حول الشراكة الإستراتيجية بين الهند واليابان

 

 

د. عبدالله المدني

 

 

لعبت اليابان دوراً لا يمكن إنكاره في تنمية دول جنوب شرق آسيا وتعزيز اقتصادياتها منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ثم لعبت في العقدين الماضيين دوراً مماثلاً تجاه الصين من خلال ضخ الاستثمارات وتقديم القروض والمساعدات ورفع حجم الواردات بدليل أن التبادل التجاري بين البلدين سجل في العام الماضي رقماً زاد على 207 مليار دولار، فيما وصل حجم الاستثمارات اليابانية إلى نحو 57 مليار دولار.

غير أن طوكيو بدأت في السنوات الأخيرة تدير وجهها نحو جنوب آسيا، وتحديداً نحو الهند حيث الاستقرار السياسي والعمالة الرخيصة المدربة والفرص الاستثمارية الكبيرة ذات العوائد المجزية، ناهيك عن عامل مهم آخر هو عدم وجود ملفات شائكة بين البلدين أو رواسب تاريخية مرة في علاقاتهما البينية، أي على العكس، مما هو قائم بين الصين واليابان أو بين الأخيرة وبعض دول جنوب شرق آسيا من رواسب من زمن النزعة التوسعية اليابانية قبل الحرب الكونية الثانية.

وإذا كان ذلك يفسر بعض أسباب هذا المنحى، فإن ما يفسر البعض الآخر هو أن الهند اليوم ليست ساحة نفوذ تاريخية للاعبين دوليين كبار، كما هو الحال في الشرق الأوسط، بحيث يعجز لاعب جديد عن إيجاد موطئ قدم تنافسي فيه. إلى ذلك فإن ما يجمع اليابان بالهند كثير ومنها أنهما أكبر ديمقراطيتين خارج المنظومة الغربية، ومتناغمتان في سياساتهما الخارجية، ومتوجستان من الصعود العسكري للصين وتمددها في المحيطين الهندي والهادي، ومحتاجتان إلى التعاون المشترك من أجل توفير الطاقة واستقرار أسواقها وتأمين خطوط إمداداتها انطلاقاً من حقيقة أن اليابان والهند هما ثالث وسادس أكبر الأقطار المستهلكة للطاقة في العالم على التوالي.

يعود تاريخ التواصل ما بين اليابانيين والهنود إلى بدايات القرن السادس الميلادي حينما وصلت البوذية إلى اليابان عبر جنوب شرق آسيا. وفي العصر الحديث كانت الهند إحدى أوائل الدول التي وقعت معها اليابان معاهدة سلام وذلك في أعقاب تأسيس العلاقات الدبلوماسية الكاملة في عام 1952، كما أن الهند ساهمت في الأربعينيات والخمسينيات في عملية إعادة تعمير ما دمرته الحرب في اليابان من خلال تزويد الأخيرة بحاجتها من خام الحديد. غير أن العلاقات شابها بعض الفتور أثناء سنوات الحرب الباردة بسبب دخول البلدين في تحالفات مضادة وتبنيهما لسياسات خارجية واقتصادية معاكسة، وهو ما أثر سلباً على وتيرة وحجم المساعدات اليابانية للهند في تلك الحقبة والتي لم تتجاوز 200 مليون دولار، رغم أن الهند كانت من أوائل الدول التي استفادت من برنامج المساعدات اليابانية الخارجية وذلك بعيد زيارة رئيس الحكومة الأسبق "نوبوسوكي كيشي" لنيودلهي في عام 1957.

وهكذا فإن النقلة الكبرى في علاقاتهما الثنائية بدأت مع المتغيرات التي شهدها العالم في التسعينيات، والتي دفعت الهند إلى تغيير تحالفاتها الاستراتيجية وتحرير اقتصادها، فيما منحت اليابان فرصة لعب دور أكبر استقلالية على الساحة الدولية. فبعد هذه المتغيرات ونجاح الهند السريع في البروز كقوة اقتصادية ومنطقة جذب استثمارية، شهدت العلاقات نمواً متسارعاً، وارتفعت وتيرة الاتصالات على أعلى المستويات، وازداد اهتمام القطاع الخاص الياباني بالاستثمار في الهند، ليتوج كل هذا بالإعلان الياباني- الهندي الذي صدر في أعقاب زيارة رئيس الحكومة الهندية السابق "أتال بيهاري فاجبايي" لطوكيو في عام 2001، وتضمن اتفاق القطرين الآسيويين على الدخول في شراكة استراتيجية شاملة. هذه الشراكة التي جدد البلدان التزامهما بها أثناء زيارة رئيس الوزراء الياباني السابق "جونيتشيرو كويزومي" لنيودلهي في عام 2005 وزيارة نظيره الهندي "مانموهان سينغ" إلى طوكيو العام الماضي، بل وسعا أطرها لتشمل عقد قمم سنوية، وتبادل الطلبة والأساتذة والباحثين، والتعاون في الحقول العلمية والتكنولوجية، وتنسيق المواقف في المنظمات الدولية والإقليمية، والقيام بجهود مشتركة في مجال تأمين الطاقة والحد من الانتشار النووي ومحاربة الإرهاب والقرصنة البحرية، ناهيك عن تعزيز التعاون في حقول التجارة والصناعة والسياحة والاتصالات الفضائية والاستثمار.

