذي تتآكل عنده الحدود الجغرافية والسيادية للدول مع تزايد درجة الإرتباط والتشابك بين إقتصادات العالم المختلفة.

 

المراجع:

[1] - د. عبد الخالق عبد الله : العولمة جذورها وفروعها ,, عالم الفكر ,, الكويت ,, المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب ,, المجلد الثامن والعشرون ,, العدد الثاني ,, أكتوبر - ديسمبر 1999 ,, ص 41

[2] - د. عبد الخالق عبد الله : المرجــع الســابق ,, صـ 67

[3] - د. سمير أمين : الدولة والاقتصاد والسياسة في الوطن العربي ,, المستقبل العربي ,, بيروت ,, مركز دراسات الوحدة العربية ,, العدد 164 ,, أكتوبر 1992 ,, صـ 21

[4] - د. نبيل مرزوق : حول العولمة والنظام الاقتصادى العالمي الجديد ,, مجلة الطريق ,, بيروت ,, العدد الرابع ,, السنة 56 ,, 1997 ,, صـ 80 ، 81

[5] - د. نبيل مرزوق : المرجع السابق ,, صـ 81

[6] - د. رمزي زكى : المحنة الآسيوية - قصة صعود وهبوط دول المعجزات الآسيوية ,, دار المدى للثقافة والنشر ,, سوريا ,, طـ 1 ,, 2000 ,, صـ 105

[7] - د. محمود عبد الفضيل : مصر والعالم ,, الهيئة المصرية العامة للكتاب ,, القاهرة ,,طبعة مكتبة الأسرة ,, 2001,, صـ 156

[8] - د. محمود عبد الفضيل : المرجع السابق ,, صـ 157

[9] - المرجع السابق ،, صـ 158

[10] - د. محمود عبد الفضيل : المرجع السابق ,, صـ 158 ,, وأنظر كذلك المبحث الثاني /الفصل الأول من الباب الأول

[11] - د. نبيل مرزوق : حول العولمة والنظام الاقتصادى العالمي الجديد ,, مجلة الطريق ,, بيروت ,, العدد الرابع ,, السنة 56 ,, 1997 ,, صـ 82

[12]- د. محمود عبد الفضيل : مصر والعالم ،، مرجع سابق ,, صـ 133 ، 134

[13] - Malcolm Walters :- ,, 1995 ,, Globaluzation ,, London ,, Routledge ,, P. 66

[14] - د. عبد الخالق عبد الله : العولمة جذورها وفروعها ,, عالم الفكر ,, الكويت ,, المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب ,, المجلد الثامن والعشرون ,, العدد الثاني ,, أكتوبر - ديسمبر 1999 ,, صـ 68

[15] - يبتر تيلور وكولن فلنت : الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر ,, عالم المعرفة ,, الكويت ,, المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب ,, الجزء الأول ,, طـ1 ,, العدد 283 ,, ترجمة : عبد السلام رضوان ود. إسحق عبيد ,, يونيو 2000 ,, صـ 249 ، 250

[16]- د. رمزي زكى : الليبراليــة المتوحشــة ، مرجع ســابق ، ص 21 ، 23

[17]- د. رمزي زكى : المرجع السابق ، ص 24 ، 25

[18]­- ميشيل تشو سودوفيكسى : عولمة الفقر ,, مجلة النهج ,, سوريا ,, مركز الأبحاث الإشتراكية في العالم العربي ,, ترجمة رزق الله هيلان ,, العدد 58 ,, ربيع 2000 ,, السنة 16 ,, صـ 110

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الركن الأخضر

آليـات نظـام العـولمة

عبد المجيد راشد

لا شك أن العالم يعيش حالياً لحظة العولمة، ومازال يتعرف على مقدماتها، لكن العالم لا يعرف على الإطلاق إلى أين تتجه العولمة؟ وما هي نهاياتها؟ وتبدو العولمة حالياً وفى ظل المعطيات والحقائق القائمة والملحوظة، كمجرد فصل جديد في التاريخ الإنسانى، بيد أن هذا الفصل ما زال غير مدون تدويناً كاملاً، كل ما يعرف عن هذا الفصل التاريخى الجديد هو عنوانه البارز كل البروز وهو "العولمة" فيما عدا ذلك، فإن كل الكلمات والفقرات الأولى لا تكفى بمفردها لتحديد ماهية هذا الفصل، أو الجزم بتفاصيله والتنبوء بمضمونه، أو تحديد من يقوم بتدوينه كل ذلك غير مدرك للعالم خلال المرحلة الراهنة من بروز وتطور العولمة بما في ذلك القوى الكبرى التي تعتقد أنها تقود هذه اللحظة التاريخية والحضارية الجديدة. [1]

