معضلات العلاقات الروسية الأوروبية الراهنة

 

سيرجي كاراجانوف

 

 

لا يسع المرء سوى أن يندهش من الوضع الحالي الذي تمر به العلاقات الروسية-الاوروبية، اذ باتت قضايا سوء الفهم والقضايا الثانوية هي التي تحتل فيها الأولوية على حساب القضايا الأكثر عمقاً.

وهذه القضايا واضحة تماماً: وهي، الحاجة الى منع انتشار أسلحة الدمار الشامل وإدارة أزمتها، ومكافحة الارهاب الذي سيتفاقم بعد الانسحاب الأميركي الحتمي من العراق، بالإضافة إلى الحاجة الى تجنب تعمق التطرف الاسلامي ومواجهته.

ثمة مصلحة أخرى مشتركة أيضا، ولو أنها غير بائنة، والمتمثلة في حمل الولايات المتحدة على إعادة تحويل دورها الحساس من سياسة أحادية الجانب الى وضع تصبح فيه قيادة فعالة في عالم متعدد الاطراف.

وهناك موضوع آخر ينبغي له أن يكون عامل توحيد بدوره بين روسيا والاتحاد الاوروبي، والذي يعتبر في هذا المنعطف مثار جدل. ذلك هو موضوع الطاقة.

تبدي روسيا، وهي مزود للطاقة، اهتماما طبيعيا بتحقيق أسعار أعلى للطاقة في وقت تهتم فيه أوروبا بأسعار أقل. ويمكن التغلب على هذا الخلاف في حال وافق الطرفان على استراتيجية مشتركة.

ولعل من الممكن منح الملكية لروسيا لتحقق بذلك سيطرة جزئية على التوزيع الاوروبي، في مقابل أن يحظى الأوروبيون بملكية جزئية وسيطرة معينة على التنقيب عن الطاقة في روسيا، وهو العرض الذي ما انفك الرئيس فلاديمير بوتين يطرحه في السنوات الاخيرة، والذي ووجه حتى الآن برد سلبي على نطاق واسع.

في مقابل هذا العرض، جرى اتهام روسيا بممارسة الإمبريالية في حقل الطاقة، بمعنى أنها مزود لا يمكن التعويل عليه (وكأن لدى اوروبا مزودون اكثر موثوقية)، وبعدم القدرة على تطوير مواردها الخاصة (مع ان روسيا لا تحتاج الى مزيد من الغاز او النفط)، ويجري تهديد روسيا باستمرار بانتهاج سياسة طاقة اوروبية مشتركة تعرف باسم "طاقة الناتو"، وهو ما يبدو الخارج أشبه بتكوين نقابة من المستهلكين.

لو كنت قومياً روسياً لدفعني ذلك إلى الغبطة، ذلك أن من المرجح أن تكسب روسيا في هذا الصراع الفظ، حيث تستطيع روسيا بدورها الانضمام إلى تشكيلة من المزودين لصناعة تكتل احتكاري، كما وباستطاعتها ان توجه جزءا من امداداتها الى الشرق والى الجنوب.

وسيكون مثل ذلك الانتصار بمثابة هزيمة استراتيجية لكل اوروبا، غربيها وشرقيها على حد سواء. لكنه يمكن أن يشكل من جهة أخرى أساسا لتحالف طاقة لعموم اوروبا.

ثمة بالطبع أسباب موضوعية تكمن وراء فشلنا في التعامل معاً وفقا لمصالح مشتركة، لعل احدها هو الاختلافات في أطروحات التنمية السياسية، حيث تمر روسيا حاليا بمرحلة عودة النهوض لما بعد الثورة، وتبدو أنها تعود إلى فكرة الدولة القومية والى قيم كانت محظورة في ظل الشيوعية - مثل الدين والملكية الفردية والطموح البشري. اما اوروبا، فإنها تكافح بنجاح للتغلب على قومية الدولة، ومن أجل خلق ثقافة سياسية جديدة تاركة وراءها الاعتماد على القوة في السياسة الخارجية والسعي الى طريقة اكثر جمعية وانسانية.

