عندما يكون مصير أموال الشعوب في أيدي «الخواجات»!

 

محمود عوض

 

بدأ الموضوع الرئيسي للصحف المصرية يوم الثلثاء 10/7/2007على النحو التالي: «قررت الحكومة المصرية طرح 80 في المئة من أسهم «بنك القاهرة» لمستثمر استراتيجي... لاستكمال هيكلة البنك التي بدأت قبل عامين». لكن جريدة أخرى أكثر دقة بدأت الخبر على النحو التالي: «بعد 263 يوماً من بيع «بنك الإسكندرية» رابع أهم المصارف في مصر حسمت الحكومة الجدل في شأن «بنك القاهرة» وقررت طرح 80 في المئة من أسهمه لمستثمر استراتيجي... ويعتبر بنك القاهرة ثالث أهم هذه المصارف».

جاء هذا التطور المفاجئ بعد ساعات قليلة من إعلان مسؤول كبير في «بنك مصر» عدم صحة ما يتردد عن الاتجاه إلى بيع «بنك القاهرة»، الذي كان صدر قرار بدمجه مع «بنك مصر» ثم تعدل الدمج تاليا إلى استحواذ، بما يبقي لـ «بنك القاهرة» شخصيته الاعتبارية المستقلة كما كانت قبل الدمج. لكن التخبط في القرارات لا يتوقف هنا. فحسب التقارير الصحافية المنشورة كانت الحكومة جاهزة أصلا لقرار بيع «بنك القاهرة» قبل سنة، لكنها احتفظت بالقرار سراً حتى يتم أولا تمرير قرار بيع «بنك الإسكندرية» وتبليعه للرأي العام المصري. كما كان محافظ البنك المركزي المصري قد أعلن عن قرار بيع «بنك الإسكندرية» خلال مشاورات له مع الأميركيين، لكنه سرعان ما نفى الخبر بعد عودته إلى القاهرة، ليتم فعلا بيع «بنك الإسكندرية» في شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي.

في الترويج الحكومي لبيع «بنك القاهرة»، ثالث أكبر البنوك العامة المملوكة للدولة، قيلت أنواع شتى من الحجج. قيل أولاً إنه لا بأس من انكماش حصة البنوك المصرية داخل سوقها إلى 41 في المئة، وبالتالي زيادة حصة البنوك الأجنبية، لأن رقابة البنك المركزي المصري على كل البنوك مكفولة بالقانون. الحجة هنا مضللة تماماً، لأن الرقابة المقصودة هي رقابة فنية صرفة، لكنها لا تمتد بالمرة إلى التدخل بأي شكل في السياسات الائتمانية للبنك الأجنبي... كيف وأين يستثمر ودائع المصريين لديه ولأية مصالح، فتلك كلها سياسات تقررها الإدارة الرئيسية للبنك الأجنبي في بلده.

قيل أيضاً، ومن باب التهكم والسخرية، إن الخوف من الأجنبي هو «عقدة مصرية» جاء أوان التخلص منها، فرغم كل شيء ستظل مباني وأراضي وفروع البنك المصري المباع لأجنبي موجودة في مصر ولن يحملها «الخواجة» الأجنبي ذات ليل على كتفيه ويرحل. لمثل هذا الكلام دلالة أكبر وأخطر من «بنك القاهرة»، وهو نذير سيئ بما يمكن أن تتطور إليه الأمور لاحقا. لكن حتى من قبل هذا فإن مثل تلك الحجج تستخف بشدة بعقول المواطنين. فحينما قام بنك روتشيلد البريطاني في القرن التاسع عشر بشراء حصة مصر من أسهم شركة قناة السويس (44 في المئة من إجمالي الأسهم) بأربعة ملايين جنيه استرليني كان يمكن لأمثال فقهاء 2007 هؤلاء في مصر أن يقولوا الشيء نفسه أيضاً: هل سيحمل البنك البريطاني المشتري ذات مساء قناة السويس على كتفيه ويرحل من مصر؟ لماذا لا يكون شراء البنك البريطاني للأسهم تعبيرا عن ثقته في المستقبل التجاري لقناة السويس وإيمانا بأهمية الاستثمار الأجنبي في مصر؟ لكن ما بدا كاقتصاد سرعان ما تحول إلى سياسة شريرة، حينما أصبحت حماية هذا الاستثمار البريطاني في مصر حجة ومقدمة إلى احتلال مصر نفسها... ومع الاحتلال أصبح أول حاكم بريطاني لمصر المحتلة هو اللورد كرومر... الذي لا يعرف كثيرون أنه هو نفسه كان من كبار رجال البنوك في بريطانيا.