ورغم ذلك فإن أكثر ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن "العولمة" هو "العولمة الإقتصادية" فالعولمة هي أساساً مفهوم إقتصادى قبل أن تكون مفهوماً علمياً أو سياسياً أو ثقافياً أو إجتماعياً، ويعود هذا الإرتباط العميق والعضوى بين العولمة من ناحية و "العولمة الإقتصادية" من ناحية أخرى إلى أن المظاهر والتجليات الإقتصادية للعولمة هي الأكثر وضوحاً في هذه المرحلة من مراحل بروز وتطور العولمة كمرحلة تاريخية جديدة، فكل المؤشرات الموضوعية تشير إلى أن العولمة الإقتصادية هي الأكثر إكتمالاً وهى الأكثر تحققاً على أرض الواقع من العولمة الثقافية أو السياسية، ويبدو العالم اليوم معولماً إقتصادياً أكثر مما هو معولم ثقافياً أو سياسياً، من هنا جاء التلازم بين العولمة والعولمة الإقتصادية، ومن هنا أيضاً هيمن الفهم الإقتصادى على ظاهرة العولمة التي هي حتماً ليست بالظاهرة الإقتصادية وليست مقتصرة على الإقتصاد، "فالعولمة" مرحلة تاريخية تتضمن كل الأبعاد الحياتية المختلفة بما في ذلك الإقتصاد والسياسة والثقافة والتي تتداخل مع بعضها البعض لتشكل عالماً بلا حدود إقتصادية أو ثقافية. [2]

لقد كان النظام القديم للإقتصاد الدولي يقوم على الأسس الآتية :

أ ـ درجة عليا من إستقلال ذاتى لمختلف المراكز وبالتالى إتخاذ المنافسة بينها شكل النزاع المستمر.

ب ـ قيام التضاد بين المراكز والأطراف على الطابع المصّنع للأولى وغيابه في الثانية0

أما النظام الجديد "نظام العولمة" والذي ترتسم سماته بالتدريج، فهو قائم على مبادئ نقيضة هي :-

أ ـ تداخل إقتصادات المراكز التي فقدت إستقلالها الذاتى فأصبحت جزءاً في بنية إقتصادية عالمية مندمجة (فلابد إذن من التمييز بين صفة العالمية الجديدة "نظام العولمة" وصفة الدولية القديمة).

ب ـ دخول الأطراف في مرحلة التصنيع، وبالتالى حدوث تطور هام على مستوى وسائل سيطرة المركز على الأطراف، وقد أصبحت وسائل غير مباشرة تعتمد على التحكم في الأسواق والثقافة وجمع الأموال . [3]

وفى هذا السياق فإن المؤسسات الدولية تشكل العنصر الرئيسى والحاسم في نظام العولمة عبر آليات عملها والقواعد الملزمة التي تنشئها، ويمكن القول نتيجة لذلك أن النظام الإقتصادى العالمي قد بدأ بالتشكل في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث لم يوجد قبل هذا التاريخ مؤسسات دولية فعلية، وتتضح أهمية هذه المؤسسات من خلال الوظائف والدور الموكول لكل منها والمفاهيم الأساسية التي تستند إليها في عملها، وفى حالة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية يتضح :-

1) أنها سلطة دولية للتشاور والتنسيق.

2) أنها سلطة تمتلك حق إنشاء القواعد وإتخاذ الإجراءات ضد الذي يخل أو لا يلتزم بها وإعتبار مبدأ "المشروطية" ركناً أساسياً من أركان سياستها.

3) أنها من خلال آلية عملها لا تتوقف عند الدور المعنوى أو الرقابى، بل يمكنها أن تفرض القواعد التي ينبغى على الدول الأعضاء إحترامها في سياستها المالية والإقتصادية. [4]

 

لقد تنامى دور صندوق النقد الدولي وصلاحياته منذ إنشائه، وطور مبدأ "المشروطية" في مجال حقوق السحب ليفرض رقابة على إقتصاديات الدول الأعضاء في حال العجز الكبير في ميزان المدفوعات، كما طور هذا الإتجاه في مجال القروض والمساعدات، وحدث التطور الأهم في عمل هاتيين المؤسستين على أثر صدور قرارات مجلس الإدارة لعام 1979 والتي أكدت على مبدأ المشروطية وتطبيق مفهوم التصحيح الهيكلى وتوسيع التعاون فيما بين الصندوق والبنك في مجال الرقابة على السياسات الإقتصادية وإلتزام الدول المدينة بها والتدخل في إعدادها ضمن إطار برامج وسياسات "التثبيت والتكيف الهيكلى"، ومنحت أزمة المديونية في الثمانينات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الفرصة المواتية لتطبيق برامج التكيف الهيكلى، وجرى الربط بين إعادة جدولة الديون ومنح قروض جديدة ومساعدات وبين تطبيق برامج التكيف الهيكلى وبالتالى توسيع صلاحياتها، وإنتقل البنك والصندوق من مرحلة التنسيق إلى مرحلة رسم السياسات والتوجهات وفرض قواعد وإجراءات محد دة سواء بالنسبة للسياسة الإقتصادية الداخلية أو الخارجية. [5]

