لعاب أباطرة الصناعة يسيل على نفط العراق

 

 

اندي رويل

 

"هيوستن نحن نواجه مشكلة"، ورد نذير الشؤم السيئ الصيت هذا في ثنايا نداء الاستغاثة الذي أطلقته رحلة "أبولو 13" الفضائية في عام 1970. حسناً، ها هي هيوستن تعترضها مشكلة مرة أخرى، إلا أن هذه المعضلة الراهنة لا صلة لها البتة بالفضاء وريادته، فهي تتعلق بما يجري التنقيب عنه وسبر أغواره تحت الثرى.

هيوستن إذن هي، كعهدها منذ البدء، مربط خيل الصناعة النفطية الأمريكية ومعقلها التاريخي الأقوى ومركز جبروتها بما ضمته من حيتان نفطية عملاقة من مثل شركة "اكسون" العالمية، إلا أن لدى شركات النفط متعددة الجنسيات مشكلة تتفاقم سنة بعد سنة، ولربما كانت كبريات شركات النفط مثل "اكسون" و"شل" و"بريتش بتروليوم" (بي بي) تتربع على تلال من السيولة النقدية، إلا أنها تواجه ومنذ مدة، وبشكل متزايد صعوبات جمة في الوصول إلى النفط.

إلا أن مؤسسة "بي إف سي انرجي" الاستشارية للدراسات النفطية، التي تتخذ من واشنطن مقراً رئيسياً لها نشرت الأسبوع الماضي نذيراً مفزعاً آخر بشأن حالة وأوضاع صناعة النفط العالمية، كما يسلط التقرير الضوء على مسألة التحول في موازين القوى ورجحان كفة شركات النفط الوطنية التي تهيمن عليها الدولة.

وحسب هذه المؤسسة فإن شركات النفط متعددة الجنسيات تمتلك الآن أو يمكنها الوصول إلى أقل من 10% من مصادر النفط العالمية، وهذا يعني أن 90% من احتياطي النفط تملكه اليوم شركات نفط حكومية، أو أنه ليس في متناول الشركات متعددة الجنسيات ولا يتوافر بسهولة بالنسبة لها.

لذا دعونا نستعرض على عجل أسماء بعض الدول التي تستأثر باحتياطيات نفطية ضخمة ونورد نبذة مقتضبة عن أوضاعها التي توضح القضية التي نتناول، فالسعودية لديها أكبر الاحتياطيات على الإطلاق، لكنها تحرص على الاحتفاظ بالسيطرة الحكومية، مما يحد من الفرص المتاحة أمام كبريات شركات النفط الدولية.

وتباهي إيران كذلك باحتياطي نفطي وغازي ضخم، إلا أنها تواجه تطويقاً دولياً يسعى إلى عزلها بسبب برنامجها النووي، وتحظر الولايات المتحدة على الشركات الأمريكية العمل في إيران، وغالباً ما تحاول واشنطن الحيلولة دون قيام شركات من بلدان أخرى بالاستثمار في هذا البلد، غير أن هذا النهج لم يثن ثلاثاً من أكبر شركات الطاقة الأوروبية عن التفكير جدياً بالاستثمار في إيران والسعي عملياً الى إبرام عقود لتطوير حقول الغاز الضخمة فيها.

ولدى فنزويلا أيضاً احتياطي ضخم من خام النفط "الثقيل" الذي يمكن لشركات النفط الكبرى استغلاله، لكنّ هذه الفرصة يبدو أنها ضاعت الآن، فشركات النفط الكبرى تلقت ضربة موجعة مؤخراً، إذ جابهت موجة عاتية من إعادة التأميم في البلاد، وأحكم رئيس فنزويلا هوجو شافيز في بداية هذا الشهر سيطرته على آخر المشاريع الباقية التي كانت تحت هيمنة شركات النفط الدولية في منطقة أورينوكو. والمحور الذي تدور حوله صناعة النفط إنما هو المخاطر وكيفية إدارتها، وتنجلي أكثر فأكثر اليوم حقيقة أنه في عالم يحال فيه بين شركات النفط الأجنبية ومكامن النفط الاحتياطية الهائلة فإن هذه الشركات سوف تزيد المخاطر في أعمالها كي تؤمن احتياطياً كافياً من النفط، وهذا يأتي بنا إلى العراق، الذي يشكل احتياطيه النفطي نحو 10% من إجمالي احتياطي العالم من النفط.

وثمة طائفة عظيمة من الناس الذين ظلوا يجادلون دائماً ويتشبثون برأيهم حول أن غزو العراق لم يحركه سوى دافع نهب نفط البلاد والاستحواذ على ثرواتها، وهناك فريق آخر، تعتبر حكومتا بوش وبلير أبرز ممثليه، يرى أن لا صلة للحرب ولا للاحتلال على الإطلاق بالعراق، ثم هناك أيضاً ملايين من الناس في الوسط يعتقدون مثلي أن النفط ربما لم يكن السبب الأوحد الذي دفع الغزاة لاحتلال العراق، غير أنه كان يقيناً أحد أكبر البواعث على هذه الهجمة على هذا البلد، والأهم من ذلك أنه في كل عام منذ غزو العراق جعلت الأهمية الاستراتيجية لنفط العراق تزداد بشكل متسارع بالنسبة لعمالقة شركات النفط، فمنذ عام ،2003 وكما بتنا ندرك الآن تماماً، اتجهت الأحداث نحو الأسوأ بالنسبة لهم ولا سيما في فنزويلا ونيجيريا وروسيا، وللعراق مشاكله أيضاً، إلا أن الجائزة من الضخامة بحيث يستسيغ من تحلقوا حول مائدته الشهية لعق بعض المرّ.

ويحتدم اليوم الصراع الشرس حول من يهيمن على احتياطي العراق من النفط، وتشتد ضراوة هذا النزاع لترسخ القناعة بأن غزو هذا البلد لا يمكن أبداً فك ألغازه إلا بإدراك الأهمية القصوى للنفط بالنسبة للغزاة ومن يلوذ بحماهم من الشركات متعددة الجنسيات، وتمنح مسودة قانون تم تمريرها في فبراير/شباط سيطرة هائلة على الاحتياطي النفطي العراقي للشركات الدولية، وتهدد إدارة بوش الآن الحكومة العراقية بأنها إذا لم تصادق على المشروع وتباركه فسوف تسحب عنها غطاء الثقة وتفضح ممارساتها وسوف تسحب القوات الأمريكية وتترك هذه الحكومة تواجه قدرها في العراق. وتعارض النقابات واتحادات العمال العراقية هذا وتحاربه بكل ما أوتيت من قوة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الخليج الإماراتية-29-5-2007