النجاح الاقتصادي للصين... تفاؤل مصحوب بالتحديات

 

نيكولاس كريستوف

 

 

"دونغوان" مدينة صينية، ربما لم تسمعوا بها من قبل؛ إلا أنها مدينة كبيرة يبلغ عدد سكانها 10 ملايين نسمة، الجزء الأكبر منهم هو الذي يؤمِّن ملابسنا وأحذيتنا؛ ذلك أن 40 في المئة من الأحذية الرياضية التي تباع في الولايات المتحدة تأتي من "دونغوان". و"دالانغ" هو أحد أحياء هذه المدينة، وقد أصبح "عاصمة السترات في العالم"، إذ ينتج نحو 300 مليون بدلة سنوياً، 200 مليون منها تصدَّر إلى الولايات المتحدة.

وبالتالي، فإن علينا أن نتذكر مدناً مثل هذه عندما يطالب دعاة الحمائية الاقتصادية في الولايات المتحدة بفرض عقوبات اقتصادية على الصين، في وقت لم تحرز الجولة الأخيرة من المحادثات بين واشنطن وبكين التي تنتهي الأربعاء المقبل تقدماً كبيراً.

إذ يريد بعض "الديمقراطيين" ممن لا يتحلون بحس المسؤولية في الكونجرس إقناعنا بأن نجاح الصين الاقتصادي ليس سوى نتيجة للتلاعب بالعملة، والقوانين الجائرة، وقرصنة الأفلام الأميركية.

صحيح أن قيمة العملة الصينية منخفضة جداً، إلا أن أماكن مثل "دونغوان" ازدهرت كثيراً بفضل قيم نحب أن نصفها بالأميركية، مثل الإبداع والاجتهاد وروح المقاولة واحترام الأسواق. في السابق، كان معظم سكان "دالانغ"، عاصمة السترات، من الفلاحين إلى أن أتى مستثمر من هونج كونج وفتح مصنعاً للسترات في مطلع الثمانينيات. وبعد بضع سنوات، بدأ العمال يغادرون المصنع ويفتحون مصانعهم الخاصة؛ وكان كل من العمال وأصحاب المصانع يعملون بكد واجتهاد كبيرين.

فقد أخبرتني إحدى العاملات في إقليم غواندونغ بأنها تعمل 12 ساعة في اليوم، وسبعة أيام في الأسبوع، و365 يوماً في السنة، وأنها لا تأخذ إجازة حتى في رأس السنة الصينية.

وقالت لي إنها اختارت العمل كل هذه الساعات من أجل تأمين حياة أفضل لابنها. وعليه، فإذا كان دعاة الحمائية الأميركيون يريدون انتقاد أحد بسبب نجاح الصين الاقتصادي، فعليهم أن يلوموا هذه المرأة والملايين من أمثالها.

ثم علينا أن نتذكر أن الصين مختلفة عن يابان عقد الثمانينيات التي كانت تسجل فائضاً كبيراً ومتواصلاً مع جميع الدول تقريباً.

والواقع أن فائض الصين الإجمالي ارتفع خلال السنوات الخمس الأخيرة، غير أن ميزانها التجاري يسجل عموماً نوعاً من التوازن، وإن كانت تسجل عجزاً تجارياً مع كثير من البلدان.

ذلك أن الصين تستورد مكونات من الخارج، ثم تقوم بتجميعها وتركيبها بتكلفة منخفضة، وبعد ذلك تقوم بتصدير المنتوج النهائي إلى الولايات المتحدة - وبالتالي، فإن القيمة الإجمالية تظهر في الفائض التجاري الصيني مع الولايات المتحدة، وذلك بالرغم من أن 65 في المئة، في المتوسط، من القيمة تستوردها الصين من الخارج .

فعندما تباع دمية "باربي" صينية الصنع في الولايات المتحدة بـ9.99 دولار مثلاً، فإن 35 سنتاً فقط تذهب إلى الصين.

