التنمية المستدامة في العراق ”التاريخ والمأزق“

 

 

راضي محسن داود

 

 

تأسست الدولة العراقية الحديثة عام 1921 معتمدة في مشروعها الاقتصادي على الزراعة بشكلها البدائي وخاصة بعد ان اصبح العراق مندمجا ضمن نظام اقتصادي عالمي كبلد مصدر للحبوب وفي الثلاثينيات كمصدر للنفط وقد شكل ريع النفط حوالي 94,3% من الناتج القومي واصبح المصدر الاساسي لموازنة ميزانية الدولة في حين بقي القطاع الزراعي لا يتجاوز 29% كمساهم في هذا الناتج.

وقد تعرض العراق في حقبة الثلاثينيات الى ازمة اقتصادية كانت امتداداً للازمة الاقتصادية العالمية بعد قيام الحرب العالمية الثانية حيث وضع الاقتصاد العراقي في خدمة المجهود الحربي البريطاني مما ادى الى تدهور اضافي في اوضاعه المالية وتضخم هائل وتلاشت الوفرة المالية وانخفضت عائدات النفط للدولة .

السمات

اتسم الاقتصاد العراقي بـ:

أـ في العهد الملكي

1. انعدام التخطيط التنموي.

2. التبعية الكاملة للاقتصاد البريطاني خاصة القطاع النفطي والمصرفي والنقدي وقطاع التجارة الخارجية”الاستيراد والتصدير “ وقطاعات البناء والانشاءات فقد كان العراق مجرد سوق للمنتجات البريطانية ومصدر للمواد الخام والغذائية والطاقة الرخيصة.

3. سيادة جميع مظاهر التخلف الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وعدم التوازن في التركيبة الاقتصادية وغلبة الطابع الزراعي وضعف القطاع الصناعي وضآلة الانتاج والدخل والاستثمار واستفحال البطالة والتضخم وسيادة العلاقات الاقطاعية وهجرة الفلاحين من الريف الى المدن.

4. سيادة العلاقات القبلية بشكلها البطرياركي واستفحال جميع مظاهر الاستغلال الاقتصادي واتساع الهوة الاجتماعية الطبقية بين فئات الشعب العراقي.

5. عجز البرجوازية العراقية في اقامة نهضة صناعية وذلك بسبب طبيعتها الكومبرادورية وتبعيتها السياسية والفكرية للمستعمر البريطاني وهذا ادى الى ضعف حجم الطبقة العاملة العراقية.

وقد جاءت تجربة الاعمار العراقي عام 1950 لتضع حداً للارتجالية وعدم الاستقرار الذي طغى على السياسة التنموية في العراق، حيث استهدف برنامج الاعمار انشاء جملة من المؤسسات الصناعية والانشائية وبناء شبكة من المعامل الانتاجية وتوزيع الكهرباء وبناء السدود.

ب ـ العهد الجمهوري

بعد ثورة 14 تموز 1958 ورغم البدايات والوعود المشجعة لم تحقق خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي نفذتها الحكومة اي تأثير مباشر على الناتج القومي، وقد استمرت الحكومة في استخدام الموارد النفطية لانشاء مشاريع البنية الاساسية بطيئة المردود وتمويل الجزء الاكبر من الانفاق الحكومي حيث بدأت تظهر الآثار السلبية لسياسية الاعتماد الكبير على الايرادات النفطية وذلك لعجزها على خلق الفوائض الاقتصادية.

مع بداية السبعينيات ورغم تأميم ملكية الشركات النفطية الاجنبية والتي تمثل الخطوة السياسية المهمة لم تتغير طبيعة المشروع التنموي العراقي سوى زيادة حجم وتحسن القدرات المالية للدولة والتوسع الكبير والسريع للاستيرادات بواسطة القطاع العام واقامة المشاريع الانشائية والصناعية بالمقابل استمرت الضبابية بستراتيجية تنوع مصادر الدخل القومي رافق هذه العملية زيادة كبيرة في الانفاق الحكومي والاستهلاكي والاستثماري حيث حقق العراق زيادة مهمة في التشغيل ونهضة انمائية كبيرة قدرت بحوالي 11,5%.

