الطاقة في مشهد الحروب الدولية

 

عدنان السيد حسين

 

 

منذ أكثر من سنة والحرب الدولية على النفط والغاز الطبيعي ماضية في طريقها، ومن دون ضجة إعلامية توازي تلك المسموعة في العراق وأفغانستان على وقع المعارك الحربية، والتدهور الأمني غير المسبوق.

لقد تأكد لمعاهد البحوث الدولية أن مصادر الطاقة ستبقى محصورة في النفط والغاز الطبيعي بنسبة تصل الى ثمانين في المئة، على المديين القصير والمتوسط .

وأن مصادر الطاقة الأخرى باهظة التكاليف وتحتاج الى تعاون دولي أشمل مما هو واقع. لذلك، فإن القوى الدولية الأميركية والأوروبية والآسيوية دخلت ميدان الحرب على الطاقة، وفي جميع مناطق الطاقة العالمية.

على ان الجبهة الأكثر سخونة هي تلك الممتدة من بحر قزوين الى الخليج.

في أفغانستان يتراجع حلف الناتو عسكرياً، على رغم وجود أكثر من 37 ألف جندي من دول الحلف. وتبدو العلاقة بين هذه الدول واهنة، فيما تعترف قيادة الحلف بالهزيمة أمام قوات حركة طالبان التي أعادت تنظيم صفوفها، وسيطرت على شطر واسع من جنوب البلاد.

وفي العراق تصرّ الإدارة الأميركية على ترميم واقعها الاستراتيجي على رغم فشل خطة بغداد الأمنية، وارتفاع عدد قتلى الجيش الأميركي. وتضطر الى دخول مفاوضات معقدة مع إيران حول أمن العراق، وإعطاء فسحة للجنود الأميركيين كي يتجمعوا في قواعد عسكرية بعيداً من الكثافة السكانية في المدن. لماذا هذا الإصرار؟

لأن الجائزة الأولى في العراق هي النفط، ولأن الوجود العسكري في أفغانستان مهم حيث يقع على حدود روسيا والصين وإيران، ويسمح بالتفاوض على مصير الطاقة وطرقها الاستراتيجية من بحر قزوين الى الخليج، ومنهما الى العالم الصناعي. وثمة إشارات، بل مدلولات على هذه الأولوية.

أخفقت الولايات المتحدة، حتى الآن، في تطويع القرارات الإيرانية والفنزويلية المتعلقة بالطاقة حيث السيطرة الحكومية واضحة.

ولا تزال المملكة العربية السعودية ممسكة بقرارها النفطي، مما يحدّ من الفرص المتاحة أمام شركات نفط دولية من خارج الاتفاقات التي تبرمها حكومة المملكة.

ومن مراجعة سريعة للانفتاح السعودي على الدول الآسيوية، خلال سنة مضت، يتضح هذا التوجه المستقل نسبياً. هذا فضلاً عن خروج نيجيريا وروسيا من دائرة الأحلام الأميركية في مضمار الطاقة.

شركات النفط العالمية الكبرى ممتعضة من دور شركات النفط الوطنية، التي تحدّ من طموحاتها التجارية. وتضغط على الساحة العراقية حتى تبقى في دائرة السيطرة، ولو اقتضى الأمر مزيداً من التضحية بالجنود الأميركيين، وتفاقم الخلافات السياسية مع الحزب الديموقراطي داخل الكونغرس الأميركي.

ثمة مشهد دولي آخر يتكامل مع هذا المشاهد، هو نجاح روسيا في تذليل العقبات التي وضعتها أوكرانيا أمام صادراتها النفطية.

ثم نجاح الرئيس بوتين في التوصل الى اتفاق مع تركمانستان يقضي بنقل مخزون الغاز الطبيعي عبر روسيا بدلاً من اعتماد خط بحر قزوين بعيداً من الأراضي الروسية. يبقى أمام دول الاتحاد الأوروبي أن تفاوض روسيا أو إيران للحصول على مصادر الطاقة.

على ان التنافس الدولي من بحر قزوين الى منطقة الخليج مستمر، وقد يتصاعد.

الحرب الدولية على الطاقة هي حرب حقيقية بسلاح حربي، وبغير سلاح.

فالحرب الأفغانية متصلة بالصراع الدولي على الطاقة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، وتسابق القوى الدولية على وراثة جمهورياته المستقلة  والحرب العراقية تدور في منطقة الاحتياط النفطي الاستراتيجي. والحربان تتصلان، في شكل أو في آخر، بالنفط والغاز الطبيعي إنتاجاً وتسويقاً.

ومن بين أبطال مثل هذه الحروب تجار نفط وغاز، وسماسرة، وشركات وطنية وعالمية كبرى.

ما معنى أن يدعو الأمين العام لمنظمة الدفاع المشترك في وسط آسيا، الروسي نيكولاي بورديوجا، من موسكو الى انضمام إيران الى هذه المنظمة؟

فالمنظمة، التي نشأت لرعاية التعاون الأمني الاستراتيجي بين موسكو ووسط آسيا، تسعى الى إنشاء نظام دفاعي جوي مشترك، وتجنيد قوة عسكرية كبيرة وفاعلة، هذا إضافة الى إصرار موسكو على رفض تطويقها بالقواعد العسكرية الأميركية جنوباً (من أفغانستان والجمهوريات المستقلة حديثاً)، وغرباً (من تشيخيا وبولونيا) .

هل هذه المشاهد مقدمات لحرب باردة جديدة؟

يصف بعض المراقبين التداعيات الدولية الأخيرة، والمرتبطة بنتائج تفجيرات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، بأنها حرب باردة جديدة.

بيد أن العلاقات التجارية القائمة بين القوى الدولية المتنافسة، تقلل من احتمالات العودة الى الحرب الباردة، وإن كانت لا تنفي التوجه الى نظام عالمي متعدد الأقطاب.

هذا على رغم عظمة القوة الأميركية التي تبقى في الصدارة.

مرة جديدة يتأكد للساسة والدارسين ان الحروب العسكرية ليست سوى وسيلة لتحقق أهداف سياسية واقتصادية.

وما لم تستطع الدول إنجازه بالسياسة والديبلوماسية تذهب الى تحققه بالحرب.

وما حروب (الناتو) في بلاد الأفغان، وحروب القوات المتعددة الجنسية بقيادة أميركية في بلاد الرافدين، والحروب المتقطعة الداخلية والإقليمية من الصومال الى فلسطين... سوى وسيلة للحصول على جوائز سياسية واقتصادية. أما النفط والغاز الطبيعي فإنهما الجائزة الدولية حتى منتصف القرن الحالي على الأقل. هل يرتاح الشرق الأوسط والحال هذه من وطأة الصراعات الدولية؟

*كاتب لبناني

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الحياة اللندنية-2-6-2007