صحيح أن الصين تقوم بقرصنة الأفلام والبرامج الحاسوبية -غير أن الولايات المتحدة كانت أسوأ في هذه المرحلة من التنمية (عندما كنا نثير حفيظة انجلترا ونسرق ممتلكاتها الأدبية من دون شراء الحقوق).

وإذا كانت أقراص "الدي. في. دي" تباع في أزقة مانهاتن في وضح النهار، فإن الباعة الصينيين أثبتوا أنهم أكثر إبداعاً وابتكاراً.

فقبل بضعة أيام، توقفت في أحد محلات "الدي. في. دي" في بكين من أجل الاطلاع على معروضاته.

كل شيء بدا مطابقًا للقانون، غير أنه سرعان ما سألتني البائعتان ما إن كنت أرغب في رؤية الأفلام الأميركية - فقامت إحداهما بسحب خزانة للكتب ليظهر باب سري يفضي إلى غرفة ملأى بأقراص "الدي. في. دي" المُقرصنة. والواقع أن الأمر يتعلق بالقرصنة - ولكنها أيضاً الرأسمالية في أقسى وأشرس مظاهرها.

ثمة العديد من الأسباب لممارسة الضغط على الصين، ومن ذلك سجنها للصحافيين، ودورها المُشين في توفير الأسلحة التي تستعمل في ارتكاب الإبادة الجماعية في دارفور. غير أن الشكوى من فعالية الرأسمالية الصينية لا تليق بنا.

اللافت أن نموذج التنمية الصيني بدأ يفقد قوته وزخمه؛ حيث بدأ النقص في اليد العاملة يزداد، وهو ما يؤدي إلى ازدياد تكلفة الأجور.

كما أن المصانع الصينية باتت مضطرة إلى إنفاق المزيد من المال من أجل تحسين تدابير السلامة للعمال، والحد من التلوث، ذلك أن البيئة مشكلة كبرى في الصين إلى درجة أن 16 من أكثر مدن العالم تلوثاً توجد اليوم في الصين.

وإضافة إلى ذلك، ستضطر الصين أيضاً إلى مراجعة قيمة عملتها المنخفضة، وهو ما سيؤدي بدوره في ارتفاع الكلفة.

ونتيجة لذلك، فإن "سعر الصين" لن يبقى أكثر الأسعار انخفاضاً في العالم؛ كما أن ملايين الوظائف في قطاع الملابس والألعاب ستنتقل إلى بلدان حيث الأجور أكثر انخفاضاً مثل فيتنام وبنجلادش .

وبالتالي، فإذا كانت الصين ستواصل صعودها التاريخي، فسيتعين عليها أن تتسلق السلم التكنولوجي وتنتقل إلى الاستهلاك الداخلي باعتباره المحرك الاقتصادي الرئيسي. والحال أن حصة الاستهلاك في الاقتصاد الصيني انخفضت بشكل مهم منذ 2000.

وباعتباري واحداً من أكبر المتفائلين بخصوص الصين خلال السنوات الخمس والعشرين الأخيرة، أعتقد أنه آن الأوان كي نفتح أعيننا وننتبه إلى الواقع.

يعد الرئيس "هو جينتاو" من أقل الزعماء الصينيين من حيث امتلاك الرؤية الثاقبة، منذ "هوا غوفانغ" قبل ثلاثين عاماً من اليوم؛ إذ تعاني الصين مشكلة الزعامة الضعيفة في وقت تخوض فيه انتقالاً نحو نموذج اقتصادي جديد، وانتقالاً سياسياً نحو مجتمع أكثر انفتاحاً.

 ولئن كنتُ على يقين أن الصين ستتغلب على هذه الصعاب وتنجح، فإنني لا أعتقد أن العالم يُقدر المخاطر والتحديات المقبلة.

*كاتب ومحلل سياسي أميركي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"-27-5-2007