هل تعيد طاقة الهيدروجين صياغة التاريخ؟

 

 

جيرمي ريفكن   

 

نحن الآن على بعد مسافة ثمانية عشر شهراً هي التي تفصل بيننا وبين انطلاق مرحلة جديدة من الطاقة التجارية, يتوقع لها أن تحدث تحولاً درامياً على نطاق العالم بأسره. وبالطبع فإننا بحاجة للاستعداد من أجل توظيف إمكاناتها لأقصى حد ممكن. أما الأسباب الداعية لهذا الاستعداد فبديهية وواضحة. فنحن نعيش الآن في مرحلة الإحماء الشامل الفعلي, بينما تراوح أسعار البرميل الواحد من النفط حوالى سعر 67 دولاراً, مستصحبة معها تباطؤاً عاماً في نمو الاقتصاد العالمي, بسبب إجراءات التقشف التي يتبعها كل من المنتجين والمستثمرين على حد سواء, خوفاً وتوقعاً للمزيد من الارتفاع في أسعار النفط العالمي خلال الأشهر والسنوات القليلة المقبلة. ومما لاشك فيه أن العالم بات بحاجة لبلورة استراتيجية للخروج من عصر طاقة النفط, كسبيل لحماية الحضارة البشرية وتحصينها.

لكن وعلى رغم ذلك, لا تزال كبريات شركات الطاقة والشركات العاملة معها, تواصل نشاطها الاستثماري العادي دون أن تكلف نفسها عناء البحث الجاد عن مصادر الطاقة البديلة الجديدة والأكثر استدامة. والأسوأ من ذلك ركون عدد كبير من القادة السياسيين إلى عصر النفط الآفل, مع الحديث النظري العاطل عن استخدام الطاقة النووية أو الاعتماد بدرجة أكبر على الفحم الحجري والرمل النفطي والنفط الثقيل, أو بالأحرى مصادر الطاقة القذرة التي تصدر نسباً عالية من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون.

وفي الوقت الذي يجلس فيه واضعو السياسات والخبراء مكتوفي الأيدي لا يفعلون شيئاً, نلحظ أن منتجات الطاقة البديلة بدأت تشق طريقها إلى السوق العالمي, على الرغم من ندرة الذين يلحظون هذه الظاهرة, عدا القليل من المنتجين الملمين بتفاصيلها وخباياها الداخلية. وبفضل هؤلاء فقد أصبح العالم مقبلاً على عصر خلايا طاقة الهيدروجين وعبواتها الصغيرة سهلة النقل والحركة. ومن المتوقع لهذه الخلايا أن تحدث ثورة هائلة في فهمنا للطاقة وفي طريقة تنظيمنا للنشاط التجاري, فضلاً عن تثويرها لبنية العلاقات السياسية والاجتماعية بمجملها. والمتوقع لهذه الثورة أن تفعل ما فعلته محركات الطاقة البخارية في القرن التاسع عشر, وما فعلته ماكينات الاحتراق الداخلي التي تستخدم طاقة النفط في القرن العشرين!

وضمن اندفاع منتجات طاقة الهيدروجين إلى السوق العالمية, نلحظ أن شركات هيتاشي وتوشيبا وسامسونج وسانيو وباناسونيك وميتسوبيشي وفوجيتسو وشارب وأولمبوس وغيرها, بدأت تلهث لهاثاً نحو غزو السوق بمنتجاتها المزودة بشريحة صغيرة من خلايا طاقة الهيدروجين, بدلاً من البطاريات التقليدية. وفي وسع هذه الشرائح الصغيرة أن تزود كاميرات الفيديو والتصوير الفوتوغرافي ومشغلات "دي في دي" وأجهزة الكمبيوتر المحمول والهواتف النقالة وغيرها من الأجهزة الإلكترونية بطاقة بديلة سهلة النقل والحركة. ليس ذلك فحسب, بل إن أهم ميزة لشرائح خلايا طاقة الهيدروجين هذه أنها غير ملوثة للبيئة وأنها خالية من أي انبعاثات عدا عن الماء الصافي والحرارة كمخرجات وحيدة لها. ويذكر بهذه المناسبة أن رواد الفضاء قد واصلوا تزويد سفنهم ومركباتهم الفضائية بتكنولوجيا متطورة من خلايا طاقة الهيدروجين على امتداد ما يقارب الثلاثين عاماً. والأكثر من ذلك أن رواد الفضاء يستخدمون ماء الشرب الصافي الذي تفرزه خلايا الهيدروجين, كمصدر أساسي لما يحصلون عليه من ماء في تلك الارتفاعات الشاهقة من كوكب الأرض.

وحتى هذه اللحظة فإن الشرائح الأولى من خلايا طاقة الهيدروجين تعتمد اعتماداً رئيسياً على الميثانول باعتباره الحامل للطاقة. والمعروف أنه يتم استخلاص الهيدروجين من الميثانول كي يتم تزويد خلايا الطاقة به ومن ثم توليد الطاقة الكهربائية. وبما أن الجزء الغالب من الميثانول يتم استخلاصه من الغاز الطبيعي والفحم الحجري, فإن هناك من الطفرات التكنولوجية الحديثة ما يبشر بجعل المصادر المتجددة للميثانول أمراً ممكناً وبديلاً اقتصادياً يعول عليه. وبموجب هذه التكنولوجيا فقد أمكن استخلاص وإنتاج الميثانول القابل للتجدد من غاز الميثان الموجود في باطن الأرض, علاوة على وجوده في عدد من المنتجات الزراعية مثل البنجر وعيدان الأرز وغيرهما. كما يجب التأكيد أيضاً على حقيقة أن الهيدروجين ليس بين الغازات التي تسبح بحرية في الفضاء, إذ لابد من استخلاصه من مصادر أخرى. أما استخلاصه من مصادر الطاقة الحفرية, فلا يعني شيئاً آخر سوى إطالة أمد الاعتماد على مصادر تلك الطاقة التقليدية. وعلى النقيض من ذلك تماماً, فإن في استخلاصه من البيوماس أو عن طريق استخدام مصادر أخرى للطاقة المتجددة –مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والحرارة الجيولوجية والمياه وغيرها- بقصد توليد الطاقة الكهربائية ومن ثم كهربة المياه بقصد إنتاج الهيدروجين, ما يفتح الباب واسعاً أمام الانتقال إلى عصر جديد غير مسبوق للطاقة.

