إنهاء حالة التبعية النفطية الأمريكية

(1-2)

 

 

محمد فايز فرحات

 

 

في محاولة لترشيد الجدل العام في انتخابات الرئاسة الأمريكية في عام 2008، قام معهد بروكنغز بعمل مشروع Opportunity 08،  الذي يهدف إلى ترشيد الجدل والحوار العام أثناء الانتخابات، وطرح بعض الأفكار والسياسات البديلة على الرئيس الأمريكي القادم بشأن بعض التحديات المهمة.

وقد خصص المشروع أحد أعداده لمناقشة قضية التبعية النفطية التي تعد واحدة من أهم القضايا التي تشغل الرأي العام الأمريكي ومؤسسات صنع القرار.

وهناك اتفاق كبير بين معظم الأمريكيين على أن الاعتماد الأمريكي على السوق الخارجية لتأمين حاجتها من النفط أو ما يطلق عليه "التبعية النفطية" أصبح مشكلة خطيرة. وقد شهد الاهتمام بتلك القضية تحولا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، إذ لم تعد تُعالج تلك التبعية باعتبارها خطرا بيئيا فقط، أو مصدرا لاستنزاف الاقتصاد الأمريكي، ولكنها أضحت أيضا مسألة أمن قومي، إذ يرى كثير من المتخصصين في دراسات الأمن القومي الأمريكي أن هناك علاقة سلبية بين "التبعية النفطية" والأمن القومي الأمريكي، ويحذر هؤلاء من خطورة حجم التدفقات المالية الأمريكية إلى دول الخليج، استنادا إلى اعتبارات الأمن القومي الأمريكي.

والواقع أن تخفيف "التبعية النفطية" تعد مسألة شديدة التعقيد والصعوبة، لأسباب كثيرة، فقد أشار التقرير في هذا الإطار إلى الحالة الراهنة من الاعتماد المكثف على النفط الذي يمثل نحو 97% من مصادر الطاقة للسيارات والمركبات في الولايات المتحدة، وطبيعة النفط ذاته كمصدر كثيف الطاقة، سهل النقل، وتخصيص تريليونات الدولارات على البنية الأساسية الخاصة باستخدام النفط وتأمين تدفقه إلى الاقتصاد الأمريكي، فضلا عن العلاقات والشراكات والتحالفات السياسية والتحالفات العسكرية الخارجية التي تم تشكيلها وبناءها استنادا إلى الحاجة الأمريكية للنفط، والموارد المالية والسياسية والعسكرية التي تخصيصها للحفاظ على استمرار تلك العلاقات والتحالفات، وارتفاع حجم العائد الذي تحصل عليه شركات التنقيب الأمريكية من الخارج...الخ.

وبالإضافة إلى العوامل السابقة، فقد أشار التقرير إلى ثلاث حقائق أساسية تجعل من تخفيف التبعية النفطية على المديين القريب والمتوسط مسألة شديدة التعقيد.

- أولا صعوبة إحلال مصادر طاقة بديلة محل النفط في قطاع المركبات والسيارات، إذ تعتمد المركبات الحديثة اعتمادا كاملا تقريبا على النفط.

وعلى الرغم من وجود بدائل أخرى من الناحية النظرية مثل الإيثانول 85 E85 (85% ايثانول + 15% بنزين)، إلا أنه يتوفر في أقل من 1%  من محطات توزيع الوقود الأمريكية.

- ثانيا صعوبة تحول الاستثمارات والمستثمرين إلى الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة، سواء في مجال إنتاج وتطوير تلك المصادر أو إنتاج سيارات تتوافق مع مصادر الطاقة البديلة.

- وأخيرا ارتباط التبعية النفطية بعقود طويلة من السياسات الحكومية لتأمين تدفقات للنفط (بناء شبكات الأنابيب، بناء التحالفات السياسية الخارجية، المخصصات العسكرية والمالية الضخمة للحفاظ على تلك التحالفات ..الخ)، والتي يصعب تغييرها على المدى القصير.

مشكلات التبعية النفطية

1. التبعية النفطية مصدر من مصادر تهديد الأمن القومي الأمريكي : على العكس مما يطرحه البعض من أن استمرار تدفق النفط هو أحد أدوات الحفظ على الأمن القومي الأمريكي، يرى التقرير أن استمرار التبعية النفطية يمثل تهديدا للأمن القومي الأمريكي.

