من الطبيعة الخلابةإلـــى التصحر ؛ الأهــوار.. نظريات نشوئها وعقابيل التجفيف

 

 

راضي محسن داود

 

 

توصف أهوار جنوب العراق بأنها من المناطق المهمة ذات الصفات المتفردة. فهي منبع للحضارات البشرية وقد لعبت ادواراً سياسية كبيرة في العديد من الازمنة مما جر عليها اضطهاد الحكام.

وهي من المناطق الرئيسة التي عرفت زراعة المحاصيل وتربية الماشية في نظام زراعي متكامل وكان ذلك منذ اكثر من 10 آلاف سنة وهذا يعني ان منطقة (البطائح) تمتلك ثروة هائلة من الصفات الوراثية التي تحملها سلالات وأنواع حيوانية هي التي تأسس عليها النظام البيئي في تلك المنطقة.

هذا بالاضافة الى ان منطقة الاهوار تعد من ابرز الانظمة البيئية وواحدة من اهم انطقة الاراضي الرطبة في قارتي آسيا واوروبا ويعيش سكان هذه المنطقة منذ فجر الحضارات القديمة وعرفوا كيف يوطدون علاقاتهم بالمكونات البيئية ويقيمون حياتهم على ما يقدمه لهم هذا النظام البيئي المتميز من مقومات العيش.

فهذه المستنقعات المائية كانت تمد العراق بحوالي 60% من الثروة السمكية كما كانت موطن محاصيل الارز وقصب السكر وتعمل كانظمة معالجة لمياه دجلة والفرات قبل ان تصب في الخليج العربي.

حيث ان مناطق الاهوار تتألف من مجموعة بحيرات واراض طينية واراض مستنقعة متصلة مع بعضها في الجزء الادنى من حوض دجلة والفرات وتمتد على مساحة 15.000-20.000 كيلومتر مربع وهي جزء لا يتجزأ من طرق عبور الطيور المهاجرة ما بين القارات ومنطقة توطن انواع الحيوانات المهددة بالانقراض بالاضافة الى هذا فان هذه المنطقة تعتبر تراثاً انسانيا لا نظير له في اسلوب العيش والتقاليد والثقافة.

أصل الأهوار وتكونها الجغرافي

هناك آراء مختلفة حول نشوء الاهوار وتكونها الجغرافي:

الرأي الاول: يعتقد أن المنطقة كانت مغمورة بمياه البحر الى ما قبل الالف الرابع قبل الميلاد ثم انحسر البحر تدريجياً الى الخليج بعامل الترسبات وتخلف جزء من مياهه في بعض المنخفضات فتكونت هذه الاهوار.

الرأي الثاني: يعتقد ان المنطقة تكونت نتيجة التواء القشرة الارضية مما ادى الى ارتفاعها في بعض الاماكن وانخفاضها في البعض الاخر وان اصحاب هذا الرأي يعتقدون بأن الاهوار كانت منذ الازل ولا يوجد ما يجزم بأن رأس الخليج كان شمالاً بل ان هناك ادلة جويولوجية تثبت القدم السحيق لهذه المنطقة.

الرأي الثالث: يعتقد ان الاهوار تكونت نتيجة للفيضانات الهائلة لنهر دجلة والفرات خاصة الفيضان الذي حصل عام 628م حيث طغى النهران دجلة والفرات مرة واحدة بحيث لم يعد بامكان الجهد البشري ايقافهما ما ادى الى تخريب السدود وتحول مجاري الانهر وبالتالي تحولت المناطق الجنوبية الى مستنقعات واهوار عرفت عند العرب بالبطائح (المياح 1984).

سكان أهوار العراق

تشير الابحاث الاثرية والتاريخية الى ان اغلب سكان عرب الاهوار ترجع انسابهم الى احدى القبائل العربية القديمة المعروفة الحسب والنسب وان هذه المنطقة كانت مآوى لتجمعات بشرية قديمة لأكثر من خمسة آلاف سنة خلت فهي تمثل ارث السومريين والبابليين وسكانها يمثلون حلقة وصل بين سكان العراق الحاليين وسكان بلاد ما بين النهرين القديمة وقد تأثر سكان عرب الاهوار بعمليات الهجرة والتزاوج مع الاقوام الفارسية والبدوية في المناطق المحيطة حيث يسكن في الاهوار العديد من العشائر العربية التي تتجلى فيهم المظاهر العربية والاسلامية في حياتهم وتقاليدهم واعرافهم الاجتماعية التي لا تختلف عما هو سائد بين القبائل العربية.

اما الزعم القائل بوجود ملامح هندية وايرانية او تركية عند افراد هذه العشائر فلا يخلو من الغلو والمبالغة والتشويه حيث يتخذ اصحاب هذا الرأي من احتراف سكان الاهوار حرفة تربية الجاموس دليلاً على كون اصول هذه العشائر غير عربي في حين ان الدلائل التاريخية والاثارية تشير الى ان الجاموس كان موجودا في العراق منذ اكثر من 3500 سنة قبل الميلاد.

