النموذج السنغافوري... وصفة للتقدم

 

 

محمد الباهلي

 

 

في عام 1950، وبعد أربع سنوات قضاها طالباً في بريطانيا، عاد "لي كوان يو" إلى وطنه سنغافورة وهو أشد عزيمة وقوة وتصميماً على التخلص من الحكم الاستعماري البريطاني، حيث اشترك منذ البداية مع أبناء وطنه في العمل على الانتقال من حالة الاستعمار إلى حالة الاستقلال، حيث شارك في الأنشطة التي تدعم هذا التوجه خاصة النقابية والسياسية منها، وشكّل إثر ذلك حزباً سياسياً.

وبعد تسع سنوات من هذه المشاركة النشطة وبالتحديد في عام 1959، أصبح "لي كوان يو"، أول رئيس وزراء لحكومة منتخبة في سنغافورة.

هكذا كانت البداية لمؤسس سنغافورة الحديثة الذي حوّل جزيرة نائية لا تزيد مساحتها على 640 كيلومتراً، وتفتقر إلى الموارد الطبيعية، إلى نموذج عالمي بالغ الأهمية، وإلى دولة متطورة تصنف اليوم ضمن دول العالم الأول.

لم يكن الطريق الذي سلكه لتحقيق هذا الإنجاز وهذا النجاح والتفوق سهلاً، حيث كان في غاية الصعوبة إلى درجة أن استحالت معها فرص البقاء في سنغافورة حسب قوله.

لم تكن دولة طبيعية بل من صنع البشر، محطة تجارية طورها البريطانيون لتصبح مركزاً محورياً في إمبراطوريتهم البحرية العالمية، جزيرة من دون أرض داخلية، قلب من دون جسد، ورغم ذلك فإن هذا المؤسس حسم أمره مع الظروف وجعل الخلاف الذي يدور حول من يصنع التاريخ والأحداث، الظروف أم الشخصية لصالحه، لم يستسلم لما قالته صحف الاستعمار، الصحف الأجنبية بعد الاستقلال: "سوف ينهار اقتصاد سنغافورة إذا أغلقت القواعد البريطانية".

كانت مهمته منذ البداية هي إعطاء الأمل للناس ورفع روحهم المعنوية، وبذل الكثير من الجهود ليصبح شعب سنغافورة متميزاً، شعب يمتلك مستوى عالياً من التماسك والوحدة والقوة، قادر على التكيف والعطاء والإنتاج والإبداع بصورة أفضل رغم المكونات التي يتشكل منها هذا الشعب، حيث يتكون من عدة أعراق وأجناس، إلا أن سياسة "لي كوان يو"، النزيهة والعادلة، هي التي جعلت هذا الشعب يعيش بهذا المستوى العالي من التماسك والوحدة، لذلك فإن تجربة النهوض السنغافوري التي كتبها "لي كوان يو"، في كتابه "من العالم الثالث إلى الأول"، تعتبر في نظري، من الوصفات العلاجية المهمة لصناعة التقدم في العالم الثالث، فهي تتميز بمستوى عالٍ من الخبرة والشفافية والصراحة والذكاء الإداري والقيادي، والتواضع في الحديث عن النفس والأفكار القابلة للتطبيق.

لقد ركز "لي كوان يو" في صناعة هذا التفوق، على إيجاد حلول غير تقليدية لمشكلات التنمية في مجتمعه، لم يستبد في رأيه، احترم رأي أصحاب الخبرة والكفاءة من الوطنيين وفضّلهم على الخبراء الأجانب، وجعل من المقترحات والأفكار الجديدة مدخلاً لحل هذه المشكلات. فمثلاً في علاج مشكلة البطالة، وافق على اقتراح قدمه له أحد مصنّعي المشروبات الغازية، بخصوص اعتماد الترويج السياحي كحلٍ لهذه المشكلة، فقام بتشكيل هيئة ترويج السياحة، وعندما وجد أن هناك ضرورة لأن تتحول سنغافورة إلى مركز للمعارف والمعلومات، وضع استراتيجية واضحة لتدريس العلوم والرياضيات والحواسيب في كل المدارس، وعمل على إرسال البعثات العلمية والاهتمام بالمواهب وإدخال الحاسب في الإدارة الحكومية، وركز على أهمية اللغة الوطنية والهوية الوطنية والكفاءات المتميزة والاستفادة من تعدد الأفكار والاقتراحات، وقام بإنشاء المصانع بهدف تحقيق استقلال صناعي تام لبلده، والذي كانت نتيجته أن أصبحت السيارات والثلاجات والكمبيوترات والتلفزيونات والعديد من الأدوات التكنولوجية والتقنية السنغافورية، تغزو العالم اليوم، وعمل على نشر ثقافة الولاء والانتماء للوظيفة والفخر بها لأنها مدخل لزيادة الإنتاج والتفوق، كان يهمه أن يكون الرجل المناسب في المكان المناسب. لذلك فقد أخضع المرشحين الذين سوف يصبحون وزراء، لاختبارات نفسية مصممة لتحديد معالم شخصياتهم وذكائهم وخلفياتهم الشخصية وقيمهم، وتعليله في ذلك أن الوزير الخطأ قد يدمر استراتيجية التنمية في الدولة، أوجد مبدأ "من أين لك هذا"؟ وأعطى المحاكم صلاحية للتعامل مع البيانات التي تثبت أن المتهم يعيش حياة تتجاوز حدود إمكانياته المادية، أو أنه يملك عقاراً لا يسمح دخله بشرائه.

وعن طريق هذا القانون أدين عدد من المسؤولين وعدد من الوزراء بتهمة الفساد، قام بإعادة توزيع الثروة التي خلقها الشعب من خلال التنافس في السوق الاقتصادي الحر، وذلك حتى لا يضيع إحساس السنغافوريين بالتضامن والشعور بالانتماء إلى الوطن والمصير المشترك.

يقول "لي كوان يو": سألني الرئيس الكوري "روه ثاي ووه": كيف استطعت البقاء في السلطة طيلة هذه المدة (30 سنة) والفوز بالانتخابات المتعاقبة؟ قلت له:" الشعب يعرف أنني لا أكذب وأنني مخلص في السعي لتحقيق مصالحه، الناس العاديون يعرفون من هو الجدير بثقتهم، لم أقل شيئاً لم أؤمن به، وأدرك الناس بالتدريج أنني صادق ومخلص وأمين، وهذا هو مصدر القوة التي أتمتع بها".

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-27-7-2007