ويطرح التقرير هنا عددا من المداخل للتأثير السلبي للتبعية النفطية على الأمن القومي، فيما يلي أهمها:

أ- أن السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج والتي استندت إلى هدف تأمين تدفق النفط إلى الاقتصاد الأمريكي، بدءا من التحالفات السياسية إلى الوجود العسكري المباشر في دول الخليج بعد حرب تحرير الكويت في عام 1991، أدت إلى تقوية مشاعر الكراهية ضد الولايات المتحدة.

هذه الكراهية تمثل أحد أدوات التجنيد والتعبئة للتنظيمات الإسلامية الجهادية.

ويشير التقرير بشكل خاص هنا إلى نجاح تنظيمات الإسلاميين الجهاديين في استغلال الوجود العسكري الأمريكي في دول الخليج، خاصة المملكة العربية السعودية، ثم الاحتلال الأمريكي للعراق، كمصدر مهم لتأمين التجنيد والتعبئة لصالح تلك التنظيمات.

ب- أن التدفقات المالية الضخمة إلى دول الخليج تمثل مصدرا مهما لدعم شبكات الإرهاب، ويقوم منطق التقرير هنا على أن جزءا من الأموال الضخمة التي تتدفق إلى دول الخليج العربية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، تذهب إلى المدارس والجامعات الدينية التي تنشر أفكارا وأراء معادية للولايات المتحدة.

وقد أدى حرص الولايات المتحدة على ضمان تعاون السعودية معها بهدف ضمان استقرار سوق النفط إلى فرض الكثير من القيود على إمكانية ممارسة الضغوط على المملكة لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة - وفقا للمعايير الأمريكية - لوقف تمويل المؤسسات التعليمية الدينية.

ويذهب التقرير إلى استنتاج مؤداه أن التبعية النفطية تحد من قدرة الولايات المتحدة على ممارسة الضغوط على الدول النفطية للتعاون معها في مجال محاربة الإرهاب. ويضرب التقرير مثالا آخر في هذا الإطار بحالة الأزمة الإيرانية الراهنة، فالتخوف من إقدام إيران على حظر تصدير النفط، بما يؤدي إلى اضطراب السوق العالمية، يمثل أحد الضواغط المهمة لعدم ممارسة المزيد من الضغوط على إيران فيما يتعلق ببرنامجها النووي، رغم ما يمثله ذلك من خطورة أيضا على الأمن القومي الأمريكي في حالة وصول هذا السلاح إلى الإرهابيين عبر إيران.

2- التبعية النفطية مصدر مهم للتهديدات البيئية: ويأتي مصدر التهديد البيئي الرئيسي للنفط من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي تنتج عن احتراق النفط والذي يستقر في الغلاف الجوي، والذي يؤدي بدوره إلى ارتفاع في درجات الحرارة.

ويعد النفط مسئولا عن 42% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتج عن احتراق مصادر الطاقة (أكثر من الفحم ذاته). أيضا يُعد النفط مصدرا مهما لارتفاع نسبة الدخان والسحاب الأسود في المدن الأمريكية.

3- ومن الناحية الاقتصادية، يمثل النفط مصدرا مهما لاستنزاف الثروات المالية الأمريكية، خاصة في ضوء ضعف مرونة طلب المستهلك الأمريكي على النفط ؛ فارتفاع أسعار النفط لا تؤدي إلى تحول المستهلك إلى مصدر آخر للطاقة بسبب صعوبة إحلال مصدر آخر محل النفط. ونتيجة لذلك، أدى ارتفاع أسعار النفط خلال السنوات القليلة الماضية إلى تحميل الاقتصاد الأمريكي أعباء مالية ضخمة، فقد ارتفع سعر البرميل من 25 دولارا في صيف 2003 إلى 78 دولارا في صيف 2006. ويكفي أن نعلم أن ارتفاع سعر البرميل بنحو 10 دولارات يكلف الاقتصاد الأمريكي 50 بليون دولار إضافي (نحو 0.4% من الناتج المحلي الإجمالي) وقد بلغت قيمة الواردات الأمريكية من النفط في عام 2006 فقط أكثر من 250 بليون دولار.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:تقرير واشنطن-العدد112