ومنذ نهاية السبعينيات وجهت الدولة اقتصادياتها نحو التصنيع العسكري، الذي يتطلب تخصيصات مالية ضخمة للاستيرادات الهائلة للاسلحة والمعدات والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة.

ما ادى الى انحرافات كبيرة في خطط التنمية الاقتصادية وجاءت الحروب التي خاضها العراق.

لتقصم ظهر الاقتصاد العراقي، وتتوقف التنمية تماما وتتحول موارد العراق الى المجهودات الحربية، ويتحول العراق من بلد دائن الى بلد مدين.

لقد عمق النظام السابق من اسس التخلف الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي ومن تنامي ظاهرة الفقر والبطالة وتفكك النسيج المجتمعي العراقي حيث اوجد حلولا عبثية لحل الازمات الاقتصادية ما عمق هذه الازمات واصبحت ظاهرة هيكلية متجذرة من خلال السياسة الحكومية في اهمال القطاع الزراعي والقطاع الصناعي وتصاعد الانفاق العسكري واختلاس وهدر المال العام بالاضافة الى سوء الادارة العامة وانهيار القطاع التعليمي وفصل العراق عن التطورات التكنولوجية الحديثة حيث ادى الحصار الاقتصادي الى تقليص الاستيراد 90% والصادرات 97% الامر الذي سبب في تمزق الاقتصاد فقد قدرت الخسائر الناجمة عن المقاطعة للاشهر الاولى من عام 1991 بما مقداره 17 مليار دولار شملت 10 مليارات دولار خسائر تصدير البترول و 5 مليارات دولار خسائر توقف الانتاج المحلي و1 مليار دولار زيادة كلفة الانتاج 0.7  ومليار دولار خسائر تأخيرات مشاريع التنمية.

مأزق التنمية

البشرية المستدامة

بعد سقوط النظام السابق اصبحت معالجة المسألة الاقتصادية والتنموية ووضع خطط ستراتيجية للتنمية البشرية المستدامة ضرورة تاريخية للخروج من الارتجالية والتخبط وهذا يتطلب تشخيص التحديات والتي تتمثل في هيمنة القطاع النفطي الريعي كمصدر اساسي لتمويل خطط التنمية والتضخم الشديد وهيمنة الثقافة الاقتصادية البيطرياركية في صناعة القرار الاقتصادي والتي ادت الى تحميل اعباء كبيرة لميزانية الدولة حيث شكل دعم البطاقة التموينية نحو 8,9% ودعم المشتقات النفطية 8,1% من الانفاق العام.

هذا بالاضافة الى المأزق السياسي والاجتماعي والاقتصادي والعلمي والثقافي الذي يواجه مشاريع التنمية البشرية والمستدامة في العراق.

المأزق السياسي

1. تشكل القوة المناهضة للمشروع الديمقراطي في العراق التي تتكون من العناصر التكفيرية والارهابية والقوة الاقليمية والقومية الشوفينية احد التحديات الاساسية للتنمية المستدامة في العراق.

2. الفساد الاداري والمالي وضعف الاصلاح الاداري واستفحال ظاهرة الحزبية الضيقة وسوء استخدام الموارد المالية وهدرها.

3. عدم اكتمال مؤسسات الدولة الامنية والقانونية والعسكرية والسياسية وهيمنة التشوهات الاجتماعية والثقافية والاخلاقية والنفسية التي هي من تراكمات النظام السياسي السابق.

المأزق الاقتصادي

1. الاختلال الكبير بين بنية الاقتصاد والمجتمع والتخلف الواسع في جميع مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والفكرية والبشرية.

2. انهيار القطاع الصناعي والصناعات التحويلية وعدم وجود صناعات تحويلية اضافة الى تأخر وضعف الصناعات الزراعية.