وكان من نتائج هذه التطورات أن ارتفع حجم الاستثمارات اليابانية المباشرة في الهند من نحو مليار دولار في عام 2001 إلى ملياري دولار في عام 2005، وزادت واردات اليابان من الهند من 1.5 مليار دولار إلى 2.5 مليار دولار في الفترة ذاتها مقابل ارتفاع واردات الهند من اليابان من 2.2 مليار دولار إلى نحو 4 مليارات دولار. أما على صعيد المساعدات والقروض اليابانية، فقد وصلت في عام 2005 إلى 1.2 مليار دولار. وتوجد اليوم في الهند فروع لأكثر من 350 شركة يابانية تمارس أنشطة استثمارية مختلفة، من ضمنها شركتا "هوندا" و"سوزوكي" اللتين تصنعان المركبات والدراجات النارية الهندية.

وكدليل على أن الشراكة الاستراتيجية المبرمة بين البلدين ليست مجرد حبر على ورق، وإنما ترفدها أعمال والتزامات حقيقية، وقعت الهند مع اليابان في الشهر الماضي على صفقة بقيمة 50 مليار دولار لإقامة حزام صناعي، يربط ما بين عاصمة الهند السياسية (نيودلهي) وعاصمتها الاقتصادية (مومباي) بطول 1500 كيلومتر، وذلك على غرار الحزام الصناعي الرابط ما بين طوكيو و أوساكا -والذي يعمل منذ انتهاء العمل فيه في الستينيات بنجاح ويساهم بأكثر من ثلث الناتج المحلي الكلي لليابان.

وهذا المشروع الضخم الذي سيخترق ست ولايات هندية مكتظة بالسكان (دلهي وأوتار براديش وهاريانا وراجستان وغوجرات ومهاراشترا) ويغطي منطقة يسكنها أكثر من 180 مليون نسمة، ويمر بموازاة الطرق البرية السريعة، يشتمل على إقامة ثلاثة موانئ وستة مطارات وخطوط حديثة للسكك الحديدية ومحطة للطاقة بقوة 4000 ميغاوات ومناطق اقتصادية متخصصة ومرافق تخدم الصناعات الهندسية والإلكترونية والبتروكيماوية، الأمر الذي يتوقع معه حين الانتهاء من المشروع في عام 2012 أن تزيد الفرص الوظيفية بنسبة 15 في المئة، والناتج المحلي الكلي بنسبة 28 في المئة، وحجم الصادرات بنسبة 38 في المئة.

وبعبارة أخرى، فإن هذا المشروع، سيساهم في حل جزء معتبر من معضلة، لطالما اشتكت منها الهند في السنوات الأخيرة، وقيدت نسبياً تنافسها على جذب الاستثمارات الأجنبية، وتسببت في إعاقة صادراتها إلى الخارج، ونعني بها ترهل بنيتها التحتية من مطارات وموانئ وطرق ومحطات الطاقة أو نقصها. وطبقاً للدراسات والأبحاث المنشورة، تحتاج الهند إلى إنفاق أكثر من 300 مليار دولار خلال السنوات العشر القادمة لتحديث وتطوير قطاعات البنية التحتية فيها، لكي تصل إلى مستوى الصين مثلاً، وهو ما دعا رموزاً سياسية واقتصادية محلية إلى مطالبة الحكومة مؤخراً بالسحب من الاحتياطي النقدي البالغ حالياً نحو 200 مليار دولار للإنفاق على عملية تحديث البنى التحتية والإضافة إليها، ولاسيما في قطاع الموانئ. والمعلوم أن إحدى مشكلات الهند كانت ولا تزال بُعد موانئ التصدير والنقل عن الكثير من مراكز الإنتاج والتجمعات السكانية، بدليل أن 38 في المئة من سكانها فقط يعيشون ضمن دوائر تبعد 100 كيلومتر عن أقرب ميناء، مقارنة بنحو 50 في المئة في الصين و90 في المئة في اليابان ودول الاتحاد الأوروبي.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-27-5-2007