لقد كانت المهمة الرئيسية لصندوق النقد الدولي هي - بحسب ميثاق بريتون وودز 1945 - العمل على ضمان ثبات أسعار الصرف، ومساعدة الدول الأعضاء على مواجهة النقص المؤقت في العملات الأجنبية لعلاج العجز الطارئ في ميزان المدفوعات إلا أن مهمات الصندوق قد تطورت على نحو لم يكن وارداً في الخيال، فقد أصبح يحل - تقريباً - محل الحكومات في صياغة الأهداف الإقتصادية والإجتماعية لأنظمة الحكم، وإحداث تغيرات أساسية والتأثير في مستويات الأسعار والتكاليف وتوزيع الدخل القومى كشرط لتلقى "مساعداته" رغم أن كل تلك الأمور تدخل في صميم السيادة الوطنية للبلد، والغريب في الأمر أن الصندوق يفرض سياساته ذات الطابع الإنكماشى والمضادة للنمو Antigrowth على البلاد النامية دون أن يكون محل مساءلة لو فشلت تلك السياسات في تحقيق الأهداف التي يعلنها الصندوق. [6]

إلا أن واقع الأمر أن "صندوق النقد الدولى" قد فقد الكثير من فعاليته خلال التسعينيات وتآكلت العديد من أدواته في ظل عمليات العولمة المالية الكاسحة وتنامى دور الشركات المالية العملاقة التي تقوم بالسيطرة على حركة رؤوس الأموال قصيرة الأجل "الأموال الساخنة" وتقوم بأعمال الوساطة المالية لمصالح الدول والشركات الكبرى في العالم، سواء في مجال إصدار الأسهم والسندات "العامة والخاصة" أو تعويم القروض في السوق العالمية وغيرها من أنشطة الخدمات المالية، خاصة وأن بيانات "رأس المال المالي" تعود إلى أكثر من مائة عام، ففى بداية القرن العشرين، نشر الإقتصادى الألمانى "رادولف هليفرد نج" كتابه "رأس المال المالي" وتحديداً في عام 1910 متنبئاً فيه بصعود ما أسماه "رأس المال المالي" وسيطرته على كافة أجنحة رأس المال "الزراعى والصناعى، التجارى والخدمى" وأشار إلى أن سيطرة "رأس المال المالي" على كافة مجالات ومناشط الحياة الإقتصادية سوف تخلق نوعاً من "الإمبريالية الإقتصادية الجديدة" التي تقوم على التوسع والسيطرة على إقتصاديات العالم وأن عمليات التمركز المالي سوف تؤدى إلى تقويض "مثاليات الليبرالية الإقتصادية" التي تقوم على الأوهام المستندة إلى قوى السوق "الحرة" و "التنافسية" .

والآن، وبعد مرور نحو ما يقرب من المائة عام، نشهد تحقق نبوءة "هيلفرونج" إذ أصبح "رأس المال المالي" هو القوة الرئيسية المسيطرة على مقاليد الأمور في العالم، ويشهد بذلك موجة الإندماجات الكبرى فيما بين المؤسسات المالية العملاقة (مصارف وشركات خدمات مالية) خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بهدف السيطرة على آليات العولمة، ويكفى لنا إلقاء نظرة على حجم الأصول الخاصة بأكبر ستة مصارف "مندمجة" على الصعيد العالمي على النحو التالى : [7]

1ـ "بنك اليابان الصناعى" و "فوجى بنك" و "بنك واى إيشى كانجيو"

1259 مليار دولار

2ـ "دوتيشيه بنك"/ ألمانيا

865 مليار دولار

3ـ "بى. إن. بى" و "باريبا" / فرنس

688 مليار دولار

4ـ "يو. بى. إس" / سويسرا

686 مليار دولار

5ـ "سيتى جروب "/ الولايات المتحدة

668 مليار دولار

6ـ "بنك أوف طوكيو ميتسوبيشى ليمتد" / اليابان

623 مليار دولار

ومعنى ذلك أن "الثلاثة الكبار" يتولون إدارة الإصدارات للإسهم في أسواق المال العالمية قد يصل حجمها إلى 50 مليار دولار سنوياً، اما إذا تحدثنا عن العشرة الكبار ، فقد تصل حجم إصداراتهم للأسهم في أسواق المال العالمية إلى نحو 87 مليار دولا سنوياً. [8]

