قلق الصغار من العمالقة الكبار في آسيا 

 

د.عبدالله جمعة الحاج

 

إن الطفرة الاقتصادية الهائلة التي تشهدها كل من الصين والهند، آخذة في تغيير وجه الساحة السياسية في آسيا، ومولدة لفرص جديدة ومشاكل محتملة للعديد من الجيران الآسيويين الأصغر حجماً، ولأطراف دولية عدة من خارج المنطقة ذات مصالح استراتيجية واسعة فيها. إن الهرولة الحاصلة لتحقيق النفوذ من قبل الصين بالذات، وجيرانها كل بطريقته أدى إلى دفع العديد من الأمور لكي تصل إلى حافة الهاوية خاصة بالنسبة للخلاف حول تايوان، فالمسألة التايوانية وصلت خلال الشهرين الماضيين إلى درجة من السخونة أدت بالعديد من الأطراف الرئيسية الفاعلة فيها إلى تهدئة الأمور إلى أقصى درجة ممكنة.

إن البروز الاقتصادي والسياسي الحديث للصين وبدرجة أقل للهند، أدى إلى تغيير الاستقطاب الدولي، وربما يؤدي مستقبلاً في تقديري، إلى تغيير كل شيء في العديد من المناطق بدءاً من التنمية في أميركا الجنوبية مروراً بأحداث وسياسات المنطقة العربية وجوارها الجغرافي وانتهاءً بدور الإسلام في السياسة خلال العقدين القادمين. ويدعم مصداقية قولنا هذا أن أقطاراً آسيوية كاليابان وكوريا الجنوبية آخذة في تعديل سياساتها وتكييفها لكي تصبح أكثر مصداقية تجاه جارتها الكبرى الصين، وذلك في الوقت الذي هي آخذة فيه في تجاوز جميع دول الغرب خاصة في الولايات المتحدة لكي تصبح الشريك التجاري الأكبر لكلا القطرين.

وأيضاً فإن إقدام دول آسيوية كسنغافورة، على عقد اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة، يعد أمراً تم الإقدام عليه بصورة واعية ومدروسة لانتهاج سياسة تجارية واعدة مع عمالقة آخرين من خارج آسيا، في خطوة يهدف من ورائها تفادي أن تصبح اقتصادات الدول الصغيرة هذه معتمدة على سوق واحدة كالسوق الصينية. وهذا في تقديري يعكس التوجس المستقبلي للدول الصغيرة من جيرانها العمالقة، فلسان هذه الدول يقول: إنها إذا ما كيفت أوضاعها التجارية مع العالم بشكل صحيح، فإنها تكون بذلك كمن يركب ظهر موجة عالية نحو المستقبل، ولكن إذا لم تتصرف بشكل صحيح فإنها ستكون محاصرة وكمن ارتكب خطأ جسيماً في حق نفسه.

ومن جانب آخر، فإن تنامي الخلاف الحاد حول تايوان، يعكس في تقديرنا شيئاً من احتقان السياسات الداخلية في كل من الصين وتايوان، أكثر من كونها خلافاً ناشئاً من المشكلة التايوانية ذاتها، وذلك بالإضافة إلى الصراع من أجل النفوذ الإقليمي الذي تدخل فيه دول أخرى بالإضافة إلى الصين هي اليابان والولايات المتحدة. ويلاحظ أن الخطابة اللفظية الحادة التي شابت الخلاف حول تايوان في الفترة الماضية، صاحبتها بشكل متناقض تماماً، رغبة قوية من جميع الأطراف الضالعة لخفض حدة التوتر إلى أقصى درجة ممكنة حين بدأت تلك الأطراف في التراجع عن تصريحاتها النارية كل بطريقته.

إن تلك المواقف تعكس حقيقة أن جميع الأطراف مدركة تماماً للحسابات الداخلة في الموضوع، لذلك فإنها مترددة إلى أقصى حد في ركوب المخاطر، فقد عملت جميعها وبطريقة تثير الاستغراب الشديد، على تمهيد الأرضية لخلق أجواء من الاستقرار والتفاهم في نهاية المطاف.

وأيضاً يلاحظ أن الصين تستخدم إمكانياتها الاقتصادية تجاه العالم الخارجي، لكي تؤمن لنفسها مصادر للطاقة والموارد الطبيعية الأخرى، متوجهة إلى الممولين الذين تتردد الولايات المتحدة في التعامل معهم. فالصينيون هذه الأيام يتحركون في جميع اتجاهات المعمورة للحصول على احتياجاتهم من النفط الخام والغاز الطبيعي والموارد الأخرى الداخلة في الصناعة التحويلية، من فنزويلا إلى إيران إلى مناطق محددة من العالم العربي. وفي هذا السياق يتوقع أن تتجه الصين بقوة للحصول على موقع قدم راسخة لها في أميركا الجنوبية وأفريقيا، خاصة إذا استمر الكونجرس الأميركي في رفض أو تعطيل اتفاقيات التجارة الحرة مع دول هاتين القارتين، كما هو حاصل الآن بالنسبة لاتفاقية التجارة الحرة مع أميركا الوسطى التي لا زالت معلقة في أروقته.

و كل ذلك بحسب رأي د. عبدالله جمعة الحاج في المصدر المذكور.

المصدر: افتحاد الإماراتية-11-3-2006