تباين المصالح بين «أوبك» والدول الصناعية

 

 

وليد خوري

 

 

صدرت تقارير نفطية عدّة، سنوية وشهرية، في الآونة الأخيرة تعكس في مضمونها وتفاصيلها خلافات في وجهات النظر وتباين المصالح بين الدول المنتجة للنفط والدول الصناعية المستهلكة له.

ويُعتبر تقرير «بي بي الإحصائي الطاقوي السنوي لعام 2007» من المصادر المهمة الذي يعطي صورة شاملة عن أوضاع الطاقة عالمياً.

ويشير تقرير هذه السنة إلى ان نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي ارتفع في عام 2006 نحو 5.3 في المئة، في أعلى زيادة تسجل منذ عام 1973. لكن على رغم هذا النمو الاقتصادي المرتفع، انخفض معدّل نمو استهلاك النفط عالمياً في العام الماضي إلى نحو 0.7 في المئة، بـ 1.5 في المئة في عام 2005.

وتعكس هذه المعدلات الحقائق الاقتصادية الآتية:

على رغم الزيادة المستمرة خلال السنوات الأخيرة في أسعار النفط الخام، بقي الاقتصاد العالمي في تحسّن، لكن لم ينعكس بالمعدلات ذاتها على استهلاك النفط، نظراً للمحاولات الدؤوبة في الدول الصناعية لتقليص الاعتماد عليه كمصدر أساسي للطاقة.

وبمعنى آخر، تشير هذه الإحصاءات إلى ان التوقعات القديمة بان الاقتصاد العالمي سيتراجع مع ارتفاع أسعار النفط، نقضت خلال هذه الفترة، كما أصبح أكيداً في الوقت ذاته ان محاولات تقليص الاعتماد على النفط الخام جارية على قدم وساق، بخاصة مع ارتفاع الأسعار والاضطرابات السياسية في الشرق الأوسط.

ويدعم وجهة النظر هذه الارتفاع الحاصل في الآونة الأخيرة في أسواق الأسهم العالمية، على رغم ارتفاع أسعار النفط إلى نحو 70 دولاراً للبرميل.

فـ «مؤشر داو جونز الصناعي» الأميركي القياسي ارتفع اكثر من 9 في المئة، مقارنة بمستواه في الوقت ذاته من العام الماضي.

وأشار التقرير إلى ان نمو الطلب على الطاقة كان الأضعف في دول «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية»، أي الدول الصناعية الغربية، إذ انخفض استهلاك النفط لدى هذه المجموعة نحو 407000 برميل يومياً خلال العام الماضي، مقارنة بعام 2005، في حين كان الأقوى في الدول الآسيوية والأفريقية والشرق الأوسطية ودول أميركا اللاتينية والوسطى. كما أكد التقرير ان الصين استحوذت على معظم النمو في الطلب على الطاقة خلال العام الماضي، إذ شكل معدل زيادة استهلاكها نحو نصف معدل زيادة استهلاك الطاقة العالمي.

ولفت تقرير «بي بي» إلى ان الاحتياط النفطي العالمي انخفض في عام 2006، إلا انه على رغم ذلك، ما زالت هناك احتياطات نفطية كافية لمدة 40 عاماً، في حال استمرار معدلات الاستهلاك على أنماطها الحالية.

ويعود السبب الأهم في انخفاض رقم الاحتياط العالمي في عام 2006 إلى الكويت، حيث أكد وزير النفط الكويتي في أيار (مايو) الماضي، ما كانت نشرته الدورية النفطية الأسبوعية المتخصصة «بتروليوم إنتلجنس ويكلي» في عام 2005، عن ان الاحتياط النفطي الكويتي يبلغ 48 بليون برميل، أي نحو نصف الرقم الرسمي المعتمد سابقاً البالغ نحو 100 بليون برميل.

وتشكل صحّة أرقام الاحتياط النفطي نقطة خلاف جوهرية بين الدول المنتجة والمستهلكة. وأرقام الاحتياط عادة تكون غامضة، لأن ليس واضحاً إذا كان الرقم يعني الاحتياط المؤكد أو المرجح.