وبهذا الصدد أشار "جاويش بهجاواتى" أستاذ الإقتصاد المرموق بجامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وأحد أهم منظرى "التجارة الحرة" في العالم، والمستشار لمنظمة (الجات) لسنوات طويلة إلى أن هناك مصالح إقتصادية ومالية عاتية لما أسماه التحالف الثلاثى بين "الخزانة الأمريكية، وول ستريت - شارع أباطرة المال في نيويورك - وصندوق النقد الدولى" وراء الدعوة إلى التحرير المالي المبكر، وفتح أسواق المال في الأسواق الناشئة أمام تحركات الإستثمارات المالية والأموال الساخنة وأن هذا "الثلاثى" هو على غرار ما أسماه الإقتصادى الأمريكى البارز "جون جالبريث" " بالمركب الصناعى - العسكرى" ، ولعل هذا التحليل يكتسب قدراً كبيراً من المصداقية، بمناسبة إستقالة "جوزيف ستيجلتز" نائب رئيس البنك الدولي والإقتصادى الرئيسى للبنك، فقد تواترت الشائعات أنه إستقال بضغوط من الخزانة الأمريكية، التي إشترطت خروج "ستيجلتز" مقابل التجديد لرئيس البنك الدولي لمدة خمس سنوات جديدة - ومن المعروف أن "ستيجلتز" كان شوكة في ظهر الخزانة الأمريكية وصندوق النقد الدولي على حد تعبير جريدة "الفاينانشيال تايمز" - عدد 26 نوفمبر 1999 - ولقد أصاب "جوزيف ستيجلتز" كبير إقتصادى البنك الدولي ، عندما شبه حالة البلدان النامية التي قامت بتحرير وتدويل أسواقها المالية وبورصاتها "بالقارب" الذي يلقى به في عرض البحار عالية الموج، وأن هذا القارب مهما كان تصميمه سليماً هندسياً ويتمتع بطاقم قيادة على درجة عالية من المهارة والكفاءة، فهو معرض للغرق نتيجة إرتفاع الأمواج العاتية في بحار المال العالمية، وإستخدام تعبير "القارب" هنا وليس "السفينة" إنما هو إشارة إلى الحجم الصغير لإقتصاديات الأسواق المالية البازغة للبلدان النامية نسبة إلى مجمل المعاملات المالية الدولية. [9]

وتمثل تحليلات وتصريحات "ستيجلتز" خروجاً صارخاً وصريحاً على ما يسمى "بتوافق واشنطن" وهو التوافق الذي شارك في صياغته الثالوث المتمثل في :-

- وول ستريت (شارع سوق المال في نيويورك).

- الخزانة الأمريكية.

- صندوق النقد الدولى.

وعناصر هذا التوافق وكما سبق شرحها تتمثل في :-

(1) تحرير المبادلات التجارية بلا قيود.

(2) الخصخصة لكل شيئ وبلا إستثناء.

(3) العولمة (الإندماج في الإقتصاد العالمي).

وما يتبع ذلك من فتح أسواق السلع والخدمات والبورصات في كافة أرجاء العالم أمام الشركات دولية النشاط والشركات المالية الكبرى وأمام تحركات رؤوس الأموال الساخنة، الأمر الذي يؤدى إلى تقليص سيادة الدولة في مجال إدارة شئونها الإقتصادية والمالية إلى أضيق الحدود، وقد تم الحديث بتفصيل أكبر عن "توافق واشنطن" في المبحث الثاني من الفصل الأول في الباب الأول من هذه الدراسة. [10]