مشاريع تجفيف الأهوار

لقد طرحت عدة مشاريع لتجفيف المسطحات المائية الواقعة في جنوب العراق وكانت لها اهداف ستراتيجية بعيدة المدى ولكن لم يجرؤ احد على اتخاذ قرار بتجفيفها نهائيا لما لهذا القرار من اضرار بيئية كارثية. ففي فترة مجلس الاعمار تم اعداد مشروع تجفيف الاهوار غير ان المشروع اصطدم بواقع ان الاهوار تعتبر اماكن طبيعية لتربية الاسماك ولأسباب اخرى تم صرف النظر عن هذا المشروع.

وبعد ذلك طور المهندس البريطاني ف.هيج (F.Haigh) عام 1951 خطة لتجفيف الاهوار الا انه كان ينوي تنفيذ ذلك بطريقة مدروسة وقد اعطت الاطار العام لاستصلاح الاهوار حيث تقوم على معالجة تملح التربة والحد من تدهورها حيث اقترح بناء شبكة من المبازل السطحية والمغطاة لجذب مياه البزل الى مناطق خاصة. رغم ان هذا المقترح كان يؤدي الى خفض تيار الماء الداخل الى الاهوار والسيطرة على الاجزاء السفلى من افرع نهر دجلة.

وكذلك قدم المهندس الاميركي Mott Mncdononals تصاميم متعددة تنفيذ قطاعين من المصب العام. هذا وقد بقيت هذه المخططات على الرفوف طيلة الحرب العراقية-الايرانية 1980-1988 باستثناء التدمير والتخريب الهائل الذي اصاب هور الحويزة بسبب العمليات العسكرية.

عمليات التجفيف

في حقبة التسعينيات وبعد انتهاء حرب الخليج الثانية قام النظام السابق بحملة هندسية واسعة ومبرمجة لتجفيف اهوار الجنوب العراقي وقد اشترك الجيش العراقي بكل قدراته التنفيذية على مستوى الجهد الهندسي وامكانيات دوائر الري وقد رافق ذلك اجلاء قسري لسكان القرى الواقعة ضمن المشروع بالقوة وهدم البيوت والقتل والقصف المدفعي وقد تم تنفيذ هذا المشروع بانشاء سدود ترابية لمنع تدفق المياه من الانهر التي تغذي الاهوار ومن ثم توجيهها لتصب في نهر الفرات عند القرنة وتحويل مجرى الفرات من موقعه الحالي شرق الناصرية الى مجرى المصب العام الذي كان في الاصل مبزلاً للمياه المالحة الى خور الزبير فالخليج العربي بالاضافة الى انشاء سدة ترابية بين قضاء المدينة ومحافظة الناصرية لمنع تدفق مياه الفرات الى هور الحمار بواسطة الروافد مع سدود ترابية داخل الاهوار نفسها لتسهيل تجفيفها بسرعة.

هذه العملية ادت الى تحطيم نظام حياة بيئي استمر اكثر من 5000 سنة وتقليص مساحة الاهوار التي كانت تمتد الى 15000-20000 كيلومتر الى اقل من 2000كم2 وتدمير الاهوار المركزية بنسبة 97% وتحولت الى اراض جرداء ما صاحبه انخفاض مجموع السكان من 400.000 مواطن الى حوالي 85000 مواطن اما الذين نجوا واصبحوا تحت ضغط الابادة فتم تهجيرهم الى المدن وجاءت هذه العملية مع انخفاض شديد في منسوبي نهري دجلة والفرات عقب انشاء السدود في كل من سوريا وتركيا بالاضافة الى حروب صدام المزمنة سواء كانت في الداخل والخارج.

تغيير المجال البيئي لمنطقة أهوار العراق

ان تجفيف هذه المنطقة التي تبلغ مساحتها 20.000 الف كيلومتر تعد من اغنى مناطق البلاد بالتنوع الاحيائي والبيولوجي واكبر نظام بيئي للمسطحات المائية في الشرق الاوسط مثلت اكبر الكوارث البيئية في العالم حيث ان سرعة التغيرات التي حدثت في بيئة الاهوار يمكن مقارنتها على حد تعبير احد الخبراء مع سرعة ازالة الغابات في منطقة الامزون او تجفيف بحر الاراك ففي اقل من عقد واحد من الزمان تم تجفيف اكبر مجمع مائي للمياه العذبة في العالم بالاضافة الى الاضرار الكبيرة التي لحقت بالتنوع الحيوي وانقراض مجموعة من الحيوانات المتوطنة في الاهوار بالاضافة الى التغيرات الكبيرة التي لحقت بالمناخ وانخفاض نسبة التبخر والرطوبة الجوية وقد شهد نظام الامطار في المنطقة تغيرات كبيرة وازدادت نسبة العواصف الترابية وحدث انخفاض كبير في اعداد الابقار والجاموس في منطقة الاهوار كما ان الحالة الصحية والمناعية للاعداد المتبقية من الحيوانات قد تردت بسبب نقص العلف الاخضر.