كان نفوذ روسيا قد وقع مؤقتا في موضع الإهمال في التسعينيات، والذي تتجاوزه الآن بثقة جديدة في النفس، بل وغروراً في بعض الأحيان.

ويتزامن ذلك مع وهن لحق بالنفوذ الاوروبي بسبب ازمة متوسط أعمار مواطني أوروبا، وهو ما خلق لديها احساسا بالضعف والهشاشة.

وبسبب هذه وغيرها من العوامل، لم يكن اي من الجانبين قادرة على صياغة وتطبيق سياسات طويلة الأمد تستند الى المصالح متبادلة. وفي الاثناء، برزت إلى الواجهة قضايا ثانوية بل وسخيفة في بعض الأحيان.

يبدو المصدر الرئيسي للخلاف الراهن هو ما نسميه: "ضاحيتنا المشتركة". ففي اوكرانيا مثلاً، تنافسنا على الانتخابات الاوكروانية في عام 2004، وبتنا نتصارع الآن حول سياسات اوكرانيا الفوضوية.  اختار كل جانب دعم فريق مختلف من الاوليغاركيات المحلية.

وفيما يرى أحدنا في شخص ما مؤيدا لروسيا ومعارضا للديمقراطية، يرى الطرف الآخر في شخص آخر مؤيداً للديمقراطية للاوروبية.

كما اننا تصادمنا ايضا حول فرض روسيا المحير، والمبرر تماما مع ذلك، لأسعار السوق بخصوص الغاز المزود لاوكرانيا.

وعندما حاولت موسكو ان تتخلى عن مساعدات النفط والغاز غير الاخلاقية التي تقدمها لبلاروسيا، توصل الروس الى استنتاج مؤداه أن عليهم كشف ما كان مختفياً بهذا الصدد. وقد عمل ذلك في المقابل على دحض القوة الاخلاقية التي تنطوي عليها الانتقائية الأوروبية.

ثم هناك مشكلة "الدول غير المعترف بها"، وهي الاقاليم التي انشقت عن مولدافيا وجورجيا واذربيجان في اعقاب نزاعات دموية. ومع أن الموضوع ينطوي على فكرة الانفصال، إلا أنه يظل يحتل أهمية دنيا يحار معها المرء حول السبب في إهدار الكثير من الوقت والجهد في بحثه.

وهناك أيضاً مسألة "أستونيا" حيث اختارت بروكسيل اعطاء "ثالين" دعما فعلياً في خطوته لنقل التمثال التذكاري لجندي السوفياتي المجهول، وهو ما شهر به الكثيرون في موسكو باعتباره محاولة لاعادة صياغة تاريخ الحرب العالمية الثانية.

وبينما تجد روسيا والاتحاد الاوروبي انهما يضيعان الوقت على هذه الاختلافات غير المدروسة، يواجه كلاهما احتمال إضعاف موقفه على المدى البعيد بالتركيز على الثانويات.

يعتقد معظم العالم الخارجي بأن اوروبا صائرة الى أن تمنى بالخسارة في التنافس على النفوذ الدولي، وذلك لأن سياساتها الخارجية تسمح لدول صغيرة بأن تملي إراداتها على برلين او باريس او روما.

وبالاضافة إلى ذلك، تعاني أوروبا من الضعف فيما يتعلق بما يمكن اعتباره "مسائل النفوذ الجوهرية" مثل القوة العسكرية او الطاقة.

وبدورها، يتوجب على روسيا، ورغم صعودها الحالي في النمو الاقتصادي والنفوذ الدولي، ان تواجه العديد من التحديات الجيوسياسية على المدى البعيد، والتي لا تستطيع ان تتعامل معها وحدها، مثل نمو الصين او صعود الاسلام المتطرف.

ان تحالفا استراتيجيا بين روسيا والاتحاد الاوروبي يشتمل على قضايا الطاقة قد لا يكون صحيحا من الناحية السياسية عند هذه النقطة. لكنه سيكون بكل وضوح مفيداً لكلا الجانبين، وإلى درجة تلزم معها اعادة طرحه مجدداً على مائدة البحث.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الغد الأردنية- نقلا عن انترناشنال هيرالد تريبيون – 27-5-2007