في عصرنا هذا لم يعد الاحتلال المسلح المباشر هو الأسلوب الوحيد للسيطرة على مقومات بلد. فحينما يأتي مستثمر أجنبي إلى مصر، أو إلى أي بلد آخر من العالم الثالث، يجيء بعد إطار محكم جرى إعداده مسبقا خطوة خطوة، إطار هندسته حكومات الشمال لصالح الشركات العابرة للقارات والجنسيات بوسائل شتى. هو يجيء مثلا ولديه طاقمه الخاص من الموظفين الأجانب، أو المصريين التابعين في مصالحهم للأجانب، ومعه أيضا طاقمه من المحاسبين والمراجعين الأجانب، وبرامجه الخاصة لخدمة مصالح الاقتصاد الذي ينتمي إليه ومن حقه التصرف في أرباحه، بل وفي أموال المودعين المصريين أنفسهم في حال البنوك، كما يشاء. فوق هذا كله من حقه أن يعيد بيع هذا البنك (أو الشركة) إلى أي طرف يراه بما في ذلك إسرائيل. بالطبع تستطيع مصر في الحالة الأخيرة مثلا أن تعترض. لكن هذا الاعتراض سيجرجرها إلى تحكيم دولي تابع للبنك الدولي أو منظمة التجارة العالمية أو غرفة التجارة الدولية في باريس وغيرها من الاتفاقات التي وقعت عليها مصر مسبقا، وتكفل للطرف الأجنبي غرامات وتعويضات فادحة تلتزم بها مصر أخذاً بفكرة «نوقع أولاً... ثم نفكر في ما بعد».

هل يخطر في خيال أكثر مؤلفي الدراما شططا وهوسا أن مصر التي بأقل القليل نجحت في تأميم قناة السويس وبناء السد العالي وخوض حرب أكتوبر بعقول وسواعد وهمة أبنائها تدور بها الأيام وتجيء حكومة تستنجد بـ «الخواجات» حتى يجمعوا القمامة من شوارعها ومدنها مقابل جزية بالعملات الصعبة؟ هذا بالضبط ما حدث فعلا وما يزال الفاعل والمستفيد من ذلك حتى الآن... مجهولا.

شركات أجنبية تعاقدت معها حكومات مصرية لجمع القمامة من المدن المصرية الكبرى بحجة أنها ستجيء معها بتكنولوجيا أكثر تقدما لجمع القمامة. بعد قليل جاءت الحقائق المرة. فلا تكنولوجيا جاءت ولا قمامة جرى جمعها، لكن الشركات الأجنبية مستمرة في مطالبتها بالحصول على مستحقاتها المالية التي التزمت بها الحكومة المصرية. بالطبع شعرت الحكومة المصرية بالظلم المبين وفكرت في فرض غرامات على الشركات الأجنبية بعد أن تراكمت جبال القمامة في المدن الكبرى. فقط كي تكتشف أن العقود التي أبرمتها تلك الشركات تتضمن غرامات جزائية فادحة ضد مصر، ولو لم تدفعها مصر طوعا فستجبر على دفعها من خلال التحكيم الدولي. بالنتيجة: لا الشركات تقوم بعملها ولا الحكومة المصرية قادرة على معاقبتها أو فسخ التعاقد معها. وهنا جاء الحل الحكومي المدهش: صدور قانون يلزم المواطنين المصريين بدفع مبالغ تعسفية للحكومة مع فواتير الكهرباء الشهرية حتى تقوم الحكومة بتوريد الحصيلة الإجبارية إلى الشركات الأجنبية. وعاد المواطن المصري المغلوب على أمره يدفع ثلاث مرات شهريا عن المهمة نفسها: يدفع اضطرارا رسوما تعسفية عن جمع القمامة مع فواتير الكهرباء ويدفع التزاما رسوما أخرى مع عوائد البلدية ويدفع عمليا وكل شهر لعامل القمامة الأهلي الذي استمر من البداية إلى النهاية يقوم بالعمل الأصلي، قبل الشركات الأجنبية وبعدها.

بالعودة إلى خصخصة البنوك العامة في مصر نكتشف أن المسألة اقترنت كل مرة بموسيقى تصويرية متكررة. هناك تقرير يتم تسريبه إلى الصحافة المصرية صادر من مجموعة «سيتي بنك» يشيد بأداء البنك المركزي المصري. البنك الأميركي نفسه كان هو المستشار في عملية بيع «بنك الإسكندرية» سابقا. كما جرى اختيار أحد موظفي هذا البنك الأميركي ليصبح رئيسا لـ «بنك القاهرة» قبل سنوات، وذلك بحجة أن تلك المجموعة هي التي ستعيد «بنك القاهرة» إلى الطريق القويم. وبعد أربع سنوات خرج رئيس «بنك القاهرة» هذا من منصبه في العام الماضي كي تبدأ المرحلة الفعلية لخصخصة البنك وبيعه لطرف أجنبي، تقول التقارير الصحافية من الآن إنه سيكون البنك الأميركي نفسه.