3. تخلف وضعف القطاع الاقتصادي وذلك لضعف الحلقات الاساسية للصناعات الحديثة وبدائية الانتاج الزراعي وتفكك البنى التحتية حيث يوصف الاقتصاد العراقي بانه اقتصاد ريعي واستهلاكي يعتمد النفط في القسم الكبير في تكوين الدخل القومي.

4. غياب سياسة تخطيطية واضحة للاستثمارات العقلانية للموارد المائية والسياحية والمواد الخام.

5. هدر استخدام الكفاءات التقنية البشرية العراقية.

6. البطالة بكل اشكالها حيث تمتلك تأثيرات واضحة على تشيكل ذهنية المواطن وبناء سلوكه السياسي والاخلاقي.

7. انهيار القطاع الخاص والاستثمارات المحلية في عملية التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية حيث يتطلب سبل الانتقال من اقتصاد حكومي مركزي مخطط هو حاضنة لانتاج الاستيراد والثقافات الابوية الى اقتصاد ليبرالي تلعب المبادرات الفردية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني دورا كبيرا.

8. ضعف مستوى المعيشة لاغلبية السكان وتفكك الفئات الوسطى من المجتمع وقلة معدل الفرد الواحد السنوية من الدخل الوطني.

9. التلوث والتخريب البيئي الكبير.

10. عدم وجود تبادل تجاري بين المحافظات العراقية ما يتسبب في عدم تطور الديناميكية الداخلية للاقتصاد العراقي.

11. ضعف التراكمات الرأسمالية وعدم التفاعل المتبادل مع الاقتصاد الدولي وهبوط معدلات النمو الاقتصادي.

المأزق التربوي والثقافي

1. عدم وجود لغة علمية موحدة في الدراسات الاكاديمية العراقية وضعف هامش الحرية في الدراسات الانثروبولوجية والاجتماعية والاقتصادية.

 2. قلة المراكز الثقافية وضعف النشاطات الابداعية المتنوعة وخاصة الرسم والعروض المسرحية والسينمائية والشعرية والترجمة من اللغات الحية.

المأزق التقنـي

1. عدم وجود سياسة متكاملة في مسألة البعثات الدراسية وارتباطها بشكل اساسي بالحاجات المحلية للبلد.

2. وجود تشريعات وقوانين تشكل قوة اعاقة لتطوير الملاكات العلمية والتقنية وتطور العمليات التربوية الاكاديمية.

3. قلة الاكاديميات المهنية والفنية والتطبيقية ومراكز البحوث والافتقار الى المناهج العلمية الحديثة في التربية والاساليب والطرائق واعتماد اسلوب الحشو الذهني.

4. ضعف المناهج التقنية والعلمية وعدم استجابتها للتحديات المعاصرة وعناصر التنمية الاقتصادية البشرية.

5. هجرة الكفاءات والملاكات العلمية الكبيرة الى خارج البلد لاسباب عديدة اهمها الظروف الامنية والاقتصادية والمهنية والعلمية.

المأزق الاجتماعي

1. شيوع الامية والامية الثقافية في الاوساط الاجتماعية العراقية.

2. طبيعة ذهنية الفرد العراقي وسلوكياته الاجتماعية سواء أكان الفردي ام الجماعي وضعف التفرقة بين الحقوق والواجبات والقانون والدولة والسلطة.

3. قلة اعادة تأهيل الافراد وفق البرامج محلية او دولية وهدر القوى الاجتماعية البشرية القادرة على العمل والتعليم المهني والفني.

4. ضعف المعرفة الحديثة ووسائل الاتصالات في الجامعات والاكاديميات العراقية.

5. عدم تقديم الدعم المالي والفني والتقني للملاكات الوسطية من قبل الدولة لتنمية المبادرة الشخصية في اقامة المشاريع وضعف التدريب والتأهيل للملاكات الوسطى والقيادية.

6. عدم زج المرأة كعضو فعال ومتساو في الحقوق في شبكات التنمية المستدامة وجميع مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

7. تدني دور منظمات المجتمع المدني او المنظمات غير الحكومية في التنمية والتطوير.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:جريدة الصباح-26-7-2007