فساد إداري أم إدارة فساد ؟

 

 

كريم خلف جبر الغالبي

 

 

في دعوة موسّعه لإحدى مؤسسات المجتمع المدني من اجل حشد وتعبئة المجتمع لمعالجة الفساد الإداري، هذه الآفة الكبيرة التي استشرت في جميع مؤسسات الدولة وأصبحت من اكبر وأصعب المشكلات التي تواجه الحكومة وخاصة الذين يسعون جاهدين للوقوف عليها والحد منها حتى أن المتصدي لها يشعر بالإحباط والتراجع بسبب ما يلاقيه من مشاكل يعجز عن مواجهتها والأمر الذي نود الاشاره إليه ما عرضته هذه المؤسسة من استبيان نتيجة استفتاء قامت به أسوة بمؤسسات مشابهة لها، أوضح الاستبيان بشكل صريح عن بروز هذه الظاهرة معتمدا اخذ عينات كبيرة من مختلف الفئات العمرية والوظيفية وبامتداد واسع شمل جميع محافظات القطر رغم إن هذه الظاهرة ببروز ملامحها وتطاول قرونها لا تحتاج إلى مثل هذا الاستبيان إلا من باب الدقة في دراستها.

واضح لدى الكثير وخاصة المنصفين من هذا الشعب إلى أي مدى تمتد أسبابها وإنها متجذرة في نفوس اغلب فئات مجتمعنا من القاعدة وحتى قمة الهرم وقد لعبت المرحلة السابقة دورا خطيرا في تفشيها حتى أصبحت سلوكا اعتاد عليه الكثير من المواطنين والموظفين وإلا كيف نفسر عيش الموظف براتب شهري لا يكفي مصروف يوم واحد ، هنا لا أريد المساس بالذين ترفعوا عن ذلك واخذوا يبحثون عن طرق شتى أعيت الكثير منهم لأجل أن لا تمتد أيديهم على حقوق الآخرين واضطر البعض منهم ترك الوظيفة، فالذي نريد قوله إن هذه الظاهرة قد ساهم بها الجميع وان هذا التخبط الذي يسعى إليه الكثير لرمي الكرة في ملعب غيره، غير مجد ولا نستطيع تبرير أي جهة أضف إلى ذلك فان البلد لازال تحت وطأة قوات اجنبية ولها دور كبير في تفشي هذه الظاهرة من خلال الممارسات الخاطئة وتطبيق الخطط غير المجدية والتي أثبتت التجربة عدم جديتها، وإذا كان اللوم يقع على الحكومة هنا لابد من سؤال يقول، هل إن هذه الحكومة لها كامل الحرية في الاختيار والتطبيق وإبداء الرأي؟ وحتى إذا كانت كذلك فان المصالحة الوطنية والفهم الخاطئ لها والتوافقيات التي سعت لها الدولة نتيجة ضرورات ملحة كان سببا لا يمكن التغاضي عنه،ولابد لنا أيضا أن نعرف إن الحرب التي أعلنها الإرهاب على هذا الشعب والتي أدت إلى تداعيات أمنية خطيرة، هل اكتفت بتفجير المفخخات والقتل العشوائي فقط؟ أم إن لها أساليب أخرى وطرقاً متنوعة تحقق هدفها المشترك، نكاد نجزم بان الذين بانت عوراتهم في الاختلاس ونهب الأموال العامة هم أياد أخرى لهذا الإرهاب.كما إن المواطن بعفويته البسيطة وانتظاره الذي لا يحتمل واندفاعه للحصول على لقمة العيش تضطره للسكوت عن ما يراه من مساومات يخضع لها لأجل مصلحته قد ساهم من غير أن يدري أو لا يدري بدور كبير أيضا في تفشي الفساد الإداري ، وعلينا أن نفهم أيضا إن المؤسسات الحكومية وان كانت تتمثل بمرؤوسيها إلا إننا يجب أن نقتنع تماما بان الكثير من موظفيها لا يروق لهم الإخلاص بعمله إذا كان كبيرهم يختلف معه في الرؤى من حيث الفكر أو الانتماء الحزبي، إن هذه الأسباب وغيرها الكثير يجعل أدق البيانات لا تعطي فكرة دقيقة عن الظاهرة المدروسة وعلينا أن نأخذ بنظر الاعتبار وعي وثقافة العينات التي أخذت منها البيانات لان أصحاب قول الحق في هذا الزمن الرديء يكاد يكون معدوما، كما إن عدم المبالاة وحداثة التجربة في النظر من إن المواطن محورها الأساسي جعلته خالياً من المصداقية في التعامل مع هكذا دراسات ، ولا بد لنا أن  نقول أن لمؤسسات المجتمع المدني دورا أساسيا في معالجة الكثير من القضايا كما أنها مصدر موثوق يرفد الدولة ويساهم معها بمعالجة الأوضاع الخطيرة كما إن عليها من الواجبات ما يجعل المواطن يستبشر خيرا في سعيها باتجاه تحقيق هدفه إلا إن الكثير من مؤسسات المجتمع المدني وللأسف تمارس الدور نفسه وهَمْ الكثير منهم هو كيف يتم تقسيم الكعكة هذا وان الإعلام المتحيز يمارس الدور الأكبر من حيث تكبير وتصغير الأحداث  يخدعون بها قاصري النظر.وهناك دور أيضا تقوم به العشائر التي أصبحت من الركائز المهمة التي يعتمد عليها قيام الدولة وكما هو معروف بانجرارهم وراء حبال التعصب لكل من ينتمي إليهم وان كان على غير حق  يؤدي إلى خروقات وتجاوزات قانونية كثيرة.

لا يمكن لنا أن نقضي على ظاهرة الفساد الإداري إلا من خلال ثوره وانقلاب داخلي يبدأ من تغيير نفوسنا وحثها على تقبل الآخر ونفهم بان الوطن للجميع لا يتمثل بمن جاء أو رحل فالعراق هو بيتنا جميعا ولابد لنا أن نبنيه من جديد لا أن نقوم بترميمات وتلحيظات  نجريها على جدران نخرتها ديدان العثة وان هذه الديدان لازالت تعشش في  نفوسنا ومن اجل القضاء عليها علينا اقتلاعها رغم كل الألم.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: جريدة الصباح-27-5-2007