ومن زاوية أخرى فإن تجسيد هذه الأهداف على أرض الواقع الإقتصادى العالمي وجد طريقة بعد تطبيق إتفاقية الجات لعام 1994 وإنشاء منظمة التجارة العالمية 1995، فقد دخل النظام الإقتصادى العالمي مرحلة جديدة في تطوره، حيث أكد الإعلان أن "الوزراء يؤكدون على العمل من أجل تحقيق إنسجام شامل وأكبر للسياسات في مجال التبادل والنقد والتمويل بما في ذلك التعاون بين منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي من أجل هذا الهدف" - الفقرة 3 من الإعلان - وفى مجال تحديد وظائف المنظمة تشير الفقرة الخامسة من البند الثالث إلى أنه "بالنظر إلى تحقيق إنسجام أكبر في صنع السياسات الإقتصادية الشاملة فإن منظمة التجارة العالمية سوف تتعاون، كما ينبغى، مع صندوق النقد الدولي والبنك لإعادة الإعمار والتنمية و الوكالات المتفرغة عنه "، وتشير المادة الرابعة من البند 16 إلى أن "كل عضو سوف يحقق المطابقة لقوانينه وقواعده وإجراءاته الإدارية مع إلتزاماته كما تم التصديق عليها في الإتفاقيات الملحقة" ، وهكذا تشكل المؤسسات الثلاث " صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية" ،على وجه الخصوص، القيادة المركزية للنظام الإقتصادى العالمي، وهى تنتمى لمدرسة فكرية واحدة هى"الليبرالية الجديدة" وتقع تحت سيطرة القوى الأكبر الفاعلة على الصعيد الدولى، وإلى جانب هذه المنظمات الثلاث الأكثر فاعلية، أصبح هنالك العديد من المنظمات دولية النشاط وذات التأثير والفاعلية، مثل منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية، ومنظمات غير حكومية مثل نادى روما ومنتدى دافوس والعشرات من المؤسسات والمعاهد البحثية والتي سميت بـ"علب للأفكــار" Thinking Tanks - والتي قامت وتقوم بنشر مفاهيم وأيديولوجيا موحدة تشكل تياراً فكرياً وسياسياً ضاغطاً على الباحثين وصانعى القرار.[11]

فعلى سبيل المثال يعتبر منتدى "دافوس" الاقتصادى العالمي بمثابة "الدولية الجديدة للعولمة" وسكرتير عام هذه الدولية هو مستر "كلاوس شواب" ويجمع اللقاء السنوى لتلك الدولية وزراء وأعضاء برلمانات ورؤوساء شركات دولية عابرة للقارات وشخصيات علمية وفكرية، بهدف تنسيق خطط وإستراتيجيات لدفع مسيرة العولمة في ضوء ما يستجد من متغيرات ومستجدات، وطوال الأعوام من 1991 - 2000 كانت مواضيع اللقاء السنوى تدور أساساً حول الترويج لمسيرة العولمة وآلياتها وكيف يمكن ضمان إستمرارها. [12]

وهكذا توحى العولمة الإقتصادية بأن العالم الذي تشكل في التسعينيات قد أصبح عالماً بلا حدود إقتصادية، فالنظم الإقتصادية المختلفة أصبحت متقاربة ومتداخلة ومؤثرة في بعضها البعض، ولم تعد هناك حدود وفواصل فيما بينها، وان النظام الإقتصادى العالمي هو اليوم نظام واحد تحكمه أسس عالمية مشتركة، وتديره مؤسسات وشركات عالمية ذات تأثير على كل الإقتصادات المحلية، أما الأسواق التجارية والمالية العالمية فإنها، وكما يقول ماكلولم واترز، لم تعد موحدة أكثر من أي وقت آخر فحسب، بل هي خارجة عن تحكم كل دول العالم بما في ذلك أكبرها وأكثرها غنى. [13]

"فالعولمة الاقتصادية" تعنى بروز تقسيم جديد للعمل للإقتصاد العالمي الذي لم يعد يخضع اليوم للرقابة التقليدية، ولم يعد يؤمن بتدخل الدول في نشاطاته، وخاصة فيما يتعلق بإنتقال السلع والخدمات ورأس المال على الصعيد العالمي، ولقد بلغ النشاط الإقتصادى العالمي مرحلة الإستقلال التام عن الدولة القومية وعن الإقتصادات الوطنية التي كانت - وإلى وقت قريب - قاعدة الإقتصاد العالمي ووحدته الأساسية، والتي تتحكم في مجمل العمليات الإنتاجية والإستثمارية على الصعيدين الداخلى والخارجى، كل ذلك كان يتم برعاية الدول وعبر تحكمها الكامل لكن هذا التحكم التقليدى للدول في النشاط الإقتصادى بدأ يتراجع في ظل عولمة الإقتصاد وبروز الشركات المعولمة (الشركات الكوكبية).

إن إنتقال مركز الثقل الإقتصادى العالمي من الوطنى إلى العالمي ومن الدولة إلى الشركات والمؤسسات والتكتلات الإقتصادية هو جوهر العولمة الإقتصادية، فالإقتصاد العالمي ونموه وسلامته – و ليست الإقتصادات المحلية - هو محور الإهتمام العالمي، كما أن الأولوية الإقتصادية في ظل العولمة هي لحركة رأس المال والإستثمارات والموارد والسياسات والقرارات على الصعيد العالمي، وليس على الصعيد المحلى، والعولمة الإقتصادية تستجيب لقرارات المؤسسات العالمية ولإحتياجات التكتلات التجارية ومتطلبات الشركات العابرة للقارات أكثر من إستجابتها لمتطلبات الإقتصادات الوطنية التي أخذت تذوب في الإقتصاد العالمي، وكذلك تصبح كيفية إدارة الإقتصاد العالمي أكثر أهمية من كيفية إدارة الإقتصادات المحلية، لذلك تشكل العولمة الإقتصادية نقلة نوعية في التاريخ الإقتصادى العالمي، ليس على صعيد ربط الإقتصادات المختلفة، والتي هي الآن أكثر إرتباطاً، أو على صعيد حجم التجارة العالمية، الذي تجاوز كل الأرقام الإقتصادية، أو على نطاق الإستثمارات الخارجية التي بلغت مستويات غير معهودة، بل على صعيد إعادة تأسيس قواعد ومؤسسات وبنية هذا النظام. [14]

