الأميركيون... هل يتضررون من تراجع الدولار؟

 

رونن شيرر

 

ذلك الدولار العجيب المتقلص!.. ألا تشبه هذه العبارة عناوين الأفلام التي تعرض عادة في موسم الإجازات الصيفية والتي تتميز بالإثارة والإيقاع اللافت. ربما يكون الأمر كذلك... لكن لماذا نصف الدولار بأنه هكذا؟.. لأن قيمته انخفضت منذ بداية هذا العام بنسبة 5%، مقارنة بقيمة الجنيه الإسترليني واليورو.

لكن قيمة الدولار الآخذة في الانخفاض، قد تساعد في النهاية على حل واحدة من المشكلات المستعصية بالنسبة للاقتصاد الأميركي، وهي مشكلة العجز التجاري الضخم الذي وصل 63.9 مليار دولار في شهر مارس الماضي، وهو أعلى مستوى له منذ سبتمبر 2006.

وكان من الطبيعي أن تحاول الشركات الأوروبية العملاقة الاستفادة من ارتفاع قيمة عملاتها مقارنة بالدولار، من خلال إعلان نيتها عن استثمار أموال ضخمة في الولايات المتحدة الأميركية. في الوقت نفسه، نجد أن المصدرين الأميركيين الرئيسيين، مثل "البوينج" و"كاتربيلر"، قد أصبحوا يحصلون على مزيد من الطلبات من المستوردين الخارجيين الذين يحاولون الاستفادة من انخفاض قيمة الدولار. ويشار إلى أن انخفاض قيمة الدولار، تؤدي إلى تفوق الشركات الأميركية على غيرها من الشركات المنافسة، وذلك بسبب قدرتها على البيع بأسعار أقل من تلك التي يبيع بها المتنافسون.

والتغير في قيمة الدولار تترتب عليه أيضاً تداعيات فرعية بالنسبة للمستهلكين الأميركيين. فعلى سبيل المثال، نجد أن السفر للخارج قد أصبح أكبر كلفه بالنسبة للأميركيين حالياً، كما أنهم إذا ما رغبوا في مواصلة الاستمتاع بالبضائع الأوروبية التي اعتادوا عليها؛ كالجلود الإيطالية والشيكولاته البلجيكية وجبنة الشيدر الإنجليزية، فسيجدون أنفسهم مضطرين إلى دفع مبالغ أكبر مما كانوا يدفعونه سابقاً للحصول عليها. علاوة على ذلك، قد يجد كثير من الأميركيين أن المدير الذي يعملون تحت أمرته قد أصبح مديراً أجنبياً، سواء أكان مقيماً في الخارج أو منتقلاً للاستقرار في الولايات المتحدة، وهو ما يعود إلى قدوم العديد من الشركات الأجنبية -أو فروعها- للعمل والاستثمار في السوق الأميركية للاستفادة من أسعار الدولار المنخفضة. وفي الوقت نفسه نجد أن البنوك المركزية الأوروبية شرعت مؤخراً في رفع أسعار الفائدة، بينما يحافظ البنك الفيدرالي الأميركي على ثبات تلك الأسعار، بل قد يقدِم على تخفيضها في موعد لاحق من هذا العام، ما سيؤدي إلى جعل عملية شراء الأسهم والسندات الأميركية عملية غير مغرية -أو بالأحرى أقل إغراءً- من عملية شراء الدولار.

وقد أصبح في مقدور البنوك المركزية البريطانية والأوروبية رفع أسعار الفائدة لأن اقتصاداتها تمضي بخطى أسرع من الاقتصاد الأميركي. وذلك ما يشرحه "ستيوارت هوفمان"، كبير الاقتصاديين في مركز "بي إن سي للخدمات المالية"، بقوله: "عندما ينمو اقتصاد ما بسرعة أكبر من سرعة نمو اقتصاد آخر، ويعمل على رفع أسعار الفائدة، في مقابل أسعار الفائدة في الاقتصادات التي تتقدم بسرعة أقل، كما هو الحال في الولايات المتحدة حالياً، فإن ذلك يكون في صالح الاقتصاد الذي ينمو بسرعة أكبر".

وفي الأسابيع الأخيرة ازداد موقف الدولار الأميركي ضعفاً، وهو ما دفع عدداً من الشركات الأوروبية إلى الإعلان عن طرح استثمارات ضخمة لها في الولايات المتحدة بداية هذا الشهر. فعلى سبيل المثال أعلنت شركة الصلب الألمانية العملاقة "ذايسينكروب" أنها ستشرع في بناء مصنع كلفته 4.18 مليار دولار في ولاية ألاباما، كما أعلنت شركة "بي. أم. دبليو" الألمانية الشهيرة أنها ستزيد إنتاجها من السيارات في مصنعها الكائن بـ"سبارتانبيرج"- ولاية كارولينا الجنوبية من 140 ألف سيارة حالياً إلى 200 ألف سيارة سنوياً. وفي الاجتماع السنوي للشركة أعلن مديرها العام أن الزيادة في إنتاج السيارات تعد وسيلة ضمن الوسائل التي تعتمدها الشركة لتقليص حجم المخاطرة التي قد تتعرض لها في السوق الأميركي، وهو أكبر سوق خارجي لألمانيا.

أما في الخارج، فإن التغيرات التي تتم في أميركا، قد أرغمت الأميركيين على التكيف مع أوضاع جدية. ففي السابق كانت المطاعم الإيطالية الشهيرة في "توسكاني" تكتظ بعدد كبير من الأميركيين الذين كانوا يشكلون قرابة 90% من إجمالي زبائنها، في حين أن عددهم في الوقت الراهن لا يتجاوز 5% فقط، بسبب انخفاض قيمة الدولار بالنسبة لليورو. ولا يقتصر الأمر على المطاعم الإيطالية فقط بل يمتد ليشمل الفنادق وأصحاب المحلات التجارية، الذين يعانون هم أيضاً جراء الانخفاض الكبير في أعداد السائحين الأميركيين الذين توقفوا عن الحضور ليحل محلهم سياح ألمان وإنجليز بل وزوار إيطاليون من مدن أخرى. وهذا التغير، للأمانة، ليس حديثاً حيث بدأت إرهاصاته عقب الحادي عشر من سبتمبر، عندما أصبح الأميركيون أكثر ميلاً لقضاء عطلاتهم في الوطن أو حتى في دول أقرب. وبعد أن استرد الأميركيون رباطة جأشهم ورغبوا في العودة لقضاء العطلات في أوروبا، فإن الارتفاع المطرد لليورو والعملات الأوروبية مقابل الدولار، حال دون ذلك وأدى إلى تقليل أعدادهم على نحو مطرد.

ويقول وكلاء شركات السفر إن الأميركيين الذين لا يزالون يفضلون قضاء رحلاتهم في أوروبا، أصبحوا يفضلون الذهاب إلى دول شرق أوروبا التي تتميز بانخفاض أسعار الفنادق والخدمات فيها مقارنة بالدول الواقعة في غرب وشمال أوروبا، ما أدى إلى زيادة نسبة الحجوزات إلى بولندا مثلاً بنسبة 100% وإلى جمهورية التشيك بنسبة 143% خلال العام الماضي.

*كاتب أميركي متخصص في الشؤون العلمية

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر الذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور" -23-5-2007