وتشتكي الدول الصناعية من ان أرقام احتياطات دول «أوبك» قد زيدت بشكل كبير وسريع جداً في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، من اجل الاستفادة من نظام الحصص في المنظمة، وانها لم تعدل جوهرياً منذ تلك الفترة حتى اليوم، على رغم معدلات الإنتاج المرتفعة. كما تشتكي الدول الصناعية من السرية البالغة التي تحيط بها الدول المنتجة أرقام الاحتياط الخاص بها، وكيفية احتسابه.

ومن الضروري الاشارة الى ان المكسيك كانت الدولة المصدرة الوحيدة التي تعاقدت مع مكتب محاسبة ومراجعة مستقل لتأكيد رقم الاحتياط لديها.

ويعتبر اعتراف الكويت الرسمي بالرقم المنخفض الذي أعلنت عنه نشرة نفطية متخصصة، التجربة الثانية في هذا المضمار. وبالتالي، ان أرقام احتياط دولة معيّنة في تغيّر مستمر، اعتماداً على التقنية المستعملة في الاستكشاف والتنقيب عن النفط، وكمية الإنتاج السنوية، وجيولوجيا البلد.

وصدر في الآونة الأخيرة التقرير الشهري لـ «وكالة الطاقة الدولية» حول «أوبك سوق النفط العالمية».

و «الوكالة»، التي تبلور مصالح الدول المستهلكة تعبّر، كما هو متوقّع، عن تخوّفها من ارتفاع أسعار النفط. وتشير باستمرار إلى ارتفاع الطلب على النفط، ومن ثم تدعو دول منظمة «أوبك» إلى زيادة الإنتاج، على رغم ان بعض هذه الدول ينتج بالطاقة المتوافرة لديه كاملة.

وعلى رغم عدم اقتناع «أوبك» مراراً بالحجج التي تقدّمها «الوكالة»، فهي تجيب ان «في السوق ما يكفي من النفط الخام، وان مشكلة ارتفاع الأسعار تكمن في النقص المزمن في المصافي النفطية في الدول الصناعية ذاتها، وهذه مشكلة يجب ان تحلّها الدول الصناعية من خلال اعتماد مرونة اكبر في قوانينها وحث شركاتها النفطية على إعطاء الأولوية لبناء المصافي، على رغم انخفاض أرباحها عموماً، وليس فقط تحقيق الأرباح العالية للمساهمين».

ولفت التقرير الأخير لـ»الوكالة» لشهر حزيران (يونيو) الجاري إلى حجّة جديدة موجّهة ضد دول «أوبك»، هي ان «هذه الدول لا تملك طاقات إنتاجية فائضة كافية لمواجهة الأزمات الصناعية والسياسية الطارئة»، وان هذا النقص «الجديد» في الطاقة الإنتاجية الفائضة هو السبب في ارتفاع أسعار النفط عالمياً.

ويتضح ان الذي تطالب به «وكالة الطاقة الدولية» بالفعل، هو ان تتحمل الدول المُنتجة، وليس شركات النفط العالمية، كلفة بناء طاقات إنتاجية فائضة، لا تستعمل إلا عند الأوقات الاضطرارية، أكثر مما تتحمله هذه الدول فعلاً في الوقت الحاضر.

كما صدر أخيراً التقرير الشهري (حزيران/يونيو) لمنظمة «أوبك» عن أسواق النفط وأجاب التقرير في أجزاء عدّة منه على الادعاءات السابقة.

وأفاد بصراحة بأن دول المنظمة بادرت في الماضي القريب، وتبقى مستعدة مستقبلاً لتلافي أي نقص في أسواق النفط الخام. وأكد ان الأسواق تزود باستمرار ما تحتاجه من النفط، ولا يوجد أي عجز يذكر.

يشار الى ان سبب تركيز التقرير على هذه النقطة، هدفه ان تؤكد «أوبك» أنها «تقوم بواجبها لتعزيز توازن العرض مع الطلب عالمياً، وأنها ليست مسؤولة عن ارتفاع الأسعار»، بل ان السبب الرئيس في ذلك هو «النقص المزمن في عدد المصافي في الدول الصناعية».

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الحياة اللندنية-24-6-2007