الارهاب وخيارات البقاء والتنمية

 

 عبد النبي سلمان

 

عصر الجمعة الفائت كانت المملكة العربية السعودية والمنطقة على موعد مع عمل ارهابي من نوع آخر، اضطربت لأجله أسواق النفط، حيث ارتفعت أسعاره في البورصات العالمية، نظرا لحجم التهديد الذي توعدت به قوى الارهاب واحدة من أكبر مصافي النفط في المنطقة والعالم، حيث كان ليقظة  واستعداد قوات الامن السعودية أكبر الاثر في منع حدوث تأثيرات بالغة على أمن المملكة وعلى أوضاع أسواق النفط وبالتالي الاقتصاد العالمي، نظراً لما تمثله السعودية باعتبارها أكبر منتج للنفط في العالم من أهمية كبرى على حاضر ومستقبل صناعة النفط في العالم.

وطبيعي أن تكون تداعيات ذلك الفعل الاجرامي بتلك القوة نظراً للأسباب السالفة الذكر، ولكن ألا يعني ذلك الحدث أن هناك حاجة ماسة للتفكير جديا في معالجات جذرية لقضية الارهاب وما جلبته من احتقانات مستمرة لمنطقتنا والعالم، بحيث تتجاوز المعالجات الامنية الى ما هو أبعد من ذلك؟  خاصة وأن  المنطقة بأسرها باتت مفتوحة على العديد من الاحتمالات في ظل تصاعد حدة التوترات الامنية اقليميا وعالميا، وهناك العديد من الساحات المشتعلة وتلك المهيأة بالفعل الى مزيد من الاشتعال.

فها هي الساحة اللبنانية تكاد تنفجر بشررها المستطير وتتلبد الغيوم في أجوائها مع بروز مزيد من حالات الفرز والخصومات السياسية، والتي ترتبط في الكثير من تداعياتها بمرحلة ما بعد اغتيال الرئيس الحريري وانسحاب القوات السورية، في الوقت الذي تنتظر سوريا أوقات لا تبدو مريحة بالمرة، جراء أجواء الترقب الدولية التي أكدتها  افرازات الساحة اللبنانية وتقرير القاضي  ديتليف ميليس ، وكذلك هو الحال مع التصعيد الخطير في قضية الملف النووي الايراني والصراع الدائر حول هذا الملف، والذي ينذر  بتوترات قادمة لا يمكن التنبؤ بها في ظل بروز بعض التداعيات الامنية  والسياسية في داخل ايران وفي أوساط النظام الايراني،  وهي مؤشرات لا يمكن أن تمر من دون حسابات دولية منتظرة، خاصة وأن ساحة الجوار العراقية المشتعلة ترفض أن تهدأ ولو قليلا ليتسنى للجميع التقاط الانفاس، وسط أجواء مشحونة لا يمكن التنبؤ بأبعادها المستقبلية.

كما أن القضية الفلسطينية هي الاخرى تكاد تنبىء بمزيد من المتغيرات في أدوات ووسائل الصراع ومنهجيته واتجاهاته، والتي باتت تحتمل الكثير من التوقعات وأجواء الترقب والانتظار جراء وصول حركة “حماس” الى السلطة وتواري القوى الفلسطينية التقليدية ولو الى حين.  كل ذلك  وأكثر منه يعتمل في أجواء سياسية محتقنة بالفعل، لم تستطع حتى الطفرات والمتغيرات الاقتصادية الايجابية التي تمر بها بعض دول المنطقة من التقليل من حدتها حتى الآن. فها هي قوى الارهاب تصر على ممارسة ارادة البقاء على الرغم من الضربات الموجعة التي وجهت اليها وفي أكثر من موقع ابتداء من أفغانستان ومرورا بالعراق الجريح ووصولا الى محاولة تفجير مصفاة نفط (ابقيق) يوم الجمعة الماضي.  ويبقى السؤال الذي سيظل على ما يبدو من دون اجابة شافية الى فترة ليست بالقصيرة: هل قدّر لهذه المنطقة أن تظل محورا لصراع اقليمي ودولي لا يهدأ في الوقت الذي تتفرج فيه أنظمة المنطقة على ما يجري وتنعدم فيه المبادرات الإقليمية والدولية لإنقاذ المنطقة والعالم نظراً للأهمية الكبرى التي تضطلع بها المنطقة؟