جاء الجدل عاصفا بمجرد الإعلان الحكومي عن بيع 80 في المئة من «بنك القاهرة». أولاً: لأن هذا سيخفض حصة البنوك المصرية العامة في السوق المصري إلى 41 في المئة. وثانياً: لأن البنوك تحديدا تعمل أساسا بودائع المصريين أنفسهم. وحينما تعطي الحكومة ولاية التصرف بتلك الودائع إلى بنك أجنبي فإنها تتصرف بما لا تملكه. وثالثاً: إن البنوك الأجنبية مصرح لها بفتح فروع لها، وتعمل فعلاً، في مصر منذ سنة 1974، لكنها بعد كل تلك السنوات لم تُدخل إلى مصر دولارا واحدا، ولا قامت بتمويل صناعة مصرية واحدة. ورابعاً لأن الحجة المستجدة للبيع هي أن إنقاذ «بنك القاهرة» يحتاج إلى عشرة بلايين جنيه مصري، وهو ما تقول الحكومة المصرية إنها عاجزة عنه.

الأخذ بتلك الحجة الأخيرة يعني أن فشل البنك المركزي في إصلاح بنك عام هو مبرر كاف وحتمي لبيعه، وللأجانب تحديدا. لكن البنك المركزي يهنئ نفسه مؤخرا بأنه قفز بالاحتياط الأجنبي لديه إلى 29 بليون دولار. فإذا لم يستخدم جزءاً بسيطاً من هذا الاحتياطي في إنقاذ بنك مصري كبير فما هي فائدته اذاً؟ وإذا أصر البنك المركزي على أن الاحتياط الدولاري المتضخم موجود فقط للمباهاة به وسط الأمم فلا بأس. لماذا إذن لا تتم زيادة رأسمال البنك من خلال الاكتتاب العام للمصريين؟

حل مثل هذا، وغيره، طرحه اقتصاديون مصريون كبار ولا يعارضون الخصخصة مبدئيا في بعض الحالات. من هؤلاء مثلا الدكتور أحمد الغندور الذي أعلن اخيراً أن بيع «بنك القاهرة» عملية سرقة ودليل على سوء نية الطبقة الحاكمة. منهم أيضا سلطان أبو علي وزير الاقتصاد السابق. وقبل هذا وذاك استمر الراحل علي نجم حتى لحظته الأخيرة يعارض بيع أي بنك عام مصري للأجانب. بل إن الموت فاجأ علي نجم وهو على أبواب ستوديو تلفزيوني كان على وشك الدخول إليه ليكرر اعتراضه هذا على الهواء. أهمية علي نجم هنا ليست فقط أنه من كبار رجال البنوك وكان محافظاً سابقاً للبنك المركزي، ولكن أساسا لأنه من الجيل الذي عاصر، وشارك في تمصير البنوك الأجنبية في مصر قبل نصف قرن، وعرف من داخل المطبخ الاقتصادي كيف كانت البنوك الأجنبية تسيطر بالكامل على الاقتصاد المصري.

وبدلا من أن تتحاور الحكومة مع المعترضين باحترام وموضوعية، لأن الحديث يتعلق بأموال المصريين جميعا، انطلقت أبواقها في أسبوع واحد تتهم المعارضين بأوصاف مثل «النباح» و «الحانوتية»... المصابين بعقدة الخوف من الأجنبي... الجاهلين أن الأجانب أكثر التزاما واحتراما لأخلاقيات الاستثمار... الجاحدين الناكرين للسياسات الاقتصادية المصرية الجديدة وفي مقدمها النجاح في بيع سندات بالجنيه المصري تعادل بليون دولار.

حينما تكون تلك السندات بضمان الحكومة المصرية، وفائدتها ثابتة وضعف الفائدة الحالية، ولمدة خمس سنوات، فإن الترويج لها ليس دليل نجاح أو كفاءة. حدث في العام 2001 مثلا أن طرحت الحكومة المصرية أيضا سندات قيمتها 1500 مليون دولار بفائدة مضاعفة ولمدة ما بين خمس واحدى عشرة سنة. الاقتصاد المصري تحمل عبء الفوائد سنويا بلا سبب. لكن ماذا جرى للمبلغ المقترض ذاته؟ هل أقيمت به مشروعات منتجة واستثمارية عاجلة تبرر عبء الاستدانة؟ أبداً. كل ما حدث أنه أضيف إلى رصيد الاحتياط الأجنبي في البنك المركزي.

رجال البنوك هؤلاء ليسوا أغبياء. فقط نظريتهم هي: الحكومات يمكن أن تفلس. لكن الدول لا تفلس. وحينما اشترى «بنك روتشيلد» البريطاني نصيب مصر من أسهم قناة السويس لم يكن يقامر على الخديوي إسماعيل الجشع والمفلس. كان يقامر على مصر، التي لا تفلس. فقط... شعبها يدفع الثمن.

هذا يعيدنا إلى صفقة بيع «بنك القاهرة» في مصر الى طرف أجنبي. صفقة لا بد من متابعتها وتوثيقها بالأسماء والأرقام والحقائق. فالمصريون في نهاية المطاف أولى بودائعهم وليس الأجنبي الذي يريدها على الجاهز ولحسابه.

* كاتب مصري

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الحياة اللندنية-29-7-2007