هذا ويتوقع أن تطرح الشرائح الأولى من خلايا طاقة الهيدروجين في الأسواق العالمية بحلول عام 2007. وبفضل هذا المصدر الجديد للطاقة, فسيصبح ممكناً تشغيل أجهزة الكمبيوتر المحمول لعدة أيام متواصلة, في حين تكف البطاريات التقليدية التي تستخدمها حالياً عن العمل بعد مضي بضع ساعات فحسب من التشغيل المستمر, ما لم يتم توصيل الجهاز بالطاقة الكهربائية, حتى تعاود البطارية التقليدية الشحن من جديد. أما في الهواتف النقالة, ففي وسع شرائح طاقة الهيدروجين الجديدة أن تحافظ على قدرتها على تشغيل الهاتف لعشرين ساعة إضافية, مقارنة بقصر المدة الزمنية التي تعمل خلالها البطاريات التقليدية المستخدمة اليوم. أما من باب المقارنة العامة, فتستطيع شرائح خلايا طاقة الهيدروجين التفوق على البطاريات التقليدية العادية بمعدل يتراوح بين 20 إلى 3 مرة على الأقل من حيث السعة التخزينية للطاقة. ومن حيث السعر, فيتوقع أن يتراوح ثمن الشريحة ما بين دولارين إلى ثلاثة دولارات عند طرحها تجارياً في الأسواق. ولما كان الحال كذلك, فلا غرو أن تحرص الشركات الإلكترونية العالمية على أن تسبق الآخرين في تسويقها, لاسيما وأنها تتمتع بكل هذه القدرة التسويقية الهائلة. ومن بين أهم المزايا الإضافية لطفرة خلايا طاقة الهيدروجين هذه, أنها تمنح المزيد من الاستقلال والحرية للجيل الحالي من المستخدمين لتكنولوجيا الاتصال الرقمي. كما يجب القول إنه وبتضافر ظهور التكنولوجيا الإلكترونية النقالة مع اكتشاف خلايا طاقة الهيدروجين, ما يفتح الباب واسعاً أمام عصر جديد للطاقة, طال انتظار المجتمع البشري له. وبذلك إنما ينفتح الباب واسعاً كذلك أمام ثورة صناعية ثالثة ذات طابع جديد, يتوقع لتأثيراتها المذهلة على النمو الاقتصادي العالمي أن تمتد حتى منتصف القرن الحالي الحادي والعشرين وما بعد نصفه.

ولكن ماذا بعد هذا التآلف ما بين التكنولوجيا الإلكترونية النقالة وشرائح خلايا طاقة الهيدروجين؟ في تقديري أن على البشرية أن تتوقع قريباً ظهور الدراجات التي تسير بخلايا طاقة الهيدروجين, ومركبات الشحن الثلاثية العجلات التي تستخدم الخلايا نفسها. لا أقول هذا من باب الحلم والتطلع النظريين فحسب, وإنما اعتماداً على السبق التكنولوجي الذي حققته شركة "Masterflex AG" الألمانية بإنتاجها سلفاً للدراجة الهيدروجينية وللدراجة ثلاثية العجلات التي تعمل بالخلايا نفسها, على أن يتم طرح وتجريب القدرة التسويقية لهذين المنتجين خلال العام الحالي 2006. ومن أهم المزايا التكنولوجية والاقتصادية لهاتين الدراجتين, أنهما تستطيعان قطع مسافة 250 كيلومتراً بشريحة واحدة دون الحاجة لإعادة شحنها, بينما يمكنها السير بسرعة 25 كيلومتراً في الساعة الواحدة. ومما لاشك فيه أن مزايا كهذه –تشمل فيما تشمل خلوها التام من التلوث البيئي- تجعل من هذه الدراجات, وسيلة المواصلات الأرخص والأكثر عملية للملايين حول العالم.

ولهذا السبب فقد سارعت شركة "مانهاتن سينتفيكس" الأميركية إلى اللحاق بالشركة الألمانية المذكورة, على أمل المنافسة معها في الأسواق الآسيوية, حيث يعتمد ملايين الأفراد على الدراجات والموترات كوسيلة رئيسية لتنقلهم ومواصلاتهم. ولهذا فإن من المتوقع أن تتوفر شرائح خلايا الهيدروجين قريباً في محال الدراجات في الأسواق الصينية.

وبما أن هذا الاتجاه قد أصبح اتجاهاً عاماً عالمياً, فليس غريباً أن تبدأ كبريات الشركات المصنعة للسيارات بتصنيع السيارات والحافلات والشاحنات الهيدروجينية. بل إن اختبار هذه المنتجات في الشوارع قد بدأ بالفعل في كل من أوروبا وأميركا الشمالية واليابان.

و كل ذلك بحسب رأي جيرمي ريفكن في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-13-3-2006