ومن الصعب الركون لإجابات جاهزة حول كيفية تحقيق أمن واستقرار المنطقة ، نتيجة لحجم التعارضات القائمة وتداخل المصالح الاقليمية والدولية وهي مسألة مفهومة، ولكن ما يستعصي على الفهم  حقيقة، هو انعدام أو لنقل غياب الحد الادنى من التفاهم بين دول المنطقة وشعوبها حول ترتيبات الحد الادنى  من التعايش على الاقل، والتي من شأنها أن تقلص من حجم الاحتقانات القائمة، وتبعد شبح نشوب حرب أو حتى حروب قادمة لا سمح الله، وكأن المنطقة تجر عنوة لنزاع عسكري محتمل وليس لأهلها من حيلة في ذلك، خاصة وأن ذكرى تحرير الكويت من جريمة الغزو العراقي الغاشم قد مرت بداية الاسبوع الجاري، وكأنه بات لزاما علينا أن نتعايش مع بعض من تداعياته المشينة لفترات قادمة، حتى ولو بقي صدام حسين في قفص الاتهام، في الوقت الذي تتحدث فيه دول المنطقة المنتشية بقفزات أسعار النفط القياسية عن مشاريع تنموية ضخمة وواعدة، وتتسارع رؤوس الاموال العالمية والشركات العابرة للقارات للاستفادة منها بكل ما أوتيت من قوة.

وفي خضم كل ذلك فاننا لا نستطيع أن نرصد تحولا جوهريا ونوعيا في كافة دول المنطقة للأخذ بأساليب الحكم الديمقراطي في أنظمتها الحاكمة على الاقل بدوافع  محاولة الخروج من كل تلك المآزق والتوترات والاحتقانات المتوالية، وكأن الديمقراطية أضحت ترفاً لا يمكن الحديث حوله في ظل  النهم الطاغي لتكدس الثروات ان لم نقل لنهبها، وفي ظل تصاعد العمليات الارهابية واحتقان الاجواء السياسية وزيادة حدة التطرف والانقسامات الحادة والصراعات المذهبية البغيضة التي  باتت تضرب بشدة في داخل مدننا وأحيائنا ومدارسنا ومصانعنا، حتى باتت مجتمعاتنا  الخليجية والعربية على وجه التحديد، مزيجا من التباعد والعزلة والخصومات والانقسامات الداخلية والاقليمية، مما سيفضي حتما الى استسهال ضربها من تلك القوى التي يهمها من دون شك اضعاف الانظمة وتيئيس الشعوب، وذلك ليس امعانا في تأكيد نظرية المؤامرة التي أدمنتها شعوبنا لعقود طويلة، بقدر ما هو تحقيق عملي لنظرية البقاء للأصلح والاقوى أيضا.

وحتى ذلك الحين تبقى أنظمتنا وشعوبنا على المحك للخروج من حدة تأزماتها الراهنة، حيث سيظل ذلك رهنا بقدرتها مجتمعة على خلق تفاهمات داخلية واقليمية باتت مطلوبة بل وملحة للخروج من تأزماتها المتفاقمة بحيث تكون الديمقراطية محورها الأهم، ليس في مواجهة قوى الارهاب والارهابيين فحسب وانما لبلوغ المستقبل المشرق الذي تتحدث عنه  الحكومات وتنتظره الشعوب بفارغ الصبر، ونحو بناء مجتمعات أكثر أمنا وانسجاما وقدرة على البقاء، لتوفير مناخات آمنة تكون حاضنة حقيقية لمشاريع وتوجهات التنمية التي يكثر الحديث حولها باستمرار دون وعي حقيقي بكيفية بلوغها بنجاح.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: صحيفة الخليج-1-3-2006