إن إحدى سمات العولمة هي إنتصار إقتصاد الليبرالية الجديدة داخل دائرة صنع القرار بالدولة ، وعلى الرغم من أنها صيغت من منظور حملات حكومتى تاتشر وريجان على دولة الرعاية الإجتماعية في المركز ، إلا أن تأثير هذه النقلة الأيديولوجية كان أكثر فداحة بالنسبة لدول الأطراف حيث إنطوت عمليات الخفض في إعتمادات الدعم المحدودة الموجودة على نتائج كارثية بالنسبة لملايين الناس وفى ظل الديون الضخمة، وجهاز الدولة الذي يستشرى فيه الفساد وإنتهاء مسيرة النمو الإقتصادى ذات المعدلات العالية في السبعينيات والثمانينيات ، وجدت أغلب دول الأطراف نفسها في مأزق صعب، وكان العقاب على هذا الإخفاق هو "الإصلاح الهيكلى" بوصفه شرطاً ضرورياً للحصول على مساعدات صندوق النقد الدولي ، فيأتى فريق من خبراء الصندوق ليزور البلد الطالب للقرض ويقوم بتقدير المطلوب عمله، ثم يجعل البلد ينفذ سياسته "النيوليبرالية" من حيث أن الإقتصاد المحلى يصبح مفتوحاً أمام السوق العالمية، وتباع الأصول المملوكة للدولة من أجل جذب رأس المال "الخصخصة" وتخفيض ميزانية الدولة بتخفيض الإعتمادات المخصصة للدعم والرعاية الإجتماعية وتفرض هذه الأخيرة سياسة للتقشف على القطاعات الأكثر تضرراً بخفض الدعم، وقد أدت إلى خروج العديد من التظاهرات الجماهيرية ولكن دون طائل، ذلك أن "مراكز القوة" تقبع خارج البلاد داخل دائرة صنع القرار بالصندوق ، ومتروك للحكومة المحلية أن تجد الوسائل المناسبة لإضفاء المشروعية على السياسة المطلوب تنفيذها أمام شعبها، وهذه التبعية الجديدة الأبعد مدى تضع دول الأطراف تحت سيطرة المركز في ظل نوع من "الإمبريالية الرسمية" الجديدة، المفرغة من صيغة الإحتلال العسكرى، والتجربة هي خير إثبات لما تقدم، فخلال الفترة ما بين 1983 و 1991 على سبيل المثال، تدفقت أموال قيمتها حوالى 200 بليون دولار من أمريكا اللاتينية إلى الخزانات المالية في دول المركز أي 534 دولار من كل فرد من شمال المكسيك إلى جنوب تشيلى، وتكشف مثل هذه الأرقام عن الفكرة القائلة أن الإمبريالية في ظل العولمة، لم يعد وجودها يستند في الأساس إلى بعدها الأيديولوجى. [15]

وبعبارة أخرى فإن النظام الرأسمالي حينما تعرض في بداية السبعينات لهزات شديدة على صعيده المحلى وصعيده العالمي، إندلع آنذاك صراع فكرى كبير بين الإقتصاديين حول طبيعة السياسات الإقتصادية والإجتماعية التي يتعين على الدول الرأسمالية أن تسير على هداها لمواجهة هذه الهزات.