تدمير النظام البيئي

تؤلف الاراضي المغطاة بالمياه مساحة شاسعة في ارض جنوب العراق وتؤمن هذه البيئة المكان المناسب لتجمعات مهمة من الحياة البرية المستوطنة والمهاجرة ولكون هذه البيئة المائية محاذية للمحيط الصحراوي فان لذلك تأثيرا كبيرا على الحد من التصحر في المنطقة ومن الامور المهمة التي تلعبها الاهوار دخولها كحلقة اساسية في الهجرة الداخلية بين القارات للطيور والاسماك بالاضافة الى ان هذه البيئة من المسطحات المائية التي تحتوي على ارث طبيعي استثنائي ومخزون جيني مهم وعالمي.

1- المحيط النباتي والحيواني:

ان بيئة الاهوار المغطاة تماما بالنباتات الطبيعية حيث نبات القصب في وسط الاهوار بعده يأتي نبات البردي والذي ينمو في حواف الانهار والاهوار الموسمية وهناك بعض النباتات التي تتحمل الملوحة العالية مثل (النسل) و(الخويصة) و(العرمط) ولكل نوع من هذا التنوع النباتي فوائده واهميته البيئية كما ان له استخداماته الخاصة من قبل السكان.

اما الحياة الحيوانية فان الاهوار تتضمن تنوعا حيويا كبيرا ومكانا للتكاثر ونقطة تجمع للهجرات بين غربي سيبيريا - قزوين- النيل حيث سجلت الدراسات المسحية وجود 134 نوعا من الطيور والحيوانات النادرة تعرضت بعد عمليات التجفيف الى الضغط البيئي ويعتقد الخبراء الان انها انقرضت من المنطقة تماما.

2- النظام المناخي

ان تجفيف الاهوار لعب دورا مؤثرا في تغير الاحوال المناخية التي لها تأثير على الاحوال الزراعية والحياة البشرية حيث ان الجداول التي تحدد العناصر المناخية تثبت الاثر الواضح للسنوات العشر ما بعد مرحلة تجفيف الاهوار التي تخص المعدلات الشهرية والسنوية لدرجات الحرارة ومعدلات الحرارة العظمى والرطوبة النسبية حيث تجد الفروقات الكبيرة فمعدلات الحرارة للسنوات العشر التي سبقت التجفيف كانت 23,9 مْ اصبحت في التسعينيات 25,17 مْ ومعدلات الحرارة العظمى كانت 31,6مْ اصبحت 33,2 مْ ومقدار الرطوبة كانت 61% اصبحت 41% وكل هذا يعود الى ان الرياح الشمالية الغربية السائدة في المنطقة اصبحت تجري على ارض جافة فلا رطوبة فيها لكي تكون الضابط في عدم ارتفاع درجات الحرارة.

3. النظام البشري

ان تدمير البنى البيئية ادى الى تهجير القسم الاكبر من سكان عرب الاهوار”المعدان“ وتمزيق النسيج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي وحرمان السكان من التعايش وقد عانى السكان من عمليات تهجير واسعة ضمن حملات قامت بها الحكومة حيث تشير التقديرات الى ان ما بين 85000-100000 من عرب الاهوار يقيمون حاليا ضمن ما تبقى من مناطقهم الاصلية وبمن فيهم 10% يعيشون على الطريقة التقليدية بينما تبقى حوالي 100000- 200000 مهجرين داخليا ضمن الرقعة العراقية وحوالي 100000 يعيشون لاجئين بيئيين خارج العراق حيث ان عرب الاهوار هم سكان بلاد ما بين النهرين قد طوروا حياة فريدة معتمدين على المياه فهم يمتلكون ثقافة موحدة ولغة موحدة ودينا وعادات مشتركة لذا فانهم بوضوح مجموعة اثنية ودينية وهذه الاعمال الوحشية ادت الى ابادة عنصر حضاري وارث تاريخي كبير.

الخلاصة

ان تجفيف هذه المنطقة الواسعة من جنوب العراق ادى الى:

1- ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض نسبة الرطوبة وتدني نوعية التمور.

2- زيادة الاحتياج المائي للمحاصيل الزراعية نتيجة لما يفقده النبات من خلال التبخر.

3- احتياج الثروة الحيوانية الى الماء بكمية اكبر وتعرضها الى خطر الجفاف.

4- رحيل الطيور النادرة عن المنطقة.

5- انتشار الاملاح في التربة وخراب مواصفاتها.

6- تفكك جزيئات التربة ما يسهل على الريح رفع الذرات المهمة للانتاج الزراعي.

7- انقراض انواع لاحصر لها من الطيور والنباتات والحيوانات.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: جريدة الصباح-26-5-2007