ونظراً لعمق الأزمة الإقتصادية آنذاك (أزمة الكساد التضخمى وإنهيار قاعدة بريتون وودز للذهب) وفشل الجهاز النظرى للكينزية في تفسير ما حدث أو طرح حلول عاجلة بديلة، فقد إنتصر التيار النيوليبرالى ممثلاً في نجاح مارجريت تاتشر في بريطانيا عام 79، ونجاح رونالد ريجان في أمريكا أوائل الثمانينيات، وجاء الليبراليون الجدد بمنهاج جديد لإدارة الرأسمالية في صعيدها المحلى وصعيدها العالمي، فعلى الصعيد المحلى قال الليبراليون الجدد، أن الرأسمالية كنظام إقتصادى إجتماعى لا تنطوى على عيوب أساسية أو أنها معرضة لأزمات خطيرة، فهى قادرة على أن تصحح نفسها بنفسها وقادرة على التكيف مع أزماتها وتجاوزها إذا ما روعيت حرية السوق وإستطاع المجتمع حماية هذه الحرية وتحجيم دور الدولة وتدخلها في النشاط الإقتصادى، بل ذهب بهم التطرف إلى الإعتقاد من جديد بفكرة "اليد الخفية" التي تحدث عنها آدم سميث وتحقق الإنسجام والتوافق بين مصلحة الفرد والمصلحة العامة، وإعتقد الليبراليون الجدد أن أزمة النظام الرأسمالي تكمن في قصور العرض وليس في قصور الطلب ومن هنا يجب العمل على إنعاش قوى العرض وأنه لكى يتحقق ذلك يجب أن يتوافر للمستثمرين الأمان والحرية المطلقة لهم، وأن تتوافر لهم الأموال اللازمة لنشاطهم والعمل على زيادة بواعثهم للإنتاج والإستثمار من خلال تقليل ضرائب الدخل المفروضة على أرباحهم العالية وتخفيض الضرائب على الثروة ورأس المال، وأن يباع القطاع العام لهم، وأن تنتقل كثير من الأنشطة التي كانت تقوم بها الحكومة إلى القطاع الخاص (التعليم، الصحة،)، وأن ترفع الدولة يدها عن جهاز الأسعار، وأن تتخلى الحكومات عن أهداف التوظف الكامل ودولة الرفاه (الضمانات الإجتماعية وإعانات البطالة ودعم المواد الغذائية للفقراء) وكل ما هو مطلوب من الدولة أن تلعب دور الحارس لقواعد هذه اللعبة وأن تضع سياسة نقدية منضبطة. [16]

وعلى الصعيد العالمي رحب الليبراليون الجدد بتقويم أسعار الصرف وبإلغاء القيود على موازين المدفوعات والتحويلات الخارجية وبضرورة تشجيع حركات رؤوس الأموال والإستثمارات الأجنبية مع خلق مناخ موات لها في البلاد التي تذهب إليها ، ومنذ بداية السبعينات تسربت الليبرالية الجديدة إلى المنظمات الدولية (صندوق النقد الدولي والبنك الدولى) وراحت تتعامل مع البلاد النامية الفقيرة من منطق التكيف وضرورته مع السوق الرأسمالي العالمي وإبعاد الدولة و إضعافها وترك آليات السوق لكى تعمل بشكل طليق، ووضعت هذه المنظمات "مشروعاً أممياً" لإعادة الإنضباط الإقتصادى داخل هذه الدول وتجديد علاقاتها مع السوق الرأسمالي العالمي، وهو المشروع الذي يصاغ بشكل عام ودون أن يفرق بين دولة وأخرى تحت عناوين "برامج التثبيت والتكيف الهيكلى" خاصة بعد وقوع البلدان النامية في فخ المديونية الخارجية والتي نتجت عن محاولة الرأسمالية العالمية مواجهة أزمتها عن طريق تطبيق نوع من الكينزية العالمية خلال الفترة من 1973 - 1982 حينما راحت تضخ كميات هائلة من القروض إلى بلاد العالم الثالث عن طريق تدوير فوائض النفط الدولارية والسيولة المتراكمة في السوق الأوروبية للدولار لتمويل عجز موازين مدفوعات هذه البلاد و تمكينها من تمويل وارداتها من الدول الرأسمالية الصناعية.

وقد خففت هذه الكينزية العالمية إلى حد ما من حدة الكساد التضخمى في المراكز الرأسمالية، لكن هذه الكينزية التي إستهدفت زيادة حجم الطلب الكلى الفعال العالمي من خلال الإئتمان الدولي المفرط سرعان ما أدت إلى إندلاع أزمة مديونية عالمية مزعجة، أصبحت تهدد بإنهيار نظام الإئتمان الدولي وحركات رؤوس الأموال القصيرة والطويلة الأجل وأدت، من ثم، إلى حدوث إضطراب كبير في علاقة الشمال والجنوب مما أدى إلى أن تعالج الرأسمالية العالمية الأزمة من خلال "برامج التثبيت والتكيف الهيكلى" وعلى النحو الذي يمكنها مــن إستمرار نقـل ونزح الفائض الإقتصادى من هذه البلاد". [17]

 

كذلك فإن تطبيق "برنامج التثبيت والتكيف الهيكلى" في عدد كبير من الدول المدينة يسهم في عولمة السياسات الإقتصادية الكلية الموضوعة تحت الرقابة المباشرة لصندوق النقد الدولي والبنك الدوليين ، اللذان يعملان بإسم مصالح كبرى، هي مصالح أعضاء نادى باريس (الدائنين الرسمين - الدول ومؤسساتها) ونادى لندن (الدائنين الخاصين - المصارف والشركات الخاصة) والدول الثمان الكبرى (g8) هذا الشكل الجديد من السيطرة بالإضافة إلى منظمة التجارة العالمية هو ما بات يعرف بـ "نظام العولمة الإقتصادية". [18]

خلاصة القول أن "نظام العولمة" في بعده الإقتصادى والذي ترتسم سماته بالتدريج قائم على مبادئ نقيضة للنظام القديم للإقتصاد الدولي متمثلة في تداخل إقتصادات المركز الرأسمالية التي فقدت إستقلالها الذاتى وأصبحت جزءاً في بنية إقتصادية عالمية مندمجة تشكل المؤسسات الدولية بقيادة منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد والبنك الدوليين العنصر الحاسم والرئيسى فيها عبر آليات عملها والقواعد الملزمة التي تنشئها والتي قامت بوضعها مجموعة البلاد الصناعية المتقدمة والتي تعنى بشكل واضح تصاعد البعد الدولي للرأسمالية على النحو الذي تتآكل عنده الحدود الجغرافية والسيادية للدول مع تزايد درجة الإرتباط والتشابك بين إقتصادات العالم المختلفة.

 

 

المراجع:

 

[1] - د. عبد الخالق عبد الله : العولمة جذورها وفروعها ,, عالم الفكر ,, الكويت ,, المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب ,, المجلد الثامن والعشرون ,, العدد الثاني ,, أكتوبر - ديسمبر 1999 ,, ص 41

[2] - د. عبد الخالق عبد الله : المرجــع الســابق ,, صـ 67

[3] - د. سمير أمين : الدولة والاقتصاد والسياسة في الوطن العربي ,, المستقبل العربي ,, بيروت ,, مركز دراسات الوحدة العربية ,, العدد 164 ,, أكتوبر 1992 ,, صـ 21

[4] - د. نبيل مرزوق : حول العولمة والنظام الاقتصادى العالمي الجديد ,, مجلة الطريق ,, بيروت ,, العدد الرابع ,, السنة 56 ,, 1997 ,, صـ 80 ، 81

[5] - د. نبيل مرزوق : المرجع السابق ,, صـ 81

[6] - د. رمزي زكى : المحنة الآسيوية - قصة صعود وهبوط دول المعجزات الآسيوية ,, دار المدى للثقافة والنشر ,, سوريا ,, طـ 1 ,, 2000 ,, صـ 105

[7] - د. محمود عبد الفضيل : مصر والعالم ,, الهيئة المصرية العامة للكتاب ,, القاهرة ,,طبعة مكتبة الأسرة ,, 2001,, صـ 156

[8] - د. محمود عبد الفضيل : المرجع السابق ,, صـ 157

[9] - المرجع السابق ،, صـ 158

[10] - د. محمود عبد الفضيل : المرجع السابق ,, صـ 158 ,, وأنظر كذلك المبحث الثاني /الفصل الأول من الباب الأول

[11] - د. نبيل مرزوق : حول العولمة والنظام الاقتصادى العالمي الجديد ,, مجلة الطريق ,, بيروت ,, العدد الرابع ,, السنة 56 ,, 1997 ,, صـ 82

[12]- د. محمود عبد الفضيل : مصر والعالم ،، مرجع سابق ,, صـ 133 ، 134

[13] - Malcolm Walters :- ,, 1995 ,, Globaluzation ,, London ,, Routledge ,, P. 66

[14] - د. عبد الخالق عبد الله : العولمة جذورها وفروعها ,, عالم الفكر ,, الكويت ,, المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب ,, المجلد الثامن والعشرون ,, العدد الثاني ,, أكتوبر - ديسمبر 1999 ,, صـ 68

[15] - يبتر تيلور وكولن فلنت : الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر ,, عالم المعرفة ,, الكويت ,, المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب ,, الجزء الأول ,, طـ1 ,, العدد 283 ,, ترجمة : عبد السلام رضوان ود. إسحق عبيد ,, يونيو 2000 ,, صـ 249 ، 250

[16]- د. رمزي زكى : الليبراليــة المتوحشــة ، مرجع ســابق ، ص 21 ، 23

[17]- د. رمزي زكى : المرجع السابق ، ص 24 ، 25

[18]­- ميشيل تشو سودوفيكسى : عولمة الفقر ,, مجلة النهج ,, سوريا ,, مركز الأبحاث الإشتراكية في العالم العربي ,, ترجمة رزق الله هيلان ,, العدد 58 ,, ربيع 2000 ,, السنة 16 ,, صـ 